متابعات

نادي السينما السوري بباريس

يامن محمد

إذا كان قطاع الإنتاج السينمائي في سوريا شهد تضييقا متصاعداً نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، مع تزايد حالة الاحتقان السياسي داخل البلد، فإن النوادي السينمائية كانت في المقابل أهم الفعاليات السينمائية في سوريا حتى العام  2011، وإذ دأب المخرجون السوريون وعلى رأسهم المخرج التسجيلي الأبرز "عمر أميرالاي "على عقدها وتفعيلها في فترات متقطعة كنشاط فني يشغل السياسي منه بالضرورة حيزّاً وازناً، فإن علاقتها مع السلطة القائمة كانت إشكالية على الدوام أيضاً، قوامها الشدّ والرخي، المنع أو القبول المتوجس.هذا لأن آلية انعقاد أي نادٍ سينمائي هي أمر غير مفهوم للمسيطرين في بلد يُحكم بقانون الطوارئ. هذا الفعل إذا جاز التعبير، عداك عما قد يحتويه من أفكار "خطرة"، فإنه من جهة أخرى يُشكِّل تهديداً من نوع آخر؛ أي بكونه مكاناً للتجمُّع بالمعنى الصرف والمباشر للكلمة، إذا ما جُرِّد من بُعده الثقافي.

ربما هذا ما يدور في ذهن المتابع للحالة الثقافية السورية عندما يعلم بأمر النادي السينمائي السوري في باريس اليوم، وهو جزء مما دار حوله نقاش تلا عرض سبعة أفلام قصيرة لمخرجين شباب، جميعها أُنجزت بعد انطلاقة الثورة السورية. البُعد الآخر المُتعلّق بالأفلام سيأخذنا إلى مكان آخر أيضاً بعلاقته مع الراهن، الواقع السوري بشقيّه الحياتي واليومي من جهة وقرينه الفني من جهة أخرى.

مهما يكن من أمر النادي السينمائي "الباريسي"، إلا أنه وبالضرورة ليس كما اعتادت النوادي السورية أن تكون، فهنا نحن في باريس والجمهور بغالبيته فرنسي. والأهم هوَ نوعية الإنتاج السينمائي المقدّم الآن. إذ لم تعتد النوادي السينمائية السورية سابقاً، رغم كل ما تحلّت به من جرأة، على تقديم "المُعارض" من الأفلام من وجهة النظر السياسية إلى هذه الدرجة. هذا بالضرورة ما فرضته طبيعة الحال، وشرط الزمان والمكان الذي يُعقد فيه هذا النادي.

 لكن بعد تجاوزنا لكل ذلك، سوف نقف عند نقطة أكثر تقدماً تتعلق بالمواد المقدمّة، ما يجمع الأفلام السبعة أو ما تتقاطع به وعنده. رغم الاختلاف البيِّن بين مزاج كل فيلم وخصوصيته بما يُميزّه عن غيره، إلا أن هناك عاملاً مشتركاً يكاد يجمع بين غالبية الأفلام، المنتقاة من مراحل مختلفة، بدءاً من انطلاقة الثورة السورية، باستثناء فيلم "أفق خفيف" لرندا مداح. يبدو أن هذا المشترك هو القسوة الطافحة التي قد تبدو في ظروف أخرى غير مُحبّبة للعرض، العنف بعبارة أخرى.

وإذا كان من بين ما قُدم فيلم لطّف هذه القسوة أو لعب مع العنف المخبوء كما فعل باسل شحادة في فيلمه هدية صباح يوم السبت Saturday Morning Gift بأن صور بتفاصيل دقيقة طفلاً يروي فردوس نهاية الأسبوع عندما كانت توقظه أمه من سكينته ليلج في سكينة العائلة الهادئة، هنا يكسر شحادة في النهاية الإيقاع والانسياب الهادئ بقذيفة تُهشِّم منزل الطفل، يُجسدّها مشهد صور بعناية ليحاكي واقع القصف في سورية.. إلا أننا في المقابل نرى القسوة، والعنف الذي يغزو الخيال ويجتاحه من خارجه قادما من بيئة المخرج ومناخه في فيلم الرسوم لياسمين فنري ABCDoublespeak هنا الأشلاء كثيرة والبتر والقتل وافرٌ بما يكفي لصناعة لقطة يطحن فيها الناس في آلة فرم اللحم فيخرجوا منها دماً مراقاً.

