متابعات

"باب الوداع" المُغلق على نفسه

د. أمــل الجمل

 لن تعرف الأم الابن إلا بموته، ولن يعرف الابن الأم إلا بموتها".. إنها كلمات "كريم حنفي" مخرج فيلم "باب الوداع" المطبوعة على إحدى لقطات الفيلم، والمعلقّة على حسابه بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك".

شخصيا، ولأن كاتبة هذه السطور شاهدت الفيلم فكان تفسير الكلمات بالنسبة إليها يحمل بعداً فلسفيا أكثر من كونه جزءاً من السرد بالشريط الروائي، فالبُعد لأي سبب من الأسباب – سواء بالموت أو الرحيل أو الغياب أو التحرر – يجعلنا نعيد رؤية الأشياء بصفاء أكثر من دون مؤثرات أو ربما تحيزات، فخلق المسافات البعيدة بين الأشخاص الذين كانت تربطهم علاقات قوية تجعلهم أحياناً – لو كانوا يملكون البصيرة- يُعيدون رؤية الأشياء في نصابها الصحيح.

لكن المفاجأة أنه عندما طرح الناقد السينمائي علي أبو شادي تساؤلاً على حنفي قائلاً: "كلام جميل يا كريم.. لكن مَنْ منهم يموت أولا.. الأم أم الابن؟" فرد المخرج بابتسامة: "الابن". وهنا أجدني أتساءل بدهشة: إذا كان الابن هو مَنْ يموت أولاً، فمَنْ إذن يحكي الحكاية؟ مَنْ هو الراوي في "باب الوداع"؟؟! فالشريط منذ بدايته، ومنذ ظهور تلك اللوحة التي تقول كلماتها "أنت يا من كنت دوما هنا، ستكون في كل مكان". والتي يُكررها الابن الشاب فيما بعد بصوته من خارج الكادر، الابن الذي يقول بعض الجُمل البسيطة المعبرة على مدار الفيلم من خارج الكادر أيضاً، فالشريط الروائي تخلى تماماً عن الحوار، وجعل ممثليه يكتفون بالتعبير البصري الإيمائي، واكتفى بأن يكون شريط الصوت مزيجا من الأغاني القديمة والآيات القرآنية، والموسيقى التي ألفها راجح داوود للفيلم للتعبير عن الحالة الجوانية للأبطال المحاصرين في عوالمهم الخاصة.

والسؤال لايزال بحاجة لإجابة: مَنْ هو الراوي في شريط "باب الوداع"؟ فالفيلم يبدأ من لقطة للابن صغيراً في يد جدته التي اصطحبته لزيارة المقابر في لقطة طويلة جداً – لقطة جميلة لكن طولها زائد عن الحد - وهناك يرى امرأة شابة تتابعه وكأنها طيف، وهى على أي حال يتكرر ظهورها مرات عدة على مدار الفيلم دون أن ندري أو نفهم مَنْ هي؟ وحتى عندما تلتقي بها امرأة أخرى في المقابر وتدس في يديها شيئا لا نراه ولا نعرف كنهه، وكأنه الغموض من أجل الغموض، فحتى الأحلام بكل ارتباكها وعدم معقوليتها تبدو - للمفسرين والمحللين الخبيرين - وأنها تمتلك منطقها الخاص ويمكن تفسير رموزها، لكن في "باب الوداع" لو حاولت تفسير الغموض لن تنجح، ولو حاولت فهم القصة جيداً لن تنجح، فقط على المتلقي أن يتتبع توالى الصور والذكريات التي تحمل أثراً من المشاعر التي تتعلق بالشخصيات الرئيسية الثلاثة؛ الأم الحزينة والخائفة التي تحيا الوحدة بعد فقدان الزوج، في حين نرى الجدة قد تعايشت مع وحدتها برضا وقناعة ونراها تستقبل الموت بسلام في حين أحرقت الأم الشابة غصن أيامها وشبابها الأخضر بهواجس الخوف والحزن.

أما الشخصية الثالثة فهى الابن الذي نفهم أنه الآن أصبح شاباً ويُعيد تأمل أو مطاردة طفولته وذكرياته، فيستعيد إحساسه بأن أمه غرست فيه الخوف والحزن وأن نسيجه الوجداني والعاطفي قد تشربهما تماماً فأصبح أسيراً لهما رغم محاولته الإفلات، وإن كانت اللقطة الأخيرة في العمل تؤكد أنه خرج من بين جدران هذا البيت، لكن التفاته للخلف وملامحه يكسوها الخوف تقول أنه خرج لكنه لم يتحرر بعد.

