متابعات

"أنطاليا": تتويج عربي وتراجع تركي

قيس قاسم - أنطاليا 

فعلها الآيسلندي "تور فريدريكسون" وأعطى أهم جائزتين في المسابقة الرسمية الدولية لفيلمين عربيين (ذكريات منقوشة على حجر) للكردي العراقي شوكت أمين كوركي، وأفضل إخراج للفلسطيني هاني أبو أسعد عن فيلمه (يا طير الطاير)  متجاوزا مع فريقه في لجنة تحكيم الدورة الـ52 لمهرجان أنطاليا الدولي كل التوقعات التي رجحّت خروج أحد الأفلام التركية المتبارية بينها بجائزة مهمة، خاصة وأن منظمي الدولة حاولوا ضم بعض الأفلام التركية القوية إلى المسابقة لتخفيف المنافسة فيما بينها ضمن المسابقة الوطنية وأيضاً لضمان أكبر فوز لها في الدورة، لكن كل ذلك لم يحدث واكتفت التركية بجائزة أحسن ممثل نالها "حيدر شيشمان" بجدارة عن دوره في فيلم "برودة نهاية التقويم" في حين أخذت الألبانية "ألبا رورفاتش" جائزة أفضل ممثلة عن دورها في "قسَّم العذرية" فيما ذهبت بقية الجوائز إلى أفلام أوروبية (أفضل سيناريو للسويدي "صبيان- ضياع فتاة") و(أفضل موسيقى تصويرية للصيربي "مقاطعة").

من دون شك أعطى قرارها منح فيلم تدور أحداثه حول موضوع كردي الجائزة الدولية الكبرى استقلالية لها وللدورة، التي كانت بأمسّ الحاجة اليها، بعد بروز خلافات حول قرارها بتوزيع الأفلام الوثائقية التركية على أكثر من قسم من أقسامها، الأمر الذي اعتبرته جمعية الأفلام الوثائقية التركية محاولة للتغطية على الاحتجاجات التي ترافقت مع الدورة السابقة ورفع مجموعة من السينمائيين الأتراك مذكرة احتجاج رسمية على منع أحد الأفلام من العرض، في حين برّر منظموها إجرائهم بأنه يهدف إلى عدم حصرها في خانة واحدة من أجل إتاحة فرصة أكبر للجمهور لمشاهدة المزيد من الوثائقيات التركية خلال أيام الدورة.

فوز فيلم شوكت أمين في أنطاليا جاء بعد مسيرة نجاح طويلة بدأت من مهرجان أبو ظبي السينمائي (المتوقف الآن) واستمرت في مهرجانات عالمية كثيرة في حين ما زالت انطلاقة الفلسطيني "يا طير الطاير" في أولها بعد عرضه العالمي الأول في مهرجان تورنتو قبل مدة قصيرة.
أراد أبو أسعد لفيلمه أن يكون أقل حدّة من بقية أفلامه السابقة وأكثر تفاؤلاً ولهذا نتوقع له نجاحاً على المستوى الشعبي لا النقدي.


فيلم "يا طير الطاير"

فرضت تجربة فوز المطرب الفلسطيني محمد عساف بجائزة مسابقة "أراب آيدل" على نص سينمائي كُتِب ليتوافق مع طبيعة التجربة، التي أخذت بعداً أوسع من مجرد نجاح فني وهذا ما اشتغل علية أبو أسعد حين راح يصور مدينة غزة خلال مرحلتين: طفولته التي عاشها وسط أقرانه الصغار وكلهم حماسة لعمل شيء مختلف، غير التفكير  بحمل السلاح مستقبلاً والانخراط في المنظمات الفلسطينية. أرادوا تأسيس فرقة موسيقية تعزف في الأفراح وتجول المدن. فيما مثلّت المرحلة الثانية من حياتهم؛ العيش وسط مدينة حطام بسبب ما تعرضت له من قصف إسرائيلي همجي وبروز تيارات سياسية أكثر تشدداً بينهم، ولهذا اكتسبت محاولة محمد عساف بُعداً تجاوز المحلي إلى آفاق أرحب ظل الفلسطيني يحلم بالوصول إليها، حتى لو جاءت من بوابة أخرى غير السياسة.

إيقاع الفيلم سريع مع كل الحزن الذي يُغلفّه. فيه فرح بانتصار حقيقي أُريد له أن يُجسّد بعمل سينمائي لا يتحمل الكثير من التأويلات. خيار يدركه جيداً المخرج الحاذق وصاحب الأعمال المهمة، التي أثارت جدلاً واسعاً عند عرضها وترحيبا نقدياً يتناسب معها.
وثائقيات هذا العام غلبت عليها القصيرة والفيلم الطويل المهم "من خلال عدساتي" فقد فرصتة الكبيرة بالفوز عندما أُدرج ضمن المسابقة الرسمية الدولية وكل أفلامها عداه روائية.

