مقالة مجلة

التخييلي والوثائقي: جُدران تنهار وحدود تتراجع

تقفز إلى الأذهان كلّما خضنا في الأنماط السّينمائية المصادرة التّالية: الفيلم التّخييلي نمط مضادّ للوثائقي ..
 
د.أحمد القاسمي
 
تقفز إلى الأذهان كلّما خضنا في الأنماط  السّينمائية المصادرة التّالية: الفيلم التّخييلي  نمط مضادّ للوثائقي. وقد نتوسّع في تعريف الأوّل فننسبه إلى عالم الخيال والأحلام والخلق الإبداعي إن رمنا به خيرا، فنجعل الثّاني نظيرا لفقر الواقع وتكلّسه. أو ننسبه إلى الزّيف والوهم والخطاب الذّاتي، إن رمنا إعلاء قيمة الوثائقي على حسابه. فنُلمع ضمنا إلى أنّه خطاب موضوعي يعالج الواقع ويعمل على الوصول إلى الحقائق. ورغم انقسام المنظّرين والممارسين للإبداع السّينمائي إلى معسكرين كلا يستميت في الدّفاع عن مصادراته المنتصرة إلى أحد النّمطين، ظهر تقارب ملفت بينهما.
 
فقد انفتح الوثائقي على التّخييل ليجعل متقبّله يتمثّل أحداثا بعينها من منطلق تصوّر مخرجه أو ليتجاوز شحّ الموارد البصرية في أحيانا أخرى، فحَذَرَ السّقوط في الثّرثرة وهي مقتل للإبداع السينمائيّ، جسّد المواقف تصوّرا وتمثيلا. وأمعن في ذلك حتّى ظهر نمط هجين بات يعرف بالفيلم الوثائقي التّخييلي (Docu-fiction). وبالمقابل انفتح التّخييلي على المواد الأرشيفيّة جاعلا منها عونا سرديّا يخوّل للسّينمائي تشخيص الواقع ويحيل عليه مقاومةً لنزعته الآليّة إلى الإرجاع الذاتيّ. ومن ثمّة انهار الجدار الفاصل بينهما أو تراجعت مناعته القديمة ولم يبق منها إلا طيف بعيد وظلال قائمة في أذهان المنظّرين أو في مناهج دراستهم تخوّل لهم تصنيف المادة الفيلميّة لغايات إجرائيّة بحثيّة.
 
ولمّا كانت التّحديدات النظريّة الجاهزة تعمي وتصمّ أحيانا لخطابها المتعالي الذي يعمل باستمرار على تحويل الإبداع إلى جملة من القوانين النّاظمة والأثر إلى تنفيذ أمين لما يقترح من اللوائح والفصول، آثرنا، ونحن نعيد النّظر في العلاقة بين النّمطين، أن ننطلق من النّصوص الإبداعيّة تحليلا واستقراء. وقدّرنا ألاّ نخوض في المستوى النّظري من الإشكاليّة إلا بعد أن نتبسّط – وفق ما يسمح به المقام – في عرض نموذجين. فنعرض وجوها من تعاملهما مع الواقع وقضاياه عساهما يكونان مرقاة للإمساك بشيء من القارّ الثّابت في العلاقة المربكة بين هذين النّمطين السّينمائيين، يتمثّل أوّلهما في الفيلم التّخييلي JFK  أمّا ثانيهما فهو الفيلم الوثائقي "اغتيال JFK ملفات جيم قاريسون"  ..