فيلم "الأنيميشن" الآخر بعنوان "طلقة" لخالد عبد الواحد بطله بكل بساطة: رصاصة، منذ خروجها من "الرحم" وتحولها إلى إنسان يجتاز مراحل حياته، "مبتورا" أيضاً في كل مرحلة فاقداً جزءاً من كيانه وموزعاً "الأحمر" على الحائط الذي استخدمه المخرج كخلفية للرسم منجزاً عليه الفيلم بأكمله، وإذ تحول الإنسان في نظر المخرج إلى طلقة، وهو تصور "عنيف" بحد ذاته إذا جاز الوصف، فإن خالد عبد الواحد لم يتوانَ أيضاً عن تجسيد القوة القاسية والعنيفة، المعارضة للبطل/الرصاصة، كيدّ فوقية سوداء متجبرة تصارعه ويصارعها في معركة لا تنتهي إلا بخاتمته الدموية الأعنف من حيث غزارة الأحمر في الكادر.

أما في فيلم "سوريا" لخليل يونس فإن العنف يبدو عارياً، وحده، مجردّاً عن الأبعاد السياسية و"الواقعية"، في لقطات قريبة جداً لجلد قدم تخترقه إبرة بطرق متعددة تشابه اللعب، كما يفعل خيطها وراءها، الذي يُثبّت أخيراً زراً في الجلد السميك، إلا أن هذا "التجريد" عينه ما يدفع بقوة أكبر لحضور القسوة هنا وتمثلّها المركّز جداً بلقطات قريبة لإبرة حادة تخترق جلداً، وربطاً بالعنوان. من جهتهما، ربما هذا ما قرّر كل من "محمد عمران" و"داني أبو لوح" التصدي له في مستوى من مستويات عملهما على فيلم "قصة سورية قصيرة"، نقصد عنف الواقع وكيفية تجسيده ضمن كادر سينمائي.

على هذا الطريق استخدم محمد وداني وسائل متعددة من ضمنها الرسم على ورق مقوى وتقنية "ستوب موشن" لإنهاض نماذج بشرية، تحاكي شخصيات السوريين، من أبعادها الثنائية لتشغل حيزها الخاص في فضاء مجسم، إلا أن قدماً حقيقية تدخل الكادر وتدوس "الناس" وتثنيهم، تهشمهم وترجعهم إلى التسطيح الثنائي البعد، نعلم من المخرجين في النقاش بعد عرض الأفلام أن المقصود هنا مجزرة حماه وما حصل في سوريا ثمانينات القرن الماضي، وأن النهوض الثاني الذي سنراه في الفيلم "للشخصيات" المكسورة والمثنية، هوَ بدء السوريين ثورتهم في العام 2011.

هكذا إذن ينتقي أيضاً صاحبا الفيلم بحذر مشاهد وثائقية مما صوره نشطاء الثورة لإدماجها في الفيلم؛ يختار خلفية صوتية لمغنية أوبرا وموسيقى غربية، ويحضر اللون الأحمر "منفصلاً"، ومنساباً في سائل زجاجي شفاف قرب نهاية الفيلم، الذي تختمه طلقة مصوبة نحو الكاميرا من بندقية عنصر أمن - لقطة مأخوذة من مقطع فيديو يعرفه السوريون جيداً - كآخر حدّ للصوت والصورة في آن.

كيف بعد ذلك، وفي هذا السياق لفيلم رندا مداح "أفق خفيف" الذي أشرنا إليه كاستثناء أعلاه، أن يكون أقل قسوة باعتماده على نفي العنف تماماً من كادره ! الفيلم المصور في الجولان المحتلّ بكادره الثابت يحتوي على طرف أطلال بناء، مهدّم قديم، بقي منه جدار بنافذة مشرعة للريح، تقوم امرأة ضمن هذا الكادر بتنظيف المكان المشرف على سهول وجبال وتضع الطاولة الأنيقة بغطائها الأبيض في ما كان سابقاً غرفة، وتعلق الستائر البيضاء لنكتشف أن هناك ريحاً كانت هنا معنا أثناء الحركة المتأنيّة للشخصية في المكان. مؤلم أيضاً وقاس هذا الجمال.

أفلام سورية يغزوها العنف وتصارعه، ألم، قسوة تنبثق من شاشة إلى جمهور يجفل منها، غريب عنها لكن ربما ليس بعد الآن! وناد سينمائي في باريس تتجسد فيه صورة مختلفة للنوادي السورية السابقة، لكن لا يُشكّل بالضرورة قطعاً معها إذا لم تبعده المسافة عن إيقاع النبض هناك في الداخل السوري، رغم المآخذ عليه ورغم التباس موقعه والشروط التي تأسس فيها، والجدل الذي دار حوله. ربما يعكس أيضاً بشكلٍ من الأشكال، بسلبياته وإيجابياته، الحالة السورية الراهنة، وتفجُّرها، بعد ركودٍ طويل.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"صرخات من سوريا"

وثائقي مذهل أغلب مشاهده حيّة صورها سوريون بكاميرات ديجيتال شخصية، يقدم نظرة بانورامية عن المأساة السورية ويعيد الثورة...