متابعات

"ارتجاف في غزة".. الذين لم يُصابوا في الحرب

أسماء الغول - غزة


لقطة من الفيلم

حين تسمع اسم الفيلم "ارتجاف في غزة"، تتوقع أنه مثل عشرات من الأفلام التي تتحدث عن الحرب والقصف واهتزاز المنازل، ولكن منذ اللحظة الأولى التي يبدأ فيها الفيلم تنهار توقعاتك، وتصدمك الأصوات الغريبة وضحكات رجلين يبدأ بهما المشهد الأول.

وهنا قوة الفيلم بالصدمة الأولى التي يتركها عند المُشاهد، حين يرى رجلين يهزان جسميهما، في حين أن جميع من في الغرفة يضحك بلا توقف، وتكتشف بعد حين أنها حلقة معالجة.

أحد الرجلين معالج نفسي، والآخر يهزّ جسده وهو يصرخ فيظهر صوته مرجوجا مضحكا، وهكذا يمتدّ المشهد لدقائق طويلة، متروكا على إطلاقه، مُظهراً تردد الرجل الذي لا يريد أن يبدو مضحكاً بين زملائه، ولكن الجميع لا يتوقف عن الضحك، إنه الفخر الذكوري الذي يترفّع عن استخدام الجسد في التعبير عن المشاعر الكامنة.
وتتعدّد الجلسات لرجال يتمرنون لإخراج وتحرير آثار صدمتهم وخوفهم منذ الحرب الماضية التي بدأت في الثامن من يوليو للعام 2014، وانتهت في السادس والعشرين من أغسطس من العام ذاته.
وسرعان ما يتحول الضحك إلى جدية وحزن، وتبدأ التمارين بالفعل في ترك أثرها عليهم، وتخرج مشاعرهم الحقيقة التي بقيت مكبوتة خلال واحد وخمسين يوماً من حرب الصيف الماضي.

المعالج النفسي هولندي، ويصاحبه طوال مشاهد الفيلم مترجم يترجم كلامه للمتحلقين حوله، وهناك على الدوام المصور الذي يصور المشهد بطبيعية فائقة ويقترب من الوجوه، إلى درجة أنك تتساءل؛ كيف لم يشعروا بالكاميرا، وكأنها كانت غير مرئية؟!
يتنقل المخرج بين ثلاثة رجال خلال جلسات العلاج، ولا يعتمد على حبكة درامية أو شخصية تلعب دور أساسي، بل تشعر أنه تجميع للمشاهد، ولكن ذكاء وقوة وغرابة فكرته وهي أنه فيلم صُنع عن الرجال الضحايا، تنقذه من أن يكون مجرد توثيق لجلسات علاج نفسي.

ففي الوقت الذي تحدثت فيه معظم الأفلام إن لم تكن جميعها، التي صُنعت عن الحرب الأخيرة على غزة، عن الضحايا من العائلات والأطفال وقصص المصابين والمشردين والنساء الثكالى، يأتي هذا الفيلم ليعطي للرجال فرصتهم بأن يُظهروا ألمهم النفسي دون أن يقدمهم  كأبطال، بل آباء ارتعبوا خوفاً وهم يُظهرون القوة لأبنائهم تحت القصف.
وهذا يأخذنا إلى نقطة أساسية تتعلق بعامل نجاح الفيلم؛ فلن تهم إمكانياته الفنية والإنتاجية إذا لم تكن فكرته الأساسية مبتكرة وتعمل على صفع المشاهد وشدّ انتباهه حتى النهاية خاصة إذا كان الفيلم يغامر بألا يتبع خط درامي أو شخصية مركزية بمقدار ما يكثف من إنسانية بضع لحظات، فيضحكك ويبكيك دون أن يعرض مآسي، بل يتحدث عن آثار الحرب على الناس الذين لم يصابوا فيها!

