متابعات

"23 كيلو متر" .. الذي خسرته جوائز دبي السينمائي !

د. أمــل الجمل


لقطة من فيلم "23 كيلو متر"

كان الفيلم اللبناني "23 كيلومتر" للمخرجة نورا كيفوركيان - والذي شاركت في إنتاجه الإمارات وكندا - أحد فيلمين وثائقيين شعرت أن الجوائز خسرتهما في مهرجان دبي السينمائي الدولي في دورته الثانية عشر، أما الفيلم الثاني فجزائري مشترك أيضاً ويحمل عنوان "سمير في الغبار" للمخرج القادم من عالم التصوير الضوئي "محمد أوزين" والذي تتضّح براعته في تكوين الكوادر واختيار ورسم الإضاءة الطبيعية والصناعية بكافة حالاتها. وإن كانت تجربة أوزين في البداية - كما صرح لكاتبة هذه السطور - كان ينوي أن تكون فيلما روائيا لكنه وجد صعوبة في التنفيذ فقرر أن تخرج على شكل عمل وثائقي خصوصا عندما عاد إلى قريته بعد وفاة والده.

"23 كيلومتر" و"سمير في الغبار" اثنين من الأعمال الوثائقية التي شاركت في مسابقة المهر الطويل بدبي السينمائي، وجمع بينهما امتلاك لغة سينمائية بارزة لها جمالياتها الخاصة والمميزة بالمعادل البصري الموسوم بالابتكار، لغة سينمائية - رغم مأساوية أو قسوة الموضوع - تُنتج إيقاعا شاعرياً ممتعاً، إلى جانب المضمون الفكري المهم المتعلق بالهم الشخصي والتجربة الذاتية التي يصعب فصلها عن الهم المجتمعي، لذلك في تقديري كان كل منهما يستحق إحدى جوائز المهرجان. وإن كنت هنا سأخص الفيلم الأول بالتحليل النقدي لأنه يصعب في هذه المساحة الجمع بين الاثنين.

   يبدأ الشريط الوثائقي "23 كيلومتر" زمنه من 15 سبتمبر عام 2001 وهو التاريخ الذي يعد آخر تصوير مسجل للرجل المسن "باركيف كيفوركيان" قبل أن يفقد قدرته على الكلام، ثم تراوح المخرجة بين الماضي والحاضر بأسلوب سينمائي رقيق غير مربك، ربما ساعدها على ذلك قربها من البطل. فهو والدها الذي عاشت آلامه، وربما وفاته على مدى سنوات طويلة. وهو الأمر الذي يطرح تساؤلاً: كيف تأتّى لنورا أن تحتمل رؤية والدها هكذا وأن تقوم بتصويره أيضاً تحت عدستها الفاحصة طوال هذه المدة والمرض يحاصره يوما بعد آخر، فهل كان التصوير تعويضاً لكليهما عن الألم؟ بمعنى آخر؛ هل كان محاولة للانشغال عن الحزن والألم واستعداداً لتقبّل الفقدان الطويل؟

الحرب والمرض

فقط، اللقطة الأولى بالفيلم هي الوحيدة التي نسمع فيها صوت الأب، أما باقي الشريط السينمائي فنعيش معه عبر الصور التي نرى فيها حيواته السابقة أو عبر لقطات أُعيد تمثيلها تُجسِّد شبابه مع طفلته التي صارت حارسه وملاكه والتي قامت برعايته، أو عبر قراءة كلماته المكتوبة التي تبدو أقرب إلى الشعر الرقيق المُحمّل بالمعاني الإنسانية المصحوبة بموسيقى تم اختيارها بعناية فائقة.
وعبر هذا التنقُّل بين عالمين وزمنين نعايش أثناءها الفروق بين وضع مجتمع كيف كان مزدهرا براقاً طبيعيا تملأه خضرة الطبيعة، ثم إلى أي وضع صار هذا الكيان وكيف تمزّق؟ كيف أفسدت الحرب ذلك العالم الجميل وهذا البلد الذي أنهكه الانقسام الطائفي، وهو ما يفسر كلمات "باركيف"؛ "لو اندلعت الحرب من جديد سندفع جميعنا الثمن.. كل إنسان ستكون تكلفته مختلفة، لكننا جميعا سندفع الثمن." 

 

لقطة من الفيلم

"باركيف كيفوركيان" رجل أرمني نجا من الإبادة الجماعية التي تعرّض لها شعبه وصار لاجئاً في بيروت. "سرقت منه الحرب اللبنانية 20 سنة من عمره، وها هو مرض الرعاش يسرق عشرين سنة أخرى" على حد تعبير الرجل. فالمرض الذي أُصيب به هو موت وتحلل الأعصاب بشكل بطيء ومستفحل، إنه يسبب موت الخلايا العصبية في الدماغ، وفي النهاية يؤدي إلى توقف كل الحركات والوظائف في الجسم، مع التقدم في السن يُصبح الرعاش أفدح وأكثر خطورة، إذا لا يكتفي بالتلعثم في النطق، فأحيانا وفي مرحلة متقدمة لا يستطيع المريض أن يتكلم نهائياً مثلما حدث مع بطل الفيلم، وقد يعاني المريض من نقص الإدراك نتيجة للأدوية، وتصاحبه مشاكل في النوم والهلوسة، ويخلق الرغبة في الانطواء والانزواء، مثلما يسبب الإحساس بالاكتئاب. 

