أخبار

الأصوليون اليهود.. هل تنتهي إسرائيل على يد أبنائها؟

عبد الله أيد

يبلغ عدد الأصوليين مليونا من أصل ثمانية ملايين ونصف مليون إسرائيلي، ولهم اليد الطولى في جميع مناحي الحياة في إسرائيل

في شهر مارس/آذار من عام 2014 تدفق آلاف الأشخاص ممن يرتدون السواد على شوارع القدس، إنهم اليهود الأصوليون، رفعوا عقيرتهم بالدعاء على الحكومة، لأنها تريد إجبارهم على الخدمة العسكرية، فقد كانوا معفيين من التزامات الخدمة العسكرية الإجبارية منذ نشأة إسرائيل، وقد تم حبس بعض الحاخامات حينئذ.

يبلغ عدد الأصوليين مليونا من أصل ثمانية ملايين ونصف مليون إسرائيلي، ولهم اليد الطولى في جميع مناحي الحياة في إسرائيل، يتجولون في أحياء ليست بأحيائهم ويضايقون الناس، حتى إنهم يمنعون الأم رقيقة الدين -في نظرهم- من لقاء فلذات كبدها، وعلى الناس أن تتحمل وطأتهم.

 وهم يفرضون هذا على الدولة، فإن استخدمت الدولة العنف استخدم اليهود الأصوليون العنف أيضا، وإن لاينتهم لاينوها، وتقف من وراء كل هذا أصابع الحاخامات، فالحاخام هو صاحب الحل والعقد في مجتمع الأصوليين اليهود، حتى في انتخاب من يمثلهم، وفي التقدم إلى اختبار قيادة السيارات، وفي السماح باقتناء الهاتف، ولا أحد من عوام الأصوليين يعلم لماذا.

لا يقف الأمر على التحكم بحياة الناس العادية، بل في التحكم برأس الهرم أيضا، إذ لا غنى للحزب الحاكم عنهم، فهم الذي يبرمون التحالفات وهم من ينقضها، ونصيبهم من كعكة التحالف ألا يتعرض لهم بسوء ولا مضايقة، وإذا ساءت الأمور فإن اللباس الأسود أكثر أهمية من الدولة.

وقد أنتجت الجزيرة فيلما بعنوان "إسرائيل.. الانقسام على الذات" يكشف عن جسد إسرائيل من الداخل، وتنافر الأعضاء داخل البطن فيما بينها، وعن تحكم مجموعة من الشعب ذات عقائد متطرفة في مصير الجميع؛ من القاعدة إلى رأس الهرم.

 

دولة داخل دولة

لا يتبادر إلى الذهن عند ذكر إسرائيل إلا ما يراه المرء في الإعلام من صورة حسنة عنها؛ ذلك البلد الحديث المتطور تكنولوجيا ذو الأبراج المناطحة للسحاب، والشواطئ الخلابة التي تغص بالشباب الراقي المواكب للعصر، إلا أن إسرائيل أخرى تناطح إسرائيل التي تُعرف، فهناك دولة داخل دولة، إنه كيان الأصوليين اليهود الذي لا يرى العالم إلا باللون الأبيض والأسود، إنهم رجال ذوو قبعات وسترات سود وقمصان بيض يسعون في الأرض وكأنهم تائهون قدموا من القرن الثامن عشر.

يعيش أغلب الأصوليين اليهود في مدينة القدس، وفي معقلهم حي ميا شعاريم المقدسي يتمركز منهم 15 ألفا، هم من أكثر القوم تشددا وأشدهم صرامة، حيث يفرض على من يريد دخول الحي المنغلق على نفسه أن يتقيد بمجموعة من الضوابط الدينية قبل أن تطأ قدماه أرضية الحي الذي يبدو مختلفا عن أحياء القدس، حيث يظهر متدني المستوى في معدل التحضر. وفي هذا الحي وإخوته من أحياء المتدينين ينظر الناس إلى العالم الخارجي في المدن والأحياء الأخرى على أنه محرقة روحية، أو هكذا يرى الحاخامات.