وتمنح شخصية المعالج النفسي الكاريزمية في الفيلم، توازنا لبعض المشاهد الضعفية بسبب عشوائيتها، فتجده مُصرّا على تحرير ضحيته من مخاوفها، بأسئلته التي تتغلب على ذكورية الرجال حوله كسؤال "هل حميت أطفالك أثناء الحرب؟"، "هل شعرت بالخوف؟".
يؤثر الفيلم التسجيلي "ارتجاف في غزة" عميقا في المُشاهد، خاصة من عاش أتون صراعات سياسية، إلى درجة أنك تشعر برغبتك أن تقف وتقوم بالتمارين ذاتها، سيما وأن عرضه أتى في الأيام الأولى من ذكرى الحرب.
وعُرض الفيلم بمدينة غزة بالتعاون بين بيت الصحافة وبين المركز الوطني للتأهيل المجتمعي، وقد ساعد المركز الوطني المخرج والمعالج على تنظيم جلسات العلاج النفسي وتصويرها.


مخرج الفيلم

ويقول مخرج الفيلم الهولندي Geert Van Kesteren للجزيرة الوثائقية على هامش العرض في غزة: "الفيلم يتعامل بعمق مع الخوف والمشاعر، ويركز على ردات فعل مواطني غزة خلال العلاج النفسي للتخلُّص من آثار الصدمة وألم ذكريات الحرب، وقد كانت مغامرة أن نختار موضوعا نفسيا للفيلم وليس تقليديا".
 وأوضح أن الفيلم يتناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بشكل مختلف، وبعيدا عن الأجندات أو القضايا السياسية، بل يتناول إنسانية الرجل العادي وخوفه.

أما المعالج النفسي Jan Andreae فيقول للجزيرة الوثائقية: "غزة الآن تمر بوقت هو الأصعب على الإطلاق، فتشعر أن المواطن هنا أجنحته مكسرّة، وفاقد الأمل بأن يجد ضوء في نهاية النفق، لذلك من المهم الصراخ والبكاء والاهتزاز والتفريغ العاطفي أساسي في  هذه المرحلة والأهم أن يمارسه الشخص وهو يتواصل مع إنسان آخر، وليس وحده، لمقاومة ما تسببه الحرب من عزلة في دواخلنا".
وأوضح أن الحرب تنتهي ولكن صدمتها تبقى عالقة في عقول الناس، لذلك يجب التخلص منها قبل أن تتحول إلى سلوكيات تتمثّل في العنف الأسري والمجتمعي، مشيرا إلى أهمية تحرير الإنسان من الصدمة بعد الحروب.
وأكدّ كل من المخرج والمعالج أن الفيلم إنساني لكنه يترك أثر كبير على المستوى السياسي حين يرى الآخر ماذا يفعل بجيرانه، ويلفتان إلى أن الفيلم تم عرضه في مدينة تل أبيب بإسرائيل، وقد دُهشا من ردود فعل الناس الذين تأثّروا به إلى حد كبير.

وبعد عرض الفيلم في غزة بعدة أيام، وتحديداً في الأسبوع الأخير من شهر يوليو الماضي، قام أعضاء في اليمين المتطرف الإسرائيلي بالهجوم على رئيس بلدية بئر السبع، روبيك دانييلوفيتش، بسبب تنظيم عرض الفيلم 'ارتجاف في غزة'، بدعم من منظمة العفو الدولية "أمنستي" هناك، وقد تم منعه بالفعل يوم العرض.
 وكذلك فعل رئيس مستوطنة "سديروت"، حين منعه أيضا من العرض، وكان اليمين المتطرف أرسل رسائل تهديد وتشهير إلى داعمي الفيلم من اليسار الإسرائيلي على هواتفهم النقالة وحساباتهم على مواقع التواصل الإجتماعي.
إن استخدام كلمة ارتجاف في اسم الفيلم جاء فيه كثير من الرمزية ويعادل موضوعياً بين كل ما يرتجف من أرواح ومنازل وذاكرة، وأجساد، وعيون، وحتى "مولد الكهرباء" الذي يهتزّ أثناء عمله، وبصوت مرتفع في كل شارع من شوارع قطاع غزة بسبب استمرار انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، وهو المشهد الأخير في الفيلم.

قد ينال إعجابكم