أخبار

السودان.. تاريخ حافل بالانقلابات والثورات

خاص - الوثائقية

أعاد البيان الذي تلاه وزير الدفاع السوداني الفريق عوض بن عوف منتصف يوم الخميس 11 أبريل/نيسان 2019، عقارب الساعة السياسية للسودان إلى توقيت الانقلابات العسكرية

أعاد البيان الذي تلاه وزير الدفاع السوداني الفريق عوض بن عوف منتصف يوم الخميس 11 أبريل/نيسان 2019، عقارب الساعة السياسية للسودان إلى توقيت الانقلابات العسكرية.

تركزت أنظار العالم أكثر عقب هذا البلاغ الذي أعلن نهاية ثلاثة عقود طويلة من حكم عمر البشير، على التاريخ الطويل من الانقلابات العسكرية في السودان، وفترات الحكم العسكري التي يزخر بها سجل هذا البلد العربي الأفريقي.

"أعلن أنا وزير الدفاع رئيس اللجنة الأمنية العليا اقتلاع ذلك النظام والتحفظ على رأسه بعد اعتقاله في مكان آمن"، قالها بن عوف مقلبا مواجع السودانيين الذين اكتووا طويلا بنار الحكم العسكري الذي تسلّط على رقابهم بعد ثلاثة انقلابات عسكرية "ناجحة" منذ استقلال السودان عن الاستعمار البريطاني عام 1956، ضمن محاولات أخرى عديدة اعتبرت فاشلة.

غير أن ارتباط التاريخ السياسي للسودان بالانقلابات وفترات الحكم العسكري، يجد جزءا من تفسيره في حقائق جذورها ضاربة في عمق التاريخ. فإن كان المعروف أن الجيوش تؤسسها الدول القائمة لحماية حدودها والذود عن سيادتها، فإن ما حصل في السودان أن الجيش تأسس قبل نشوء الدولة المستقلة، وبالتالي تكاد تنطبق عليه مقولة "جيش له دولة" التي تطلق على بعض الأنظمة العربية.

 

السودان.. حكم مصري عثماني

قبل اجتياحه من طرف جيش القائد المصري العثماني محمد علي في العام 1821، كان السودان يخضع لسلطة دويلات صغيرة مستقلة عن بعضها البعض. كل "إمارة" كان لها سلطتها وجيشها المستقلان، تعمل عبرهما على فرض قوانينها ومد نفوذها نحو الإمارات المجاورة لها، وهو ما كان يؤدي إلى حروب شبه دائمة بين هذه الدويلات.

وبعد دخوله إلى السودان سعى محمد علي لبناء جيش كبير وقوي بالاعتماد على المماليك السودانيين، طامحا بذلك إلى تثبيت دعائم الدولة المصرية القوية التي كان ينوي فصلها عن سلطة الخليفة العثماني.

الحكم المصري العثماني للسودان اتسم بالاعتماد بشكل شبه مطلق على حكام عسكريين، تولوا فرض السلطة بالقوة والقمع، وهو ما كان يثير بعض التمردات والثورات. أبرز تلك الثورات هي تلك التي تعرف بـ"الثورة المهدية" التي قادها محمد أحمد بن عبد الله الملقب بـ"المهدي". نجح هذا الأخير في إسقاط السلطة المصرية العثمانية وإعلان انفصال السودان عنهما سنة 1885[1]، وهي الدولة التي استمر وجودها إلى غاية العام 1898.

لكنّ السلطة المصرية على السودان التي سقطت عام 1885 حين كانت مصر تابعة للخلافة العثمانية، سوف تعود قبل نهاية القرن الـ19، وتحديدا سنة 1898، لكنْ هذه المرة عبر مظلة عسكرية بريطانية للوجود المصري. فقد تمكن الهجوم البريطاني على السودان انطلاقا من مصر، من تدمير الدولة المهدية وإقامة سلطة جديدة، كانت بدورها عسكرية خالصة.