 

من أوروبا إلى القدس

ظهرت ممارسات الأصوليين الدينية وما يلفها من هندام لأول مرة في أوروبا في القرن الثامن عشر، ثم لجؤوا إلى فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل بوقت طويل هربا من المذابح التي تعرضوا لها في بلدانهم الأوروبية الأصلية، وقاموا بممارسة شعائرهم هناك كما كان يمارسها أسلافهم، فلو سافرتَ بآلة الزمن إلى الماضي لوجدت آباءهم وأجدادهم يرتدون الملابس نفسها قبل مئتي سنة.

فتلك عند الأصوليين طريقة الالتزام الديني اليهودي المُثلى للمحافظة على خصائصهم وأصالتهم؛ حيث يَعتبرون أن التشبه باليهود غير المتدينين نوع من الذوبان فيهم، ولذلك فهم يصرون على لبس الملابس العتيقة تلك في أيامنا هذه.

يحاول المجتمع المتدين أن يخلق لنفسه فضاء مغلقا يعزل نفسه فيه

في مواجهة الحداثة

حين أرادت الصحفية التي أعدت فيلم الجزيرة دخول الحي استعانت بصحفية إسرائيلية لتكون برفقتها، وكان أول ما نصحتها أن ترتدي ملابس محتشمة، فالقمصان التي تبدي بعض الجسد ممنوعة في الحي، وأما سروال الجينز فهو ممنوع بتاتا، لذلك فإنها اضطرت إلى ارتداء قميص ساتر طويل الكم وتنورة فضفاضة لتصبح مؤهلة لدخول الحي المتقيد بشريعة الرب، هذا بالنسبة للنساء. أما الرجال فعليهم أن يرتدوا معاطف سوداء طوالا ويعتمروا قبعات منتصبة سوداء.

الدخول إلى حي ميا شعاريم دخول إلى سور موصد لا يعيش به إلا المتدينون اليهود، حيث الرفض القاطع للحداثة بكل تفاصيلها من تلفزيون وإذاعة وإنترنت، أما تداول الأخبار فلا سبيل إليه إلا من خلال معلقات متطايرة على الجدران هي وسيلة التواصل العامة بينهم، حيث ينعون أمواتهم ويبثون إعلاناتهم وما إلى ذلك.

 أما الكاميرات وأخواتها فهي من المحظورات الكبرى، فقد وقع فريق التصوير في معضلة حين التقوا برجل أصولي غاضب خاطبهم وهو يغض بصره عن الصحفيتين لأنهما نسوة قائلا "من غير الجائز التصوير في أحياء المتدينين، اذهبوا إلى أحياء العلمانيين"، وحين ناقشوه عن حق التصوير في الأماكن العامة ومنها الشوارع زاد في غيه وغليانه، وأمرهم بمغادرة الحي على الفور مهددا باستثارة أهل الحي.

وفي أثناء تبادل الحوار الغاضب التحق بالرجل الأصولي رجل آخر أصولي يستشيط غضبا مثله، وبدأ باستثارة الناس وإثارة الجلبة حتى علت الأصوات في الشارع، ليقوما بتشييعهم إلى خارج الحي لمنعهم من التصوير، وهناك خارج حدود الحي خاطبهم شخص من المارة يركب دراجة قائلا "سيكسرون كاميراتكم فاحذروا"، لينسحبوا بعد التطفل على حي ميا شعاريم لمدة لا تزيد على ربع ساعة، فتلك أول ربع ساعة تستطيع عدسات مصور تصويرها من الداخل.

الرجال في المجتمع الأصولي غير مكلفين بالبحث عن العمل، وإنما كل همهم الاشتغال بالصلاة والعبادة

ملامح المجتمع الأصولي

يحاول المجتمع المتدين أن يخلق لنفسه فضاء مغلقا يعزل نفسه فيه، لذلك ما إن ينزل قَطرهم في أرض أجدبت تدريجيا من العلمانيين حتى تخلو لهم، وفي الأحياء التي يتنامى فيها اليهود المتدينون يجد اليهود العلمانيون أنفسهم مضطرين إلى تركها، فمن المستحيل التجاور بين الفريقين.

