متابعات

"أبدا لم نكن أطفالاً" .. ونهاية النهايات

د. أمــل الجمل

حصد الفيلم الوثائقي الطويل المهم "أبداً لم نكن أطفالاً" We Have Never Been Kids للمخرج المصري محمود سليمان، جائزتي أحسن مخرج وأفضل فيلم غير روائي بمسابقة "المهر الطويل" بمهرجان دبي السينمائي الدولي الذي شهد دورة شديدة التميز عقدت في الفترة بين 9 -16  ديسمبر، والتي تضمنت 19 عملاً ما بين روائي ووثائقي تم عرضها ضمن 134 فيلماً من 60 دولة بأربعين لغة توزعّت بين مسابقات المهر الإماراتي والمهر الخليجي والمهر الطويل، إضافة إلى برامج خارج المسابقة مثل "ليالي عربية" وأفلاماً للأطفال وأخرى من جميع أنحاء العالم، وتضمنت الأفلام المشاركة في الدورة الثانية عشر من مهرجان دبي السينمائي الدولي أكثر من 70 فيلما من أجود وأهم إنتاجات السينما العربية، 40 منها عُرض للمرة الأولى عالمياً في المهرجان، منها سبعة أفلام مصرية جديدة ما بين الطويلة والقصيرة سواء كانت من الإنتاج المحلي الخالص أو تم إنجازها عن طريق التعاون المشترك وصناديق الدعم مثل فيلم محمود سليمان الذي دعمته صناديق أربع دول هي؛ ملتقي دبي، المركز القومي للسينما ومؤسسة الدوحة للأفلام ومؤسسة الشاشة بيروت.

أما فيلم "حار جاف صيفاً" للمخرج شريف البنداري فتم دعمه من مهرجان برلين إذ عُرض مشروع الفيلم في فبراير الماضي ضمن ملتقى برلين للمواهب الذى أقيم على هامش مهرجان برلين السينمائي الدولي وفاز العمل بـجائزة مؤسسة "روبرت بوش ستيفتونج" السينمائية الألمانية للفيلم الروائي القصير والتي يبلغ قدرها 60 ألف يورو، حيث تعطي المؤسسة جوائز مادية لمشروعات الأفلام من العالم العربي ضمن فئات فيلم التحريك القصير، الوثائقي، والفيلم الروائي القصير.

    يستهل المخرج شريطه الوثائقي "أبدا لم نكن أطفالا" من حركة كاميرا تقترب من أحد الكباري المعلقّة فوق نهر النيل بمصر والذي يربط بين عالمي الأثرياء والفقراء، ويبدو السور الحديدي مثل القضبان التي تحاصر المسجونين، وبينما يصاحبنا سمعيا على شريط الصوت أزيز موتور مركب بالنيل تهبط الكاميرا بنعومة على صبي يكاد يقترب من طور الشباب راقداً على ظهره على أرض ذلك الجسر المعدني. سنتعرف على هذا الشاب عندما يتقدم الفيلم ويتعمق حثيثا في المكان والزمان والشخصيات.

إنه "نور" أحد أبناء نادية المرأة المصرية المكافحة التي تبلغ من العمر 39 عاماً وتعمل في مجال سنّ السكاكين والمخارط وباقي الأشياء المعدنية الحادة، بجرأة ومن دون خجل تحمل العدة مثل الرجال على ظهرها وتجوب الشوارع وهى تنادي بصوت دافئ قوي مثل شخصيتها حتى تتمكن من الإنفاق على أولادها الأربعة بعد أن أصرّت على الانفصال عن زوجها.

فنادية بهذا الفيلم تعتبر نموذج يمثل شريحة كبيرة جدا من النساء المصريات يُطلق عليهن "المرأة المعيلة" مثلما تعد أيضاً "ميتافور" لمصر، بكل ما فيها من رمزية قوية خالية من أدنى افتعال. ورغم مأساوية الأحداث التي مرّت بها هذه الأسرة لكن المخرج حاول تطعيمها ببعض اللمسات الإنسانية وبالأغاني المخففة من وطأة دراميتها، ومنها لقطات لبعض أبطاله يجرون فيها تحت المطر، أو جعل شادية تشدو في الخلفية بـكلمات "وحبيبي خطيبي معايا.." على تلك اللقطات التي يلتفّ فيها الأولاد حول أمهم في الشارع حيث يفترشون الأرض بجوار أحد الأسوار لتناول الطعام برضا وسعادة. أو بأغنية عبد الحليم حافظ "بالأفراح يا بلادنا يا حلوة" على لقطات لأول انتخابات رئاسية عقب ثورة يناير.