قبل اجتياحه من طرف جيش القائد المصري العثماني محمد علي في العام 1821، كان السودان يخضع لسلطة دويلات صغيرة مستقلة عن بعضها البعض. كل "إمارة" كان لها سلطتها وجيشها المستقلان

"جيش السودان" برعاية بريطانية مصرية

بعد نجاح الاجتياح الذي اعتمد على المكون المصري أساسا في العملية البرية، قامت بريطانيا بتأسيس جيش محلي بديل كي يتولى فرض الاستقرار داخل السودان، وذلك بهدف الحد من تنامي نفوذ النخب المصرية في السودان، وتقليل الكلفة الناجمة عن إدارة العسكريين المصريين للسودان الشاسع.

فقد كانت مصر في البداية "هي الشريك الاسمي في استعمار السودان، وباسمها سُيّر جيش مصري بقيادة "كتشنر"، أو "سردار الجيش المصري" كما كان يلقب آنذاك، لاستعادة السودان إلى سلطان مصر بعد أن انتزعته الثورة المهدية من قبضتها في العام 1885"[2].

في هذا السياق جرى إنشاء قوة الدفاع السودانية (The Sudan Defense Force-SDF) سنة 1925، وتشكلت هذه القوة العسكرية أساسا من العبيد الذين كانت بريطانيا تستقدمهم من المناطق البدوية والجبلية النائية، حيث يتم تدريبهم وتكليفهم بالمهام العسكرية الدنيا والمتوسطة. كانت بنية هذا الجيش السوداني الأول في القرن العشرين تعكس تراتبية دولية وإقليمية، حيث كان الضباط البريطانيون في القمة، يليهم الضباط المصريون، ثم يأتي بعدهم الضباط السودانيون المنحدرون من المناطق الوسطى والشمالية، بينما تُمنح الرتب الدنيا للقادمين من مناطق جبال النوبة ودارفور وجنوب السودان..[3].

وخلال الحرب العالمية الثانية، وعلى غرار جل المستعمرات الأوروبية في العالم، قاتلت "قوات الدفاع السودانية" إلى جانب بريطانيا ضد خصمها الألماني، وذلك في جبهات كبرى في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وهو ما خوّل هذه القوات اكتساب خبرة قتالية وعسكرية كبيرة، كما جعل السودان يبدو بعد حصوله على الاستقلال منتصف الخمسينيات البلد الوحيد في أفريقيا جنوب الصحراء الذي يتوفر فيه جيش وطني قوي وحديث. كما أبدى جيش السودان المستقل حرصا على الحياد والابتعاد عن الصراعات السياسية[4].

تركزت الصراعات التي مزّقت هذا البلد الأفريقي طيلة تلك الفترة، على مسألتين أساسيتين: إمكانية بناء دولة تتسع لجميع المواطنين، ثم النموذج التنموي الاقتصادي والاجتماعي

استقلال الانقلابات

كانت السودان منذ حصولها على الاستقلال سنة 1956 وإلى غاية إعلان انفصال السودان الجنوبي عام 2011، أكبر بلد أفريقي من حيث المساحة بأكثر من مليونين ونصف مليون كيلومتر مربع.

وقد تركزت الصراعات التي مزّقت هذا البلد الأفريقي طيلة تلك الفترة، على مسألتين أساسيتين: إمكانية بناء دولة تتسع لجميع المواطنين كيفما كانت انتماءاتهم الإثنية والدينية، ثم النموذج التنموي الاقتصادي والاجتماعي الذي من شأنه أن يجعل هذه الوحدة ممكنة[5].

يكاد تاريخ السودان ما بعد الحصول على الاستقلال منتصف الخمسينيات، يطابق كرونولوجيا طويلة من الانقلابات والمحاولات الانقلابية، لدرجة يصح معها تقسيم العقود الستة التي مرت من عمر السودان الحديث إلى ست حقب أساسية، ثلاث منها عبارة عن فترات حكم عسكري أعقبت انقلابات عسكرية ناجحة، وثلاث فترات قصيرة من الحكم المدني جاء أصحاب البزات العسكرية دائما لإنهائها[6].

 

انقلاب 1958.. فتح "الباب الدوار"

واجهت الحكومة السودانية الأولى بعد الاستقلال صعوبة التوفيق بين الشريكين السياسيين الأساسيين داخلها، أي كل من حزب الأمة والحزب الديمقراطي الشعبي، وهو ما انتهى بأول انقلاب عسكري في تاريخ السودان المستقل قاده إبراهيم عبود في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958، ليقيم حكما تربع على عرشه إلى غاية العام 1964.