الرجال في المجتمع الأصولي غير مكلفين بالبحث عن العمل والكد من أجل الحصول على لقمة عيشهم، وإنما كل همهم الاشتغال بالصلاة والعبادة وتدارس النصوص المقدسة طوال اليوم، يتواردون منذ صباهم إلى الحلقات الدينية ذات الطابع الذكوري الخاص، يقضون أيامهم بترتيل نصوص التوراة ومراجعة تفاسيرها والتعليق عليها، فتلك حياة الرجال في مجتمع الأصوليين، حياة يحكمها الدين على مدار الساعة.

وبعد تدارس التوراة تحتل الأسرة المرتبة الثانية في حياة الأصولي اليهودي، إلا أنها مضبوطة بالكثير من الضوابط التي تحكمها، أما فيما يتعلق بالجانب الزوجي البحت فإن ذلك محاط أيضا بسياج من القواعد الصارمة حتى في العلاقة الحميمية، فالملامسة والعناق والتقبيل وممارسات المودة بكافة أشكالها لا يجوز أن تمارس إلا في المنزل، ولا تمارس إلا في الظلام الحالك، وعلى الأنثى ألا تكون جُنبا حينها، وإلا فإن الممارسة نفسها تصبح محرمة.

لا سبيل للتواصل في أحياء الأصوليين إلا من خلال معلقات متطايرة على الجدران، حيث ينعون أمواتهم ويبثون إعلاناتهم

العودة إلى مرابع الأصوليين

رغم محاولة العودة إلى حي ميا شعاريم عدة مرات خلال عدة أشهر لم يستطع فريق التصوير أن يصور في المكان، فكل المحاولات كانت توأد في مهدها، حتى سمح لهم رجل يهودي متدين حريص على الدفاع عن طريقة حياته التقليدية بدخول منزله القابع في حي يعالوت.

يوناتان ستاينبيرغر رجل ثلاثيني متدين متزوج وله أطفال أربعة، ما إن يستيقظ في الصباح حتى يشعر أنه من جند الله، يخشى الله ويذكره في كل حين، فأوامره ونواهيه هي محور حياته، فبعد غسل يديه وارتداء ملابسه يحضّر قهوته، لكنه لا يشربها حتى يصلي حامدا الله على إنعامه عليه بها، ثم يهرع إلى الكنيس لأداء الصلاة، وحين يعود إلى منزله يعد غداءه مما أعدته زوجته بالأمس، ولكنه رغم كل شيء يصنف نفسه يهوديا متدينا معتدلا غير متشدد، ويرجع ذلك إلى كونه مثقفا درس في الجامعة وجاب أنحاء العالم. ومع اعتداله يشعر بالغربة حين يخرج من منطقته إلى تل أبيب، وكأنه مسافر إلى الخارج، فإسرائيل التي يراها في تل أبيب هي في مثل خطر النازيين بالنسبة له.

له من الذرية ابنتان وصبيان، وتدرس بنتاه الاثنتان المدرسة الابتدائية، أما ابنه الثالث فما زال في الروضة، والرابع لم يتجاوز عتبة الحضانة بعد، وحين يعود الجميع إلى المنزل بعد يومهم الدراسي فلا مكان في منزلهم إلا للكتب الدينية المقدسة، فلا روايات ولا صحف، ولم يحدث من قبل أن رأوا تلفازا ولا حاسوبا ولا جهاز ألعاب إلكتروني، فكل ذلك محرم عليهم، لذلك فإن وسيلة الترفيه الوحيدة هي لعب الورق.

لا يوجد أثر للإلكترونيات غير هاتف ذكي حلال سمح به الحاخام لمعرفته الجيدة به، حيث اتصل بشركة الهواتف الذكية للسماح له بشراء الهاتف، وفي هذا الهاتف الحلال تحاط شبكة الإنترنت بسياج من الضوابط، وبالتالي فإن كل تطبيق يجب أن يجيزه الحاخام.

