"ميكروكوسموس" :
من نجاعة العلم إلى جمال الفن ونزوات الإيديولوجيا.
بقلم: أحمد القاسمي
"باحث في سيميائيات الأدب والسّينما من تونس"
على خلاف عامة الفنون لم ينشأ الفنّ السينمائي في المعابد أو القصور وإنما في محضنة البحث العلمي وظل ينمو فيها بما تُوفر له من آلات وأجهزة تقنية كما ظلّ يفيد من علومها المختلفة كالكيمياء والبصريات والإضاءة وصولا إلى علوم التكنولوجيا الرقميّة على أيامنا هذه.
ولم تختزل هذه الإفادة في تطوير الوسيط التقني فتجاوزته إلى المضمون نفسه. إذ انصرف السينمائيون إلى المضامين العلميّة يبذلونها إلى الجمهور العريض. ولئن ظلّ هذا المسعى هامشيّا لا يدير إليه الرقاب أو يصرف الأنتباه زمنا، فإن الفرنسي جون بانلوفاي (Painlevé Jean) ارتقى منذ ثلاثينات القرن العشرين بسينما البحث العلمي إلى مصاف الفن الذي يحظى باهتمام النقاد والمتفرّجين على حد سواء. فاهتم بدراسة الظواهر الطبيعيّة وعلم النبات وسائر علم الحياة والأرض. وما فتئت السينما، منذ ذلك التّاريخ، توطّد علاقتها بالعلم. وليس الأمر عرفانا منها بما للعلم من فضل عليها وإسهام في نشأتها أو حنينا منها إلى أصولها الأولى بعد أن طوّفت بعيدا في عالم الإيهام والتخييل بقدر ما هو تبادل للمصالح المشتركة. فتتولى السينما العلميّة نشر مختلف العلوم نظير إسعاف المجال العلمي لها بتقديم المواضيع المستجدّة الكفيلة باستقطاب شرائح واسعة من جمهور لا يغريه سحر القص والتّخييل.
1) الفيلم العلمي والإشكال الأجناسي:
يتضاد الفيلم العلمي جوهريّا مع الفيلم التّخييلي، ولكنّ ذلك لا يعني ضرورة انتماءً سلسا للأفلام الوثائقيّة. فعديدة هي التصنيفات النّقدية التي تخرجه من دائرتها لاعتقادها بأنّ الوثائقيّ والتخييليّ يشكّلان نمطين سينمائيين يضمّ كل منهما جملة من الأجناس الفرعيّة تمثّل السينما العلميّة أحدها. ويميل الثاني إلى اعتبار السّينما الوثائقيّة جنسا سينمائيّا شاملا مقابلا للسينما التخييليّة يُؤْثر الوظيفة المرجعيّة التوثيقيّة ويجعلها غايته الأساسيّة. أما السّينما التخييلية فتجعل من الوظيفة الجماليّة مقصدها الأول. ومن هذا المنطلق ينسِب الفيلم العلمي بما هو تقديم للحقيقة العلميّة، إلى السينما الوثائقيّة وإن كشفت مجالات استعماله البيداغوجيّة في المدارس والجامعات أو العلميّة الصرف في مراكز البحث والنّدوات المختصّة عن نزعة انفصاليّة مبيّتة.
 |
|