1. يميز المرء ضمن جنس الفيلم التسجيلي مجموعة أنواع، وفقاً للمواضيع التي تتناولها، ووفقا للمواد المختلفة التي تخضعها هذه الأنواع للمعالجة ولأسلوبها التعبيري الخاص، حيث يمكن تمييز كل نوع منها عن بقية أنواع أخرى، يراعى فيه صفات وتقاليد الجنس التسجيلي وقدرته على نقل الواقع وتسجيل مواضيعه بأمانة ونزاهة إلى درجة عالية من الكمال، وجعلت من السينما الفن الإعلامي الأهم دون منازع وأكسبتها جماهيرية غفيرة. وحينما يتسنى لنا الرجوع إلى أنواع الفيلم التسجيلي، الذي يتصدر تاريخيا مصطلح الفيلم الثقافي، الذي تداول في ألمانيا تحديداً، كجنس مواز لجنس الفيلم الروائي، وكان يقصد به الفيلم التسجيلي، قبل أن يطلق تسميته في العام 1926 المخرج والمنظر الانكليزي جون غريرسون، بعد أن شاهد فيلم "موانا" لروبرت فلاهرتي واعجب بشاعريته وحبه للمشاهد الطبيعية وصدقه في تبجيل العمل اليدوي.
2. ظهرت في تاريخ الفيلم الروائي أنواع مختلفة في مراحل مختلفة وانتشرت وتطورت أيضا في مراحل مختلفة أنواع عديدة، انتمت إلى جنس الفيلم الوثائقي وخضعت لمنهجه وأساليبه المكتشفة، وساعدت التقنيات المكتشفة على قدرته في تسجيل الوقائع والمظاهر والأحداث الاجتماعية، التي كان الفيلم، بطبيعته الفوتوغرافية المتحركة، يتابعها في كل مكان ويسجلها. فمنذ أن حاول إديسون في العام 1889 عرض مشهد من الصور االمتحركة بوساطة اختراعه الجديد "الكينتو سكوب" وهو على شكل صندوق للفرجة أشبه بصندوق الدنيا. ونجح أن يضيف صوت الفونوغراف إلى المشهد، الذي يظهر فيه وهو يتكلم، مما بشر بالفيلم الناطق، إضافة إلى عرض تجربته في تصوير "مباراة ملاكمة" في العام 1896 إلى أن جاء تصوير وعرض لويس لوميير العمال والعاملات أثناء خروجهم من مصنع الفوتوغراف في (ليون) في العام 1895 وتصوير ويليام فريز-غرين مشهدا في شارع لندني، وجاء بعده تصوير ويليام باول مباراة سباق الخيل في ابسوم وتصوير أوسكار ميستر مشهدا لحفلة صحافية في برلين وتصوير ماكس سكلادانوفسكي مشهدا لأخيه وهو يمارس رياضته اليومية، بحيث شكلت كل هذه التجارب، التي التقطت مشاهدها من الحياة مباشرة، النواة لظهور فيلم الوقائع. ومن ريبورتاجات مُصوّرة مماثلة ولد فيلم الأخبار، الذي سجل أحداثاً راهنيه تجري في كل مكان كالمؤتمرات والزيارات الحكومية والأعياد الوطنية والأحداث الثقافية والرياضية، وهي المشاهد، التي كانت تعرض بعد تسجيلها بوقت قصير في صالات السينما وأصبحت احد أنواع الفيلم الوثائقي، التي تنحصر مهمتها الأساس في تسجيل الأحداث السياسية والاجتماعية والمناخية في كل مكان، وتسليط الضوء على أوجه الحياة الاجتماعية غير المعروفة. وكانت بداياتها مع جهود الإخوة لوميير، اللذيّن أخذا يعدونها على شكل "جورنال" مُصوّر في العام 1896 من خلال نشاط مصوريهم المنتشرين في جميع أنحاء العالم، والذين كانوا يزودونهم بالمشاهد التي يُصوّرونها حتى من روسيا واليابان.