بما أن الرجال يقضون أيامهم في الممارسات الدينية، فإن عبء العمل وكسب العيش يقع على عاتق النساء

حواء في المجتمع الأصولي

بما أن الرجال يقضون أيامهم في الممارسات الدينية، فإن عبء العمل وكسب العيش يقع على عاتق النساء، لذلك فإن هايا زوجة يوناتان لديها صالونا يبيع إكسسوارات النساء كالشعور المستعارة، وهي تجارة رائدة في المجتمع الأصولي لكون المرأة المتزوجة أو المطلقة ممنوعة من إظهار شعرها، لذلك فإنها تضع شعرا مستعارا، حتى إن هايا نفسها تعتمر شعرا مستعارا.

كما أن المرأة في المجتمع الأصولي هي المسؤولة عن الأمور الحميمية، حيث لا تتلقى من علم الأحياء في المدارس إلا الدروس المتعلقة بممارسة العلاقة الحميمية، وأما الرجال فلا يعلمون شيئا عن ذلك لكون تعليمهم منحصرا في الجانب الديني، كما أنها هي من تقوم بالعملية، إذ يحظر الحاخام على الرجل أن يلامسها بيديه.

يرى اليهود من جماعة نيوتوري كارتي أنه لا يجوز لليهود إقامة دولة يهودية، بل يحلمون بالعيش في دولة فلسطينية عتيدة

يهود كارتي ينصرون فلسطين

عاد فريق التصوير مجددا إلى المغارة الكبرى، ولكن هذه المرة في بيت حاخام من نوع متدين بطريقة مختلفة، فهو رئيس جماعة تدعى نيوتوري كارتي (حراس المدينة)، وهم طائفة من الأصوليين يمقتون إسرائيل ويريدون تدميرها ويحرقون أعلامها كل عام في ذكرى تأسيسها، بل ويرفعون الأعلام الفلسطينية، حتى إنهم زاروا إسماعيل هنية القيادي في حركة حماس، وهي في حالة حرب مع إسرائيل.

يرفض أعضاء هذه الجماعة استصدار أي بطاقات هوية إسرائيلية، ولا يقبلون أي إعانات من الحكومة، ولا يسجلون مواليدهم لدى إدارة الأحوال المدنية، وزيادة على كل هذا فهم لا يتحدثون باللسان العبري بل باليديش، وهي خليط من الألمانية والعبرية كان أجدادهم يستخدمونها في أوروبا الشرقية، كل هذا في إطار رفضهم أن يكونوا مواطنين للدولة الإسرائيلية بأي شكل من الأشكال.

لا يكتفي اليهود المتدينون بتطبيق الأحكام الإلهية في أحيائهم، بل يسعون إلى التحكم في الأحياء العلمانية

التيه المستمر

يرى اليهود من جماعة نيوتوري كارتي أنه لا يجوز لليهود إقامة دولة يهودية، بل يحلمون بالعيش في دولة فلسطينية عتيدة.

 يقول رئيس جماعة نيوتوري كارتي "نعلم مما خط في الكتاب المقدس أن الرب وعد بإخراج الشعب اليهودي من التيه، وها نحن أولاء في الشتات منذ ألفي سنة، وما دام التيه مستمرا يحرم على الشعب اليهودي تأسيس دولة يهودية في أي مكان في العالم، هنا أو في أوغندا أو غيرهما".

وحين سألته الصحفية: هل تريدون حقا أن تصبح إسرائيل الحالية فلسطين؟

رد قائلا "طبعا نطالب بالعدالة الإلهية، لا مكان لدولة يهودية من دون إرادة إلهية، وفي انتظار تحقق الوعد الإلهي ها نحن في فلسطين، من غير الممكن وجود دولتين لشعبين، لأنه ليس الحل الأمثل، الحل هو إعادة كل الأرض إلى الفلسطينيين".

 

تطبيق شريعة السبت

لا يكتفي اليهود المتدينون بتطبيق الأحكام الإلهية في أحيائهم، بل يسعون إلى التحكم في الأحياء العلمانية التي لا يقطنونها أيضا، ففي الأسواق مثلا يأتون كل يوم جمعة عصرا من أجل إغلاق السوق وإن بَعُد عن ديار المتزمتين استعدادا ليوم الراحة اليهودي الأسبوعي يوم السبت.

