نقد سينمائي

سميرة مخملباف: طغيان الرموز النسوية

حين نتحدث عن السينما الإيرانية، والمخرجات الإيرانيات بوجه خاص، لا يمكن إلا أن نأتي على ذكر سميرة مخملباف، ونضعها في مقدمة الأسماء التى صنعت مكانة مميزة في وقت قياسي، ليس فقط لأنها حصدت جوائز دولية، وأنما لأن لها خصوصية تميز أعمالها السينمائية، منذ تجربتها الأولي التى بدأت في سن الثامنة عشرة.
ويبدو الإهتمام البارز عالميا بهذه المخرجة الإيرانية الشابة التى لم تتجاوزالثلاثين عاما ، لم يأت من فراغ، فعندما شاهدت ثلاثة أعمال لها متتالية، مؤخرا،  تبين لي أنها حالة فنية خاصة، تستحق التوقف عندها.
ربما أهم ما يميز عالمها السينمائي، ويكسبه الجاذبية، هو الإتكاء على الرموز، على نحو يسمح بتعدد مستوى القراءة، فضلا عن تمرير رسائلها بشكل غير مباشر، وإتاحة فضاء واسع للنقد المجتمعي، وللموروثات ذات البعد الديني بوجه خاص، غير أن مساحة الحوار عندها تبدو أكبر من الصورة، وبه قدر من الثرثرة، ما يجعل الايقاع في مناطق كثيرة، بطيئا إلى حد ما.
و الحس النسوي حاضر بقوة في معالجتها، وفي إختياراتها، وفي مفردات لغتها السينمائية.
 وثمة مساحة بارزة للمرأة ومعاناتها، إذ تسعى لإظهارها بمظهر الكائن المقهور، الذي يعاني بإستمرار قهر الرجل، وسلطته الذكورية، المستمدة من تأويلات دينية متشددة، غير أن المرأة عندها في كثير من الأحيان، لا تستسلم.. تحلم وتقاوم في إنتظار حريتها، وتراهن على التعليم والمستقبل كمخرج من هذه الوضعية المؤسفة، كما أن المرأة عندها تمثل الوعاء الحافظ للهوية، والأجدر على حمل أمانتها في أحلك الظروف.
فإذا توقفنا عند فيلم "التفاحة" باكورة أعمالها، نجده أشبه بحقل من الرموز على مستوى الشخصيات والأحداث التى تدور في أحد الأحياء الإيرانية الفقيرة.