برّر الفريق إبراهيم عبود إقدامه على انقلاب 1958 بتنفيذ أجندة سياسية لرئيس الحكومة عبد الله الخليل الذي قرر -حسب رواية عبود نفسه- التضحية بالمسار الديمقراطي للسودان لمنع تحالف سياسي كان وشيكا بين حليفه "الحزب الوطني الاتحادي" وحزب الشعب الديمقراطي المعارض.

”قبل أيام من استئناف البرلمان لأعماله، اتصل بي رئيس الوزراء عبد الله خليل وأخبرني أن الوضع السياسي يسير من سيئ إلى أسوأ، وأن أحداثا خطيرة ومهمة قد تنشأ نتيجة لهذا الوضع، ولا يوجد مخرج غير استلام الجيش للسلطة"، وفقا لإبراهيم عبود مبررا انقلاب 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1958[7]، ومتهما السياسيين بالوقوف وراء فتح ما يعرف بـ"الباب الدوار"، أي التناوب بين المدنيين والعسكريين على السلطة.

وتسجل وثائق التاريخ والتحليل السياسي أن الانقلاب الأول وجد بيئة ملائمة تمثلت في الصعوبات الاقتصادية وانخفاض احتياطي العملة الصعبة واشتداد الصراعات السياسية بين الأحزاب[8].

وحضر الهاجس الاقتصادي والتنموي بقوة في هذه الفترة العسكرية الأولى التي ارتبطت باسم عبود، حيث وضعت حكومته مخططا للتنمية في العقد الممتد بين 1960 و1970، وهو ما أثمر ارتفاعا في الإنتاج الزراعي بشكل كبير، كما ظهرت بعض مظاهر الرخاء النسبي في الحواضر من خلال ارتفاع عدد السكان..

لقد بدت السلطة السياسية التي حكمت السودان في فترة إبراهيم عبود حريصة على استلهام النموذج المصري، خاصة في الاقتصاد. فقد كانت سياسات الثورة الناصرية مغرية في حمل الجيش على التفاعل مع المجتمع والتحرك خارج الثكنات العسكرية، وهو ما انتهى بتأجيج غضب التيارات السياسية اليسارية التي كانت تنتشر في صفوف الشباب، وانتهى الأمر بإسقاط حكم إبراهيم عبود بثورة شعبية في أكتوبر/تشرين الأول 1964[9].

 

ثورة 1964.. عودة الديمقراطية

مساء يوم 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964، شهد حرم جامعة الخرطوم حادث مقتل طالب اسمه أحمد القرشي طه برصاص أحد عناصر الشرطة الذين جاؤوا لفض ندوة طلابية عن قضية جنوب السودان، وهو ما أشعل فتيل ثورة شعبية عارمة[10].

خمسة أيام فقط كانت كافية حينها لتتحول الخرطوم إلى ساحة أول ثورة ضد نظام عسكري عربي بعد الاستقلال.

وتنسب المصادر التاريخية شرارة الثورة تحديدا إلى بِشر الطيب عضو الحزب الوطني الاتحادي الذي ردّ على تدخل كل من حسن الترابي والصادق المهدي لثني مشيعي جثمان أحمد القرشي عن مواصلة الاحتجاج أثناء مراسيم الجنازة، وهتافه بعد قفزه إلى العربة التي كانت تحمل النعش "إلى الجحيم يا عبود، إلى الجحيم يا عساكر"[11].

انتهت ثورة 1964 بفترة جديدة من الحكم السياسي المدني والبرلمانات المنتخبة، لكن الصراعات السياسية الحادة بين الأحزاب أفضت إلى انقلاب عسكري جديد عام 1969 قاده ضباط يتقدمهم جعفر نميري في مايو/أيار من تلك السنة.

 

1969.. الانقلاب الثاني بتوقيع نميري

لم تكن عودة الحكم المدني إثر ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 مرادفا لإقامة سلطة ديمقراطية مستقرة وقادرة على تلبية مطالب السودانيين، بل إن الأطراف السياسية دخلت في حلقة جديدة من الصراعات العقيمة، خاصة أن أيا منها لم يكن قادرا على نيل أغلبية مريحة في الاستحقاقات الانتخابية التي كانت تنظم.