 ويعمدون في تطبيق ذلك إلى حل لا اعتدال فيه، وذلك عبر النفخ في الأبواق والصراخ بأن على الجميع العودة إلى منازلهم من أجل التنغيص على الباعة حتى يقوموا بإغلاق المتاجر، وعلى الجميع متدينين وعلمانيين ومسلمين ومسيحيين الانصياع لذلك حتى تصبح القدس مدينة مقفرة ما إن يدب بها أنيس.

وحين يأبى تاجر الانصياع أو يتأخر قليلا عن موعد الإغلاق ينحط عليه سيل مكون من الآلاف المؤلفة من ذوي الملابس السوداء يثيرون عليه الشغب، ويقذفون زبائن متجره بالحجارة، ويفتعلون له المشاكل، ويقيمون الدنيا ولا يقعدونها عليه، حتى يغلق متجره وهو صاغر مرغم.

وبلغ التمادي بالقوم أن اقتحموا صالة سينما مفتوحة ذات سبت في أحد أحياء القدس، وقد تمكنوا من إغلاقها لاحقا.

 

مدائن أصولية

لا يكتفي اليهود المتدينون بتطبيق الشريعة الإلهية في القدس فحسب، بل يسعون إلى الامتداد إلى كل ركن في إسرائيل، حتى إنهم قد يستولون على مدائن بكاملها ليحولوها إلى أوكار لتطبيق عقيدتهم.

التقى فريق البرنامج بسائق تاكسي ينحدر من مدينة بيت شيبش التي لا تبعد عن القدس إلا نصف ساعة، وهناك تجول بهم في شوارع المدينة التي ترعرع فيها رغم أنه لم يعد يعرف من ملامحها شيئا بسبب التغييرات التي طرأت عليها بعد أن سيطر عليها المتدينون، فجميع المظاهر العامة والمسميات تغيرت، وأصبحت الشوارع تحمل أسماء حاخامات.

لا يفتأ الأصوليون يتوسعون ويبنون في الأحياء المتدينة حول المدينة، فالمباني تنبت كالأشجار فوق التلال بترخيص من الحكومة، لكنها مبان مخصصة للمتدينين الأصوليين، فلن يقيم في تلك الأنحاء علماني واحد، لا هم يسمحون للعلمانيين بذلك، ولا العلمانيون يرغبون بمساكنتهم، وهكذا يتكاثر القوم ويتمايزون.

حين يستعصي على المتدينين اليهود تطبيق الضغوط على العلمانيين بالطرق البسيطة فإنهم يلجؤون إلى السياسة، ففي مدينة القدس كانت هنالك استثناءات لبعض المتاجر تقدمها البلدية، تسمح لهم بالعمل يوم السبت نتيجة اتفاق قديم منذ عشرات السنين بين المتدينين والعلمانيين، اقتضى بقاء المتدينين في أحيائهم مقابل السماح للعلمانيين بالبقاء وسط المدينة، إلا أن رئيس البلدية قرر فرض الإغلاق على المحلات بعد أن انتزع منه المتدينون التراجع عن إعفاءات منحها لبعض المحلات.

رئيس بلدية القدس هو نير بركات، وهو مرشح علماني مستقل منتخب، لكنه وجد لنفسه انتماء فأصبح عضوا في حزب الليكود اليميني الحاكم، حليف المتدينين الأصوليين، مما أشعر العلمانيين الذين انتخبوه من أجل تمثيلهم بأن مرشحهم خذلهم.

وحين طلبت معدة الفيلم إجراء مقابلة مع نير بركات رد عليها "نشكر لكم التماسكم إجراء مقابلة صحفية معنا، للأسف ليس بوسع رئيس البلدية الاستجابة لطلبكم".

