متابعات

البندقية السينمائي: "دو بالما" وريث هيتشكوك

 د. أمـل الجمل – فينيسيا

السينما هى فن الكذب الجميل، فن الخداع والإيهام الذي ينقل الواقع والحقيقة، ألم يقل براين دو بالما ذات يوم: "الكاميرا دائماً تكذب، إنها تكذب 24 مرة في الثانية".. لكن كاميرا "دو بالما" لا تكتفي بالكذب، إنها تنغمس في العنف وتغرق في الدماء مع شخصياته التي تعيش القلق، والضياع قبل أن يصل بعضها إلى النشوة، إنه مهووس بالشخصيات الفضولية التي تمنحه الطريق ليسرد حكايته.

اتسمت أعماله بالإثارة والغموض والخوض في عوالم شخصيات تمارس أو تقع تحت القهر والبارانويا في أجواء من التشويق، حتى أطلق عليه الجمهور لقب "هيتشكوك الجديد". في حين وصفه البعض بأنه الوريث الشرعي لهيتشكوك وابنه الروحي، بينما انتقده فريق ثالث ونعته "بالمزوِّر" و"المُقلِّد" لهيتشكوك، وبأنه في أفلامه يميل إلى المبالغة والمسرحة التي تصل حد السوقية والابتذال، على الأخص المبالغة في تصعيد مستوى التوتر، إضافة إلى التساؤل المشروع؛ لماذا يُعيد تمثيل مشهد مثل سلالم الأوديسا في فيلم من توقيعه؟ ولماذا لم يبتكر مشهدا جديدا؟ لماذا كل هذا الاحتفاء والفرح بالتقليد والمحاكاة خصوصا فيما يتعلق بتجربة هيتشكوك؟

وهو نفسه في اللقاء المطول الذي صُور معه ضمن فيلم "دو بالما" والذي أُنجز عنه بمناسبة تكريمه في موسترا الثاني والسبعين - أخرجه نواه بومباك وجاك بالترو - يعترف دو بالما بأنه أكثر المخرجين الذين تأثّروا وتشربوا عوالم ألفريد هيتشكوك، وبأنه كان دوما عندما يفكر في إخراج عمل مقتبس عن عمل آخر سينمائي كان يدخل في تحدِّي مع نفسه لاختراع مشاهد أكثر دموية مما في الأعمال السابقة، كان يُنقِّب عن دموية لم يسبق لها مثيل، كما فعل عندما أعاد إخراج "فيرتايجو"، و"بلو أب"، وظلّت دائما الصورة هي شغله الشاغل، إذ يقول: "كل ما يهمني هو لغة الصورة، هي أول شيء أفكر فيه عندما أبدأ في التخطيط لموضوعات أفلامي، فهي التي تمدّني بفرص عظيمة على المستوى البصري، فالمعطيات البصرية المعقدة في أحيان ليست قليلة هي طريقي إلى تطوير القصة."

كل ما سبق وأكثر نتعرف عليه من خلال المحاضرة السينمائية التي يمكن أن نصف بها الفيلم الوثائقي "دو بالما" الذي أخرجه نواه بومباك وجاك بالترو شقيق الممثلة "جونيث بالترو"، والذي عُرض بمناسبة تكريم مهرجان البندقية السينمائي في دورته الأخيرة لبراين دو بالما البالغ من العمر 75 عاماً، ومنحه جائزة تكريمية بعنوان "جاجير لو كولتر، المجد للسينمائي"، أثناء انعقاد الدورة الثانية والسبعين للمهرجان الإيطالي العريق، والذي اعتبرها البعض جائزة متواضعة تُقدم لسينمائي له اسهامات سينمائية كبيرة لا تنسى ولا يمكن تجاهلها.

فرغم أن عددا من أفلامه ينتمي لأفلام الدرجة الثانية أو الحرف "ب"، لكن ذلك لا ينفي أن دو بالما – الذي بدأ حياته السينمائية عام 1960 بأفلام قصيرة واستمر على هذا المنوال حتى عام 1968 إذ أخرج فيلمين روائيين طويلين في ذلك العام هما"Murder a la mod"  و"Greeting" الذي أسند فيه أول بطولة لروبرت دو نيرو - له أفلاماً على مستوى عالي من الأهمية لاتزال خالدة في عقول النقاد والمشاهدين مثل "كاري" 1976، و"جاهز للقتل" 1980، و"طريق كارليتو" 1993، و"المنبوذون" 1987 الذي جمع فيه ثلاثة نجوم يعتبروا من آلهة التمثيل - روبرت دي نيرو وكيفين كوستنر وشون كونري - كان من الصعب أن يجتمعوا في عمل واحد.

و"الوجه ذو الندبة" الذي قدمه عام 1983 – وكتبه أوليفر ستون - من بطولة آل باتشينو في دور توني مونتانا اللاجئ الكوبي، ومهرب الكوكايين الخيالي، والذي يستعرض الفيلم كيف بدأ توني مونتانا مسيرته من كوبي هارب إلى الولايات المتحدة إلى أحد أكبر بائعي المخدرات في الولايات المتحدة.
كان أداء باتشينو مغايراً ومفاجئاً ومدهشاً، بتلك الشخصية الوقحة المتشردة الملعونة، شخصية مجرم من الطبقة الدنيا يحمل عنفا وتهورا وقدرة على التخطيط الإجرامي لا مثيل له. إنه من دون شك كان يستحق الأوسكار في ذلك العام لكنه حتى لم يرشح له لأن أمريكا لا تحب من يكشف وجهها القبيح، أو مثلما قال مارتن سكورسيزي لدو بالما في العرض الخاص للفيلم "أن أمريكا لن تحب الفيلم لأنها لا تحب أن ترى وقاحتها"، وبالفعل حُرم باتشينو والفيلم من الحصول على أي من جوائز الأوسكار في ذلك العام.