   يبدأ الحكي والتصوير من ربيع 2011 ويستمر على امتداد سنوات الثورة مروراً بـ 23 مايو 2012 التي شهدت أول انتخابات رئاسية في مصر بعد ثورة يناير، و30 يونيو 2012 موعد تنصيب مرسي كأول رئيس لمصر بعد الثورة، ثم 30 يونيو من العام التالي وتعطيل العمل بالدستور الذي استقبل بالتهليل الشعبي، وصولاً إلى انتخاب السيسي رئيسا للبلاد، وحكم 29 نوفمبر 2014 إذ تم إسقاط تُهم قتل المتظاهرين، والذي تسبب – إلى جانب أشياء أخرى عديدة - في حالة من الإحباط وفقدان الأمل في التغيير وهو ما يتضح من كلمات الابن عندما يتحدث عن النفس الطويل لبعض الثوار بينما هو لا يمتلك تلك القدرة ويخشى الموت، فالشعور الذي وصفه نور يكاد ينطبق على الكثيرين.

    منذ البداية تخترق نادية حاجز السنوات وتعوذ بذاكرتها إلى طفولتها، فنسمعها تسرد تلك التفاصيل من خارج الكوادر بينما تدور في الشوارع بعد أن تقوم بتوصيل ابنها إلى المدرسة، وفي يدها يتعلق طفلها الصغير وهي تنجز عملها في المقاهي، ومحلات الدواجن، فتعيدنا إلى نشأتها وانفصال والدها وأمها، واضطرارها أن تعيش مع الجدة إلى أن تموت، ثم تضطر أن تعود إلى الأم لتساعدها فتقرر الأخيرة أن تتخلّص منها وتقوم بتزويجها من ضابط سقاها من العذاب ألوانا.
 كانت الأم قد سحبت ملف نادية من المدرسة ومزقته، لكن الابنة بعدما أفلتت من سجن زوجها لم تستسلم ونجحت في العودة إلى الدراسة إلى أن وصلت الثانوية العامة وبعدها لم تُكمل. عملت نادية في مهن عديدة، في أشغال المونة والخرسانة، وفي الفاعل، وفي تنظيف السلالم ومسحها وأعمال البيوت، إلى أن التقت زوجها الثاني وتعلمت منه مهنتها الحالية فأصبحت هذه "العدة" أو تلك الماكينة كأنها "بطاقة هويتها".

    عندما اكتشفت عدم وفاقها مع زوجها الثاني كانت نادية قد أنجبت الطفل الأكبر خليل، وعندما أرادت الانفصال وصفها الأهل بأنها ستكون خائنة وتعتبر عاصية. ثم أنجبت طفلين آخرين، كانت حياتهما عشوائية، من دون تخطيط ، فالزوج لم يكن يشعر برجولته إلا في السرير، وتحملت نادية ذلك الوضع طويلاً إلا أن قررت أن تنفصل عنه حتى وهى لاتزال على عصمته. وفي إحدى المرات اغتصبها عنوة فأنجبت طفلتها الرابعة.
  حينما ينتقل المخرج إلى الابنة أمينة تنطق كلمات من قلبها تعبر فيها عن أن أمها هي كل حياتها، أنها تحبها جدا فهي تفعل من أجلها كل شيء، وتحاول تحقيق أحلامها، بينما الأب يأخذ منها كل حاجة، حتى تلك النقود التي تأخذها من الأم ليصرفها على الكيف الذي سرق منه عقله، فجعله يُشرك ابنه في بيع المخدرات، وجعله يضرب طفلته الصغيرة من زوجته الأخرى ويسقيها المشروب الكحولي حتى فارقت الحياة. ولذك سيتفهم المتلقي لماذا تقول الابنة أمينة: "أنا مبسوطة انهم انفصلوا، وهزعل لو رجعوا لبعض تاني."

تنتقل الكاميرا إلى الابن الأكبر الذي يؤكد أنه يساعد والده مادياً، فهو يقيم معه في بيت زوجته الجديدة، لكنه أحياناً كثيرة يأخذ ورديتين وراء بعضهما هروبا من جحيم البيت، مثلما يعمل في مهن متعددة، وهنا يستعيد الابن مشاهد ضرب الأب للأم وتسبّبه في كسر ذراعها، مؤكداً أنه لم يكن هناك لحظات حلوة، لكن مشاكل دائمة، حتى عندما طلبت نادية الطلاق اشترط أن تدفع له نقودا، فوافقت حتى تنال حريتها.
فهو لا يعمل ويستغل جهدها ويضربها ويعاملها بشكل سيء، وعندما يؤكد الابن أن والده كان شخصاً من دون طموح هنا ينتقل المخرج إلى لقطات للثوار على كوبري قصر النيل نهاراً في الأيام الأولى للثورة ثم ينتقل معهم إلى التحرير، ويتتبع خروج ليلى وأولادها، ومشاركتها في الثورة، وحماسها وإيمانها بهذا الحلم الجديد فتقول: "مش مهم لقمة العيش، المهم نعيش بكرامتنا."... وعندما تحدث الانتكاسة الأولى يقول الابن بيقين من أصبح ناضجاً قبل الأوان وكأنه جزء من الوعي الجمعي للمجتمع في تلك الفترة: "لسه هنقوم قومة تانية".