 لكنها لم تزل تبحث عن القَطر في مواقعه، حتى تم تنظيم ماراثون القدس الذي يشارك فيه، وهناك استطاعت أن تجري معه مقابلة تهرّب فيها من مباشرة الجواب، وقال لها إنه رئيس البلدية وإن عليه أن يفرض احترام القانون، وإن قرار إغلاق المتاجر كان تطبيقا للنص القانوني.

حين يستعصي على المتدينين اليهود تطبيق الضغوط على العلمانيين بالطرق البسيطة فإنهم يلجؤون إلى السياسة

نحو إغراء الساسة

يمثل المتدينون اليهود ثُمن المواطنين في إسرائيل، أي أنهم خزان انتخابي كبير شديد الإغراء للسياسيين الباحثين عن الأصوات، مما دفع الكثير من السياسيين إلى تقديم التنازلات تلو التنازلات لهؤلاء الحاخامات الذي يحركون هذا الكم من الأصوات.

ومن تلك التنازلات أن تم تسليم وزارة الشؤون الدينية إلى حاخام أصولي، وفي عهده أصبحت الوزارة تدير لأول مرة شؤون الزواج والطلاق، ومنذ ذلك الحين أصبح الطلاق أمرا شديد التعقيد على الإسرائيليات، لأن التشريع اليهودي يمنح حق التطليق للزوج وحده في محكمة دينية، فقد تنتظر المرأة سنين عددا حتى تحصل على الطلاق، وهو طلاق ذو مشقة ومنٍّ وأذى شديد من طرف الحاخامات، ورغم محاولات بعض البرلمانيات الإسهام في علاج الأمر، فإنها محاولات باءت بالفشل.

الكلمة العليا للمنهج اليهودي

قررت معدة الفيلم أن تصل إلى وزير الشؤون الدينية، وفي مقابلة أجرتها معه عن مضايقة النساء في أمر الزواج والطلاق قال إنه من السهل على النساء رمي المحاكم الدينية بتهم مردودة عليهن، فالمحاكم تؤدي عملها، وإسرائيل دولة يهودية، وعلى العلمانيات القبول بالتعاليم الدينية اليهودية، فالكلمة العليا في الدولة اليهودية هي لمنهج الحياة اليهودي.

ويختم الوزير مؤكدا أنه يتمنى بأن تكون إسرائيل دولة دينية، ويحلم بأن تكون ديمقراطيتها ذات حدود يحدها الدين، وهو حلم يعمل عليه ويروج له ويكافح من أجله حزبان أصوليان تم تأسيسهما لهذا الغرض خصيصا، هما حزب يهودت هتوراه وحزب شاس، وهما حزبان ممثلان بالحكومة ولهما 11% من مقاعد البرلمان.

يمثل المتدينون اليهود ثُمن المواطنين في إسرائيل

هروب باهظ الثمن

يقرر بعض الإسرائيليين المتدينين الخروج من ضيق التزمت إلى سعة العلمانية، ويبلغ عددهم في كل عام نحو 1300، ومن هؤلاء أفيفا ديفيد التي غادرت المجتمع الأصولي قبل ثلاثة أعوام بعد أن تخلصت من طليقها الذي لم تتزوجه عن حب وأنجبت منه ستة أطفال، لكنها بهروبها من عالم المتدينين دفعت الثمن غاليا، فقد منعها زوجها -بتزكية من المحكمة الدينية- من رؤية أطفالها الستة، ثم رماها بكل النقائص والمخالفات.

أصبحت أفيفا أكثر سعادة بعد خروجها من دائرة المتدينين، فهي سيدة عاملة صارت أخيرا تحب طعم الحياة وتواجهها بابتسامة رغم مرارتها ومشقتها بعد أن كانت منغلقة كثيرة الصمت، لكنها ترى أن أحوالها أصبحت أحسن، وأن حياتها أمست هنيئة ومختلفة عما سلف، رغم أنها حرمت رؤية فلذات كبدها الذين كانت تتراوح أعمارهم حين صدور الطلاق بين الثالثة والسادسة عشرة، كل هذا لأن تدينها رقيق في نظر المحكمة الدينية.