سميرة مخملباف

بدءا من الأب العجوز والأم العمياء، وأبنتيهما المعاقتين ذهنيا،إذ يرمز الأب الى الماضي بأفكاره التقليدية المحافظة التى تركت أثرها على المرأة الأم، فصارت عمياء لا ترى شيئا مما يدور حولها، ولا تخطو خارج عتبة بيتها، وعندما أنجبت وفق هذه الوضعية الشاذة، أتت بنبت غير طبيعي، جرى حبسه لمدة 11 عاما، بحجة حمايتهما من أخطار الخارج، ومن الإختلاط بالذكور، خشية العار.
وكانت النتيجة أن لحق بالأب العار، ليس بسبب خروج البنات للشارع، وأنما بسبب سجنه لهن، الذي كان محل إستهجان من الجيران، ومن الصحافة التى صورته كأب قاس يعذب أبنتيه، ويحرمهما فرص الحياة الكريمة.
وقد حرصت المخرجة على جعل إنقاذ مصير هاتين الفتاتين يأتي عن طريق أمرأة هي الأخصائية الاجتماعية، التى قامت بحبس الرجل وإطلاق الفتاتين إلى الشارع، في إشارة إلى أن المرأة أكثر إستيعابا للمرأة، وأقدر على قيادة مسيرة حريتها، غير أنها أشركت طفل صغير في مسار الحياة الجديدة لهاتين البنتين، وكأنها تريد أن تقول إن مستقبل حرية المرأة يحتاج إلى مؤازرة من الرجل، والرهان على الجيل الجديد للقيام بهذه المهمة.
فالطفل الصغير الذي يلعب بالتفاحة المعلقة في خيط وعصا، كان المحرض والمرشد لهن للخروج من الحارة الضيقة إلى العالم الفسيح المتمثل في وسط المدينة، حيث البراح والمتعة واللعب، ومغامرة الإكتشاف، وتذوق طعم التفاح أو بالأحرى الحرية، فبعد أن اشتريا التفاح  وتذوقاه، وتعودا على الذهاب والمجئ، عادا إلى البيت، ليعطيا للأب تفاحة، ويحرراه من سجنه المنزلي، وليخرج معهن لشراء ساعة لإحداهن،  وهي إشارة رمزية أيضا إلى الزمن الذي يجب ألا نضيعه، ونضعه في حسباننا/ ونستثمره، في الإنجاز والمتعة، خاصة بعد التحرر من سجن الماضي، وتقاليده البالية.
 فيما نرى الأم العمياء ترفض أن تذهب معهم، وتتلكأ في الخروج، وحين قررت أن تخرج متأخرة، تعثرت، ولم تجد مرشدا يخرجها من الحارة إلى قلب المدينة، وعبث معها الطفل بتفاحته، غير أنه لم يتحرك لإرشادها، مثلما فعل مع الأطفال، ومن ثم لم تتمكن من معرفة ماهية التفاحة (الحرية) ، ولم تنجح في تذوقها، وبقت وحدها حبيسة ظلامها ووحدتها، لأنها أضاعت فرصتها، وتلكأت.