    الفيلم الذي تم إهدائه إلى "كل الذين ضاعت أحلامهم ولم يكن لهم ذنب" قام بتصويره وكتابة السيناريو له المخرج محمود سليمان، والذي نجح في تعميق شريطه الوثائقي والإصرار على التوغل فيما وراء الشخصيات وتحت جلدها، ومعتقداتها المرتبكة وأحاسيسها تجاه المجتمع والدولة، وتطور أفكارها وتبدلها للنقيض مثلما حدث في عدم المشاركة في الانتخابات الأخيرة لإدراكهم أن النظام القديم عاد مجددا للحكم والسيطرة، وقد ذهب المخرج بعيداً عندما فتح مسألة شائكة بالنسبة لهذه العائلة الشعبية والتي تخص مثلية الابن نور، فالأخ الأكبر خليل يؤكد بينما الأم تنفي بشدة، أما نور فيغضب تاركا الكاميرا مشوحاً بيده رافضا التصوير حينما يواجهه المخرج بتهمة خليل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو؛ هل استأذن صناع العمل الأم وابنها نور في أن يُذاع هذا الجزء للعلن في سياق الفيلم خصوصا بعد مشهده السابق؟ وعندما نعلم أن نور اختفى بعد أن تدهورت الأوضاع الاقتصادية في مصر وتفشّت البطالة وعدم عثوره على عمل؟

   أيضاً ورغم أن إيقاع الفيلم منضبط في معظم الأجزاء لكنه يعاني من المشاهد الزائدة في بعض المناطق والتي يمكن أن يُحذف منها ما بين 10-15 ق خصوصا في تلك الأجزاء التي تعود فيها نادية للحكي مرة أخرى - وبشكل مكرر - عن ماضيها وخروج أولادها من التعليم وذلك بعد لقطات لمشاركتها في الثورة، وفي مشاهد الأفراح حيث يعمل خليل ضمن فرقة "الدف" كعمل إضافي للرزق، أو في تلك الأجزاء التي يُصرّ فيها المخرج على الاستطراد في معرفة كل تفاصيل شخصية الأب وبشاعتها خصوصاً بعد الحكي عن وفاته، فقد أدرك المتلقي في لقطات مبكرة وسابقة في الثلث الأول من الفيلم مدى تشوّه هذا الأب الفاسد من الحكايات الأولية للأم والأولاد، فالاستطراد والعودة للحديث عنه في الجزء الأخير من الفيلم لم يكن موفقاً، كذلك سؤال الأبناء عن الأشياء التي يتذكرونها خلال سنوات التصوير ومنها موضوع "البريك" أي الأكل الذي كان يقدمه فريق الإنتاج بالفيلم لهذه الأسرة، وصدقاً لا أجد أي أهمية أو مبرر لهذه الفقرة التي تأخذ من قيمة وأهمية الفيلم ونقائه، لأنه حتى لو قمت بمساعدة بعض الناس من رقيقي الحال لماذا تقول أنك ساعدتهم؟ لماذا تلمح لهذا؟

   تتعدد نهايات "أبدا لم نكن أطفالاً" وجميعها نهايات مُقبضة شديدة السواد، وذلك رغم أن أول هذه النهايات بها لقطات موسومة برمزية مباشرة تم استهلاكها من قبل في العديد من الأفلام، إذ نرى في الظلام لقطات للقضبان المعدنية للنافذة ومن وراءها نرى الابنة التي على ما يبدو - من خلال سرد مشروع زواجها - أنها ستكون تكرار لمأساة الأم، ثم يتبعها المخرج بلقطة للأم قبل أن تُظلم الشاشة تماماً، ليعود مجددا إلى لقطة نور راقدا على الجسر التي افتتح بها فيلمه، ثم يخبرنا باختفائه منذ ستة أشهر، وبأن أمه أصبحت تلازم الفراش بعد مرضها، ثم تأتي نهاية النهايات عبر اتصال هاتفي من خليل – على شاشة سوداء تماماً - نسمعه يتحدث للمخرج أملا في العثور على عمل فيقول: "الحياة بقت زي الزفت، عاوز أشتغل.. إن شاء الله أروح أشتغل مع بتوع داعش".. وعندما يسأله سليمان: "عاوز تقتل الناس؟!" يرد خليل قائلاً: "أدبح الناس، أو يدبحوني، مش مهم، أنا كدا كدا مدبوح."  

قد ينال إعجابكم