الشاردون

على خطا أفيفا ديفيد يسير العديد من الشباب سنويا، ويسمى أصحاب هذه الظاهرة بـ"الشاردون"، ولكونهم لا يفقهون شيئا عن الحياة خارج مجتمع التدين، فقد تم تأسيس جمعية تضمهم وتقدم العون لهم والإقامة والأطعمة والرعاية النفسية وحتى الملابس، وذلك تحدٍّ صعب في حياة من لم يعرف من الألوان والملابس غير المعاطف السوداء والقمصان البيضاء.

ومن هؤلاء الشبان اليهود الشاب يهودا كونوفنيتسكي الذي صور بهاتفه النقال مقطع فيديو يوم خروجه من مجتمع الأصوليين يبرر فيه موقفه، وقد أصبح بعد عدة شهور صاحب شقة خاصة يعيش فيها حياته، إلا أنه ما زال يرى في التفاعل مع الناس والانخراط في الحياة الاجتماعية تحديا كبيرا، لا سيما مع الجنس الآخر، فذلك أمر عسير جدا.

يقول يهودا صاحب النظرة الفاحصة الناقدة لمجتمع المتدينين الذي عاش فيه إن أسوأ ذكرى في حياته هي ذكرى زواجه، حيث زوجه الحاخام بامرأة لم يكن يعرفها ولا يعرف شيئا عن هويتها.

يقرر بعض الإسرائيليين المتدينين الخروج من ضيق التزمت إلى سعة العلمانية، ويبلغ عددهم في كل عام نحو 1300

مقاضاة الدولة

قرر هاربون آخرون من مجتمع التدين الأصولي الوصول إلى حد بعيد، حيث قامت مجموعة من الشاردين بمقاضاة الدولة لتخلّيها عنهم وتركهم فريسة لهذه الجماعة الطائفية التي تقوم بتعليمهم تعليما دينيا خالصا، ولعلمها بما يحدث في شبكة المدارس الموازية التابعة للأصوليين من إفساد للنظام الدراسي، حيث يقومون بشطب المقررات التي لا تتلاءم مع أغراضهم العقدية وفرض دروس دينية، بينما لا يتم تدريس المواد الأساسية لكسب لقمة العيش في المستقبل أصلا.

وينتظر أصحاب هذه القضية الكثير من هذه المحاكمة، كما يرجون بث الوعي بين الناس من أجل العناية بأجيال المستقبل الذي هم في طريقهم إلى نفس المصير، حيث يقدر حجم الأطفال المتدينين في الروضة بنسبة 60% من مجموع أطفال الروضة.

المسألة حساسة

حاول فريق الفيلم مقابلة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو من أجل الحوار معه بشأن مدارس الأصوليين، لكنه رفض، فاستقبلتهم نائبة رئيس البرلمان نوريت كورين على عجل في مكتبها لظروف صحية، والتي صادف أنها درست في مدارس أصولية في صباها، وقد صرحت بأن الحكومة تحاول إدراج المواد العلمية والإنسانية الأساسية، لكن الأصوليين يعارضون ذلك معارضة شديدة، والمسألة حساسة جدا، لأن المتدينين يعاملون معاملة حانية، وتبرم معهم الاتفاقيات ولا يُتعرض لهم.

وحين سألتها معدة الفيلم: كيف جاز أن يتم إبرام اتفاقات مع أحزاب دينية تعتبر القوانين الدينية أعلى شأنا من الديمقراطية في دولة ديمقراطية مثل إسرائيل؟ تهربت من السؤال قائلة "لم يعد بإمكاني قول المزيد، نقطة، رأس السطر".

المسألة حساسة إذن كما ترى نائبة رئيس البرلمان كورين، فثلث سكان إسرائيل سيصبحون من الأصوليين المتدينين بحلول عام 2059، فإسرائيل التي لم تزل مهددة في وجودها منذ نشأتها ومحاطة ببلدان الأعداء الألداء، هل ينتهي بها المطاف وقد نخر بنيانها حتى أشرف على التهاوي يهودٌ من أبنائها؟

قد ينال إعجابكم