منجز نفين دينيش يتشارك مع عمل نورسينا شيمشيك القصير "Godesbana" من ناحية الأسلوب، حين ترك كلاهما الكاميرا بيد الشخصيات الحقيقية لتصوِّر نفسها وتحكي تجربتها. كلا العملين ذهبا لخوض نقاش يتعلّق بالمشاكل والتحديات التي تواجهها تركيا اليوم.
الشريط القصير صوّرته فلاحات بسيطات دخلن دورة قصيرة لتعلم فن التصوير السينمائي وإجراء الحوارات الصحفية. روحه الخفيفة منحته حلاوة وتميّز نادرين، مع أنه يلامس موضوع التمايز بين الجنسين في المناطق الفلاحية البعيدة عن المركز. قامت النساء بتسجيل يومياتهن في الحقول وداخل البيوت. صورن عملهن المضني الذي لا يتوقف إلا لساعات قليلة، فيما الرجال وبعد انتهاء عملهم اليومي يمضون أوقات استراحتهم في المقاهي يلعبون الورق والدومينو ويحتسون الشاي. سألن بعض الرجال عن أيهما أكثر جهداً؛ الرجل أم المرأة. الأسئلة واضحة والأجوبة متوقعة، تعكس موضوعياً ثقافة ذكورية مكرّسة منذ عقود لم تُغيِّرها مظاهر الحضارة والتمدّن الظاهريتين.
أحلى ما في الشريط لغته العفوية وفكرة ذهابهن إلى مقاهي الرجال ليوثقّن جانباً يحرص الرجال على إبقائه محصوراً بينهم. أكثر ما يجدر التوقُّف عنده في هذا النص الممتع هو قدرة النساء الأميّات على تعلُّم فن التصوير والوقوف أمام الكاميرا بدون تكلُّف.

بدرجة متقاربة خاض طلاب قسم السينما في فيلم "من خلال عدساتي" تجربة السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتصوير الحياة هناك والاختلاط بالناس على الطبيعة. توجّه الأساتذة المشرفين على المشروع وأغلبيتهم من الأمريكان واضحة وتخصّ موضوعات معروفة مثل؛ الموقف من المرأة وحرية التعبير والتوجّه المستقبلي للتركيا. كل هذه الأسئلة والموضوعات وضعتها المخرجة نفين بوضوح حتى لا تخفي التوجه العام للمشروع، لكنها وبذكاء أخذت ما سجلّه الطلاب بمنظورهم الخاص ومن وحي تجاربهم الشخصية فغدت تلك الموضوعات ثانوية أو عولجت من زوايا مختلفة تماماً عما أراده المشرفين على الدورة.

مضى الشباب إلى ذواتهم وكل واحد منهم صوّر ما يُفكّر به وما يريده قوله؛ الكردي سجّل هواجس قوميته والأرمني أراد إثبات قدرته على عمل شيء يفرض وجوده من خلاله والبقية كل واحد منهم أخذ ما يريد قوله وراح يكتبه بعدسته الخاصة فجاء الفيلم في النهاية عن تركيا ومن الأتراك أنفسهم. قالوا الكثير وأكثر من المتوقع لأنهم ببساطة  كانوا صادقين مع أنفسهم وعفويين إلى أقصى حد. لم يضعوا هدفاً سياسياً لشغلهم ولم يفتعلوا موضوعات اجتماعية.
 تحاوروا فيما بينهم وتفاعلوا كوحدة مصغرّة مثلّت أمة يجري داخلها اليوم حراك شديد وجدل محتدم جسدّته عدسات الطلبة السينمائيين بصدق فجاء فيلمهم رائعاً.

بحماسة متقاربة يمكن الحديث عن وثائقي أورجين أوزون "مدينة شوارعها معبدّة بالعملات المعدنية"، مصحوبة بسؤال عن السبب الذي منع صاحبه من إكماله فيلماً طويلاً لأن كل عناصره قابلة لبحث أطول وأعمق وتؤهلّه ليصبح وثائقياً جيداً. الروح التي اشتغل بها الشريط شبابية فيها حرية لافتة واستخدام مرن للحاسوب، جعلت من نصه المتعلق بموضوع حياتي يومي شديد الصلة بالاقتصاد والقيّم الاجتماعية؛ إنه عن العملات المعدنية الساقطة يومياً على أرضيات محطات قطارات الأنفاق وكيف يستنكف الناس عن التقاطها من الأرض ما يتسبب في خسائر كبيرة حاول الوثائقي حصرها؛ بما تُسببه مثلا أثناء مرورها بين السلالم المتحركة وتؤدي إلى تعطيلها، ناهيك عن الخسارة بسبب توقُّف حركة دورانها في تداولات السوق إلى جانب الخسارات الشخصية عند ضياعها.

كل ذلك عرضه أورجين بأسلوب كوميدي مدهش وبشغل سينمائي فيه أصالة واضحة. ثمة ميل جديد نحو الطبيعة ومحاولة مناقشة علاقة الإنسان التركي بها ظهرت في أعمال جديدة من بينها؛ "مدرسة الحياة الطبيعية" ليحيى أركان و"الأرض الرطبة". الذي يتمتع يتمتع بحساسية بصرية عالية وقدرة على تجسيد المشاهد الكبيرة بعدسات 35 ملم حديثة. الوقت الذي نقضيه في مشاهدة المسطحات المائية التركية ممتع وغير محسوس. المنجز كله كُتب بمهارة لافتة وتشير إلى موهبة واعدة قد تتجسد بأعمال مستقبلية ولهذا علينا تذكّر هذا الاسم جيداً: ألكيم أون.

جائزة الوثائقي ذهبت إلى القصير "زيك" فيما ذهبت أغلبية جوائز المسابقة الوطنية للروائي الطويل "اللبلاب". حصل على جائزة أفضل فيلم ونال صاحبه "تولغا كراتشيلك" جائزة أحسن إخراج إلى جانب جائزة السيناريو، فيما ظلّ الجدل دائراً بين الحضور حول أحقية "برودة نهاية التقويم" في بعض تلك الجوائز وبخاصة أنه قد عاد للتو من مهرجان طوكيو متوجّاً بجائزة أفضل إخراج.

قد ينال إعجابكم