فيلم ضعيف أنقذه دو بالما 
   يستمد الفيلم الوثائقي "دو بالما" قيمته فقط من أسلوب الحكي المميز عند براين دو بالما المخرج الأمريكي من أصل إيطالي المولود في نيوجرسي لأب جراح، والذي درس الفيزياء لكنه كرس حياته للسينما كتابة وإخراجاً، والمغرم بحضور المهرجانات السينمائية لمشاهدة الأفلام حتى لو لم يكن له أفلاماً معروضة بها.


دو بالما

يستمد الشريط الوثائقي قيمته من خفة ظل "دو بالما" وقدرته على الأداء التمثيلي الذي يتميز بالحضور الطاغي وقدرته على السخرية أثناء سرد الحكايات الخاصة بأفلامه، وعن نفسه، وكيف كان يفكر أثناء الإعداد لمشاريعه السينمائية، واقتباساته من عالم الفن السابع، وتكرار أو إعادة إخراج مشاهد في أفلامه، والصعوبات التي واجهته، والبذور الأولى لأفلامه وشخصياته المستمدة أحياناً من حياته الشخصية ومن علاقته النسائية، أو تجاربه مع الممثلين وآرائهم فيهم مثل شون كونري الذي أثار حفيظته أن يُقتل بالشكل الذي كان عليه في "المنبوذون"، وكيف هرب آل باتشينو بالقطار من التصوير عندما كان يلتقط مَشاهد "طريق كارليتو"، ورأيه في أداء كليف روبرتسون في "هاجس" الذي يعتبره سيء وأن العمل معه كان شاقاً، وأنه إلى اليوم ليس راضياً على أدائه، لأن وجهه لا يوحي بوجه رجل فقد زوجته، وحديثه عن روبرت دو نيرو الذي أسند إليه البطولة في سنّ مبكرة، مؤكدا أنه هو وأورسون وَلز لم يحفظا الحوار.

ثم يتطرق ليحكي بحب ورقّة عن الموسيقي برنارد هرمان ويستعيد اليوم الذي جاء فيه إلى الاستوديو في يده عصاه ليشاهد "هاجس" ويضع موسيقاه التصويرية، ثم كيف ذهب إلى الفندق بعد إتمام العمل وتوفي مباشرة.
   أثناء لقائه المطول بالفيلم، لا يخفي دو بالما ضيقه وغضبه من السياسة الأميركية الخارجية التي لا تحترم ثقافة الآخر والتي تسببت في حروب بلغت حد المجازر مما جعله يخرج فيلمين حربيين هما "ضحايا الحرب" عن فيتنام و"منقّح" عن العراق، والذي يعترف أن عدم وعيه وإلمامه التام بثقافة الآخر انتقص من قيمة الفيلم الأخير رغم إتقان الممثلين للأدوار.
 كما لا ينكر أن أعماله في السنوات الأخيرة ليست في المستوى الجيد، يتضّح ذلك عندما يقول أن السينمائيين يحققون أفضل أعمالهم عندما يكونون في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من أعمارهم، وحتى يأخذ الكاميرا بعيدا عنه قليلاً يُؤكد رأيه السابق من خلال استحضار تجربة هيتشكوك مرة أخرى.

مثلما لا يتورع دو بالما عن الحكي عن حياته الأسرية والخلافات المبكرة التي عاشها بين والديه، وزيارته الدائمة لوالده الجرّاح منذ صغره ورؤيته المستمرة للدماء، ومراقبته له مع عشيقاته، وربما هذا يُلقي قدراً ولو شحيحاً من الضوء الذي يفسر اتجاهه لأفلام الرعب المنغمسة في الدماء والازدواجية، ربما يفسر لماذا بقي براين مع أفلام الإثارة والقلق والضياع طويلاً، ولماذا لم يمتلك القدرة على أن ينجح في الكوميديا دائما مثلما فعل في أفلام الرعب والتشويق.

لاشك أن فيلم "دو بالما" للمخرجين نواه بومباك وجاك بالترو عمل وثائقي ضعيف فنياً، ولم يكن بحاجة لاثنين من المخرجين الروائيين لإنجازه، لأن مساعد مخرج تليفزيوني متواضع كان يمكنه إنجاز المهمة من دون أي مشقة وذلك بمساعدة مُعدّ أو ناقد سينمائي يعرف جيداً تاريخ ومنجز "براين دو بالما" الذي لولا شخصيته لكان الفيلم المتحقق عنه فاشلاً، فهو عمل تليفزيوني متواضع يستند على مقابلة مطوّلة في جلسة واحدة ومكان واحد حيث يتحدث "دو بالما" ويتم الانتقال من حديثه إلى لقطات من أفلامه التي يحكي عنها. 

بقي أن نشير إلى أن "دو بالما" لم يكن الوحيد الذي حظى بتكريم مهرجان فينيسيا السينمائي الثاني والسبعين، إذ أن المخرج الفرنسي "برتران تافيرنييه" منحه أيضاً المهرجان أسداً فخرياً عن مجمل أعماله، ومثله المخرج المكسيكي "أرتورو ريبستاين" الذي نال هو أيضاً جائزة خاصة.

قد ينال إعجابكم