يراوح المسن "كيفوركيان" بين الماضي والحاضر، وأحيانا المستقبل، لكنه وفق رؤيته "لا يستطيع أن يعيش في الحاضر، إنما يُعيد معايشة الماضي، فحاضره مسجون في هذا الجسد المريض" وهو التعبير الذي يحمل بعدا رمزياً لذلك البلد الذي أنهكته الحروب والطائفية وأصابت جسده بالمرض العضال. فالفيلم هنا ليس فقط عن المرض الجسدي ولكنه أيضاً عن أمراض الحرب والدمار والحداثة.

يرحل الأب الى شبابه كثيراً، إلى سنوات عمله المزدهرة وماكيناته التي كانت تطلق الشرر كأنها النجوم تطلق بريقها في السموات، نراه – وعبر تقنية التأثيرات البصرية في المونتاج - يتحرك في الصور التي تنتمي إلى الماضي، والتي تنتقل المخرجة بينها وبين جسده الواهن المرتعش وبين تصوره المهتز أحياناً للماضي حينما كانت ابنته لاتزال طفلة يقود بها السيارة، أو يترك لها المقود أحياناً، في لقطات إنسانية جميلة، أو على الأرجوحة في الحديقة، لكن الأمر اللافت أن كثير من اللقطات التي تخص مرحلة الشاب صار معظمها مهتزاً، وكأنه حتى الماضي الذي يعيشه الأب صار ضبابياً، فماذا سيتبقى له؟ ما أبشع ذلك الإحساس بالعجز خصوصا إذا كان الإنسان شعلة من النشاط والحركة، وكان على مدى سنوات يمتلك القدرة والعزيمة على مواصلة النجاح.

لعل أحد مزايا التفكير في صناعة فيلم عن معضلة والدها أن نورا جعلته يفكر في مأساته بصوت مرتفع تستطيع أن تسمعه ونسمعه نحن أيضاً معها، ربما نستفيد منه، ولكن أيضاً هذه اللحظات من التأملات التي عاشها الأب ربما سرقته ولو قليلا من آلامه، ومنحتنا في نفس الوقت دررا من عبق الكلمات الأقرب إلى الحكمة ومنها مثلاً: "نحن كلنا نعيش حياة هي طريقنا إلى الموت.. الحياة سريعة جداً.. بالأمس كنت طفلا أحلم بالانزلاق إلى المريخ، واليوم أحلم باستعادة القدرة على النطق والكلام في ظل هذا الجسد المنهك.. تُرى ماذا سيحدث لأفكارنا بعد الموت؟.. في سن التاسعة بدأت العمل، أنا أرمني لاجئ في بيروت.. نجوت من الإبادة، أقمت في المعسكرات، مع ذلك كنت في الليل أرى النجوم وهى تتراقص، وكنت في كل ليلة أحرص على التسكّع بين النجوم."

"23 كيلومتر" شريط وثائقي - حصل على دعم صندوق إنجاز بمهرجان دبي السينمائي - أقرب إلى العمل السيمفوني شديد الشاعرية، كثير من اللقطات وكأنها لوحات تشكيلية بها العديد من التكوينات البصرية بلغتها السينمائية المعبرة عن حالة الماضي وتناقضه مع الحاضر، عبر لقطات للمصنع واللهب المشتعل بالنيران التي تملأ بوهجها الكادر وفي الخلفية صوت الماكينات يأتي كأنه موسيقى ساحرة، ثم عندما يحكي الأب عن الحاضر تنتقل المخرجة إلى المصنع وهو غارق في التراب ويُحاصره الخراب وفي الخلفية يأتي صوت رجال الدين.


مخرجة الفيلم "نورا كيفوركيان"

كأنها محاولة الابنة للتعبير عن حالة النوستالجيا، ليس فقط تلك الحالة التي يعانيها الأب، ولكن على ما يبدو أن الابنة هي أيضاً تعيشها، ففي الشريط تمتزج ذاكرة الابنة مع ذاكرة الأب في خليط مربك أحياناً، فنراها تكوي فستان الطفولة وبدلة والدها شابا، وهناك بعض اللقطات التي لا ندري تحديداً هل هي من وجهة نظرها أو من وحي خيال الأب، خصوصا تلك اللقطات التي يجلس فيها على الأرجوحة وكأنه ينتظر قدوم ابنته طفلة ثم شابة، مثلما نرى في لقطات أخرى الماكينات وهى تعجن الدقيق استعداد للخبيز، تركز المخرجة على النار في الأفران والخبز ينضج بداخلها ويرتفع منتفخا، متنقلة إلى أطباق السلطة إلى جوار الخبز والقشطة على مائدة الطعام وأخبار الحرب تحاصرنا فسرعان ما تتطرق الأخبار إلى موضوع الحرب على سوريا والخوف أن تمتد الحرب إلى لبنان، ثم تنتقل إلى كلمات الأب: "نحن علقنا في مصادر من التدمير وإعادة الميلاد.. الآلات تقتل.. الآلات تُطعم" وهو بالطبع يقصد أن الدمار من صنع الإنسان، فهو الذي صنع ماكينات تُعد الخبز، وهو أيضاً الذي صنع المسدسات والبنادق، وأسلحة الدمار. ومنها تخرج المخرجة المبدعة إلى صوت جنازير الدبابات التي تكاد تصم الأذن بينما الورود تستحوذ على الكادر تماماً.

تناقض سينمائي مبهر. في حين تُعبر عن ارتباك الذاكرة التي أصابت والدها بلقطة كأنها شريط سينمائي أصابه العطب نتيجة سوء ماكينة التشغيل، نتيجة الحرب والخراب، والتي تتبعها بلقطات لذات الطرق والمناطق تمزج فيها بين ماضيها الأخضر المزدهر الهادئ وبين هجوم الحداثة والمباني والسيارات والطرق الجديدة التي قضت على براءة ونقاء الماضي.
    سعت نورا كيفوركيان – التي كتبت السيناريو وشاركت في الإنتاج ومونتاج الفيلم - أن تعبر بعمق عن عالم والدها الداخلي، فتركت له مساحة كبيرة أن يكتب عن مشاعره وخواطره، وفي ذات الوقت كانت مهمومة بالبحث عن معادل بصري وسمعي أيضاً يعوض غياب صوته الذي فقده جراء المرض، ففي بعض اللقطات ابتكرت أصوات ومؤثرات سمعية كأنها دقات قلبه وجعلتها تصاحب لوحات تشكيلية توحي بخلايا الجسد والشرايين، قبل أن تتحول ضربات القلب الضخمة فجأة إلى موسيقي ناعمة.

لم تخشَ نورا تصوير جلد يده التي أصابتها الشيخوخة والمرض وعروقه المنتفخة على موسيقى ملحمية قبل أن تختفي الموسيقى فجأة ويحل مكانها صوت ضربات القلب. صاحبته الابنة أثناء معاناته اليومية في إعداد أقراص الدواء بيديه المرتعشة وشفتاه المتلعثمة، سبقتها لحظات من الصمت المطول المربك على مكونات هذا الدواء، من دون أن تخشى أن تضيء هذا العالم الذي كان يتلاشى تدريجيا وكأنها تعيش معه لحظات احتضاره، لذلك نراها تتركه يُضيء النور بالمعني الواقعي والمجازي، نراه يسير في ممرات البيت، بجوار حائط زينّته الابنة بالنجوم الساطعات التي طالما تسكّع بينها شابا، لم تحرمه من استعادتها ولو رسما على جدار، وكأنها تعوّضه عن فقدان النطق، وكأنها تحقق له أمنيته في أن يقدر على الكلام مرة أخرى، فما فعلته هو شكل آخر للنطق وأسلوب جديد للكلام، أسلوب لا يخلو من شاعرية موجعة جسدّها أيضاً الصوت الناجم عن حركة مؤشر الساعة، وكأنها زناد آلة القتل.

ينتهي الشريط الوثائقي "23 كيلومتر" من دون أن نقدر على مغادرته، فهو يسكن المتلقي طويلاً بعد مشاهدته، يسكن إحساسه ويثير أفكاره، لأنه عمل يجمع بين الألم والرقة والجمال، ورغم مأساة الأب وكارثية وضع بلاده، لكن الجمال ظلّ يحلق بالشريط الوثائقي عبر أصوات الطيور وأجراس الكنيسة، ولقطات الطاووس، وعصافير الكناريا، والأوردة، والألوان القوية للزهور، واللهب المتناثر في شاعرية من الآلات، والشمس التي تبرق في المياه، والملاهي بكل ما فيها من العجلة الدوارة، والسيارات الكهربائية، والسموات المفتوحة، والسحب السيارة، إلى جانب الرقة الشديد التي صاحبت فيها الابنة أبيها والتي تمنح المتلقي طريقا جديدا في معاملة المسنين الذين أفقدهم المرض القدرة على مواصلة الحياة باستقلال تام، ومعها أيضاً يصعب أن ننسى كلمات كيفوركيان الرجل الصلب في مواجهة المرض وهو يقول: "لا شيء تغير بالنسبة لي، لا أخشى الموت، ولكن تطور المرض.. أخشى القادم، فالمستقبل قد أصبح أقرب من الماضي."

قد ينال إعجابكم