وكما كان الحال عشية انقلاب 1958، فإن الزحف العسكري الثاني نحو السلطة الذي جرى عام 1969 عبر مجموعة "الضباط الأحرار" بقيادة جعفر نميري، سبقته أجواء سياسية مأزومة عنوانها المؤامرات والتحالفات المتهافتة على السلطة.

"وجد مخططو الانقلاب أن محفزات الانقلاب السياسية والاجتماعية متوفرة، وأن الوقت ملائم لاستلام السلطة. ووضح بعد إعلان الحكومة أن توجه الانقلابيين السياسي يساري، فالغالبية العظمى من الوزراء الاثنين والعشرين الذين أعلنت أسماؤهم في صبيحة يوم الانقلاب إما شيوعيون أو رفقاؤهم، أو قوميون عرب، أو اشتراكيون"[12].

وخلافا لانقلاب 1958 الذي سارع اليساريون الشيوعيون حينها إلى إدانته، سارع "الرفاق" هذه المرة إلى تأييد التحرك العسكري، داعين إلى حمايته من "الثورة المضادة". لكن سرعان ما بدأت الخلافات تدب بين نميري ومؤيديه الشيوعيين.

كانت الخلافات بين نميري والحزب الشيوعي تشمل جوانب داخلية وأخرى خارجية، حيث كان الحزب يرفض سعي نميري للالتحاق باتحاد الجمهوريات العربية مع مصر وليبيا الذي أعلن في طرابلس في 27 ديسمبر/كانون الأول 1969، بينما رفض الحزب داخليا حل نفسه والانضمام إلى الحزب الاشتراكي.

خلاف امتدت خيوطه إلى داخل المؤسسة العسكرية، ليحدث تمرد عسكري جديد بعد عامين من الانقلاب، فقد قام ضباط يحملون الأفكار الشيوعية بانقلاب في يوليو/تموز 1971، معلنين عزمهم محاربة "الاستعمار الجديد" والقطع مع الموالاة للغرب التي اتهموا بها نظام نميري.

تمرّد لم يستمر سوى ثلاثة أيام، فقد تدخلت قوى دولية وإقليمية عديدة تتقدمها مصر السادات وليبيا القذافي وشركة بريطانية (Lonrho)، إلى جانب دعم داخلي لهذا التدخل قاده رجل أعمال سوداني اسمه خليل عثمان، وهو ما قضى على التمرد العسكري بسرعة قياسية[13].

عاد نميري إلى السلطة بعد القضاء على التمرد العسكري ضده، وفرض عقيدة جديدة في صفوف الجيش تتمثل في أداء القسم على الولاء للنظام بدل الأمة، كما أسس فروعا اقتصادية تابعة للجيش، محولا بذلك المؤسسة العسكرية إلى طبقة اجتماعية ذات مصالح تجعلها مضطرة للدفاع عن النظام القائم.

أصبح الجيش السوداني إثر ذلك المتحكم الأول في تزويد البلاد بالمواد الاستهلاكية، وارتبط بعلاقات مصالح متبادلة مع طبقة التجار، وانتهى بذلك العهد الذي كان يتم فيه إرضاء الفئات العسكرية المتمردة عبر امتيازات زراعية فقط[14].

ورغم حرص نميري على إنهاء بعض النزاعات الداخلية الكبرى التي كانت تطرح تحديات على حكمه مثل توصله إلى اتفاقات مع أحزاب المعارضة في الشمال، فإن غضب بعض كبار ضباط الجيش كان يتنامى ضده بفعل إمعانه في فرض دكتاتوريته وإطلاق يد الأجهزة الأمنية لقمع الأصوات المعارضة، وهو غضب واجهه نميري بالإمعان في تسلطه الأمني، حيث قام برفع مكانة قوات الأمن القومي (national security forces) بهدف جعلها درعا واقية للنظام ضد التمرد المحتمل للجيش. ولتجنب معارضة القوى السياسية المحافظة وذات الأفكار الدينية، قام نميري بطرح القوانين المستلهمة من الشريعة عام 1983.