لاشك أن الميزة الكبرى للفيلم هي المستوى البصري الذي ينجح في أوقات عديدة على تجسيد حالة شعورية لأبطاله مثل تلك التي تقوم فيها الأم – قامت بدورها الممثلة الرائعة سلوى خطاب – بتسريح شعرها ثم قصه وصوت المقص يخلق حالة من الشجن كان يمكن لها أن تكون ذات تأثير أقوى لو تم تقصير اللقطة، وكذلك لقطة صبغ شعر الجدة بالحناء، والشموع الموقدة سواء في لقطات الأطفال الموتي بصورهم، أو صورة الجدة خلف الشموع، أو لقطة الام أثناء الحريق وهى تجلس على الكرسي وسط ألسنة اللهب التي تقترب منها يصاحبها صوت النيران المتقدة كأنها تنهش القلب، أو عندما يُغلق الباب على الابن الشاب بينما المصباح خارج الغرفة، أو في تلك اللقطات التي نرى فيها الابن يتأمل أمه سواء في اللقطات العادية أو حتى في لقطات الحلم أو الذكرى، وحتى في مطارداته لنفسه في طفولته في الطرقات وعلى السلالم.

من الواضح أن المخرج كان لديه فكرة ثمينه عن الخوف والحزن الذي تغرسه الأمهات في أبنائهم من دون قصد وأحيانا رغبة في الحماية المبالغ فيها، وهو أمر يمكن إثارة الجدل من حوله خصوصاً في ظل الصورة السلبية وحالة الاستسلام التي صدرها الفيلم لكافة النساء سواء رئيسية أو ثانوية. مع ذلك فإن الإشكال الجوهري الذي يعاني منه العمل الرغبة في المحاكاة وتقليد اثنين من الكبار في قامة شادي عبد السلام وأندريه تاركوفسكي، فالتأثر بتجربة شادي في "المومياء" تتضح من التصوير وتكوين الكوادر، ودرجات الألوان، وكذلك التأثر بفيلم "مرآة" للمخرج الروسي أندريه تاركوفسكي يتجلى بوضوح في مستويات السرد والتنقل بين لقطات الحاضر والحلم والذكرى بألوانها وحتى في استحضار امرأتين للمقارنة بينهما الأم والزوجة في "مرآة" التي تحولت إلى الأم والجدة في "باب الوداع". والتأثر بالمخرجين الكبار لا يعتبر نقيصة إذ تم هضم تجاربهما لمحاولة تقديم إبداع آخر مغاير بوجهة نظر جديدة، لكن المخرج الشاب هنا الذي يستهل أولى تجاربه الطويلة لم يمتلك خبراتهما ووعيهما، وبالتالي جاء السيناريو غير واضح، وغير مترابط، فالسرد مرتبك، متعثر، وبه أشياء تلغي أشياء سابقة أو تالية لها.

رغم ما سبق لا يمكن إنكار أن كريم حنفي في "باب الوداع" قدم نفسه كمخرج قادر على خلق حالة شعورية مؤثرة من خلال تكوينات بصرية موسومة بجمالية عالية تحمل توقيع مدير التصوير زكي عارف، وأنه قام بإدارة ممثليه بمهارة، خصوصاً سلوى خطاب، وأحمد مجدي الذي يؤكد في دور بعد الآخر أننا أمام ممثل موهوب ينتظره مستقبل واسع الآفق إذا نجح في اختيار أدواره بتأني، وكذلك آمال عبد العادي، وشمس لبيب.

بقي أن نشير إلى أن الفيلم وفق تصريح المخرج أثناء عرض فيلمه بمهرجان القاهرة السينمائي عام 2014 داخل المسابقة الرسمية قال بأنه صوّر الفيلم بكاميرتين في 12 يوماً على مدار أربع سنوات، أما التحضير للعمل فاستغرق 3 سنوات، فقد حصل على منحة من وزارة الثقافة عام 2006، وتسلم العقد عام 2007، وبدأ التصوير فى نوفمبر 2010، وتوقف بسبب الثورة، وإجمالى الميزانية وصل وقتها إلى 600 ألف جنيه، لكن بعد اكتمال التصوير وصلت إلى مليون و200 ألف جنيه، منها 500 ألف جنيه من وزارة الثقافة، و50 ألفاً من أحد الداعمين، وأنه قام بدفع 250 ألف جنيه، ومعظم المشاركين لم يتقاضوا أجوراً، وأن كل مَنْ عمل بالفيلم ساهم في إنتاجه.

قد ينال إعجابكم