مخملباف الأب

ويبدو فيلم"سبورات" أكثر اعمال مخملباف رمزية  في طرحه لقضية الاكراد، وتشردهم  في جبال دول مجاورة، خاصة بين العراق وإيران، إذ اتخذت من اللوح الاسود"السبورة" المنطلق لكل أفكارها ورؤاها بأبعادها الدلالية المختلفة، بجعلها ليس فقط أداة التعليم التى يحملها المعلمون فوق ظهورهم، بحثا عن طلبة ينقلون لهم العلم كبضاعة زهيدة وغير مرغوبة يدللون عليها، في قرى جبلية تغلق أبوابها في وجوههم، وأنما تتجاوز هذا إلى القيام بأدوار أخرى، كبيرة كانت أم صغيرة، كساتر للحماية من قصف الطائرات، أو محفة لحمل المحتضر، أومتكأ لطقوس الزواج و الطلاق، أو في تجبير الكسور، و حتى في نشر الملابس.
أي أنها المعرفة بكل تجلياتها، التى تحرر الإنسان من وضعية بدائية تضعه في مصاف الحيوان، أو حسب وصف الأطفال الذين يعملون في تهريب البضائع عبر الحدود العراقية الإيرانية "نحن بغال"، وهذه المعرفة هي التى ترشد إلى الطريق الصحيح، وليس العيش في التيه، مثلما عاني العجائز الذين لم يتبينوا طريقهم إلى أرض أسلافهم، خاصة بعد قصفها بالقنابل، وضياع معالمها، إلا بعد أن أرشدهم صاحب السبورة.
وتؤكد في هذا الفيلم مخملباف أيضا طرحها النسوي، بأن جعلت المعلم بعد أن إنفصل عن المرأة الجبلية في نهاية الرحلة، يترك لها السبورة لتحملها على ظهرها، وتمضي وحدها في غياب الرجال، وبجوارها طفلها يحمل عصا جده، وكأنها تريد أن تقول إن من حق المرأة إمتلاك المعرفة لتبحث عن طريقها بنفسها، وحريتها المقيدة في وجود الرجل أو بفعله، فضلا عن أن المعرفة  هي التى تحافظ على الهوية المتمثلة في عصا الجد الذي يحملها طفلها، والمرأة هي القادرة على حفظ ونقل الأثنين معا، وتوريثيهما للأجيال القادمة.
ونأتي للفيلم الثالث"عند الخامسة بعد الظهر"، إذ لا يبتعد عن نفس منطلقاتها الفكرية، ولا أسلوبها الرمزي الملفت، وإن كان أكثر فنية، و يجمع بين البساطة والعمق في ذات الوقت، ويعكس تطورا في التجربة، وجرأة أكثر في التناول، وفي الحس النقدي للمجتمع، مع اللجوء إلى المتضادات كثيرا، لإبراز المعنى، وتوضيحه.
تبدأ المخرجة في هذا الفيلم، وتنتهي بنفس اللقطة الدالة لأمرأة تجر وراءها حصانا مجهدا، وفوقه دجاجة، فيما المرأة الأخرى تحمل فوق كتفها جرتي ماء مربوطتين بعصا وحبل في صحراء قاحلة بأفغانستان.
وكأنها تريد أن تضع عنوانا عريضا في البدء، وتعيد التأكيد عليه في الختام، لتصنع ما يمكن أن نسميه إطارا لفكرتها التى تنطلق منها،ألا وهى مصير المرأة المجهول، وبقائها أسيرة التخلف الذي تحمله كصليب فوق كتفها، رغم توقها للإنعتاق.
وبين لقطة البداية المكررة في النهاية، ثمة تفاصيل عديدة ذات رمزية، تملأ المتن، تتمحور حول حصار الثقافة الدينية المتشددة للمرأة، ومسئولية الرجل عن مصيرها الغامض، وإحباط طموحاتها، والنظرة الدونية للمرأة، وإعتبار صوتها، ووجهها عورة.
وقد عبرت المخرجة عن هذا المعنى بقوة، من خلال إستعراض الكاميرا المتواصل للفتيات المرتديات البرقع، خاصة وهن يسيرن من الخلف، كما لو كنا خياما وليس بشرا، وكلما رأى رجل إحداهن يدير وجهه للحائط  حتى تمر، وهو يستغفر الله، ويستجير به، كأنها شيطان رجيم، وفي الخلفية بإستمرار تتعالى أصوات آيات قرآنية بعينها، تبدو كما لو كانت غرسا  ممنهجا لأفكار محددة، في ذهن كل من المرأة والرجل على السواء، على نحو يعلي من قيمة الرجل، ويجعل المرأة تابعا أو مصدرا لكل الشرور.
وتبدو نبرة الإنتقاد واضحة لهذا النهج، بأن جعلت التشدد يصل بالرجل العجوز صاحب العربة التى يجرها الحصان، أن ينزل الفتيات الصغيرات وسط الصحراء عندما أكتشف انهن خلعن البرقع، ولم تأخذه بهن رحمة.
ولتأكيد أن الوجه الآخر للتشدد هو النفاق والإهتمام بالقشور دون الجوهر، جعلت هذا العجوز ذاته يتشاجر مع أحد الرجال النازحين إلى قريته، لأنه يستمع إلى الغناء، ويتهمه بالتجديف، فيما لا يبالي بكونه يعاني الجوع والبرد، ولم يقدم له يد المساعدة.

ملصق فيلم التفاحة

ولأنه لم يقو على المواجهة، اختار الحل الاسهل، وهو الهرب، والرحيل إلى وجهة غير معلومة، وعندما أستقر به الحال في طائرة معطوبة، ووجد زحفا من جيران جدد، بينهما شباب يعلقون صورا لممثلات، قرر الرحيل مجددا حتى لا تختلط ابنته وزوجة ابنه المفقود بالرجال، وليهرب إلى عالم يخلو من التجديف أو الإنحراف عن صحيح الدين من وجهة نظره.
وحتى إختيار البطل الرئيس كان رمزيا، إذ كان عجوزا، لتأكيد أن الافكار التى يحملها من الماضي، وتجاوزها الزمن، ولم تعد مناسبة للعصر، وهي تيمة سبق أن لعبت عليها في فيلمها الأول، وفي المقابل أتت بشخصية مناقضة لإبراز الفارق من خلال شاب منطلق أتى من الخارج، بدا منفتحا ويشجع الفتاة التواقة لتغيير وضعيتها، والوصول إلى طموحها.
أما الشخصيات النسائية  المركزية، فكانت شخصية  الأبنة  التى تسعى بالحيلة أن تكسر هذا الحصار، وبالحلم الكبير، في مقابل شخصية زوجة أخيها التى ربطت مصيرها بمصيره، وعندما غاب لم يعد لها قيمة ولا هدف، سوى الإنتظار، ككم مهمل.
بينما الأبنة حين حرمها الأب من التعليم، مكتفيا بدروس القرآن فقط، كانت تتسلل من وراءه، وتذهب ألى المدرسة، أحدى المفردات ذات الدلالة الرمزية أيضا ، إذ تشي بالتقدم والتطور، مقارنة بالكتاتيب القرينة بالثقافة المحافظة والإنغلاق الفكري.
وقد سعت لتجسيد هذا المعنى بصريا ببساطة شديدة، من خلال المقارنة بين ذهابها إلى الكتاب بالبرقع والخف الأسود المترب، وحين تتوجه للمدرسة كانت ترفع البرق، وترتدي حذاءا عصريا نظيفا، وتمسك بمظلة.
وحين سعت المعلمة لمعرفة طموحات الفتيات في المستقبل، كانت من القلائل اللائي عبرن عن الرغبة في تولي منصب الرئيس، الأمر الذي له دلالة، بالنظر إلى السياق المجتمعي الرجعي، الذي يرى أن الولاية الكبرى لا تصلح للمرأة.
ولم يقف الأمر عندها عند حد الرغبة، بل باتت مهمومة فعلا بإمكانية تحقيق هذا الحلم، بسؤال القادمين من باكستان المجاورة، عما إذا كان الرئيس أو رئيس الحكومة رجلا أو أمرأة، وحتى جنود الفرقة الفرنسية، تسألهم نفس السؤال، وتبحث عن خطب المرشحين، وكيف يواجهون الجمهور.
إلى أن نصحها الشاب الذي اغرم بها أن تبدأ في عمل حملة انتخابية، و تصنع ملصقات عليها صورها، وتبدأ في التدرب على مواجهة الجمهور.
وهنا تبدأ مشكلتها، فهي لم تتعود على مواجهة الآخر، ومنطق الإقناع، بحكم ثقافة السمع والطاعة التى تربت عليها.
فترتبك، وتبدأ مرة أخرى في خلع الحذاء والعودة للخف، في اشارة رمزية إلى الإرتداد للثقافة المحافظة، والتخلي عن تحررها.
فيطلب منها أن تتدرب أمام الحيوانات مثلما يفعل، ويعطيها قصيدة "عند الخامسة بعد الظهر" التى أتي منها عنوان الفيلم.
غير اأها حين تعرف بموت زميلتها، التى كان لها نفس الطموح، ترتد إلى الفكر التقليدي من جديد، وتنظر للأمر كما لو كان لعنة من السماء أحلت بها، فتتراجع عن طموحها، وتسير مستسلمة لمصيرها المجهول مع أبيها وزوجة أخيها إلى الصحراء، في عربة بدائية بينما تحلق الطائرة الهيلوكوبتر في السماء، وهذه مقاربة أخرى ذات دلالة.
 وهنا يُفقد الطفل موتا، ثم العجوز، وتبقي النساء وحدهن في مواجهة المجهول، يحملنا مورثات الماضي معهن ، وتتساوى الفتاة الطموحة المتعلمة، مع زوجة اخيها الجاهلة الفاقدة للهمة.

*كاتب وناقد مصري

قد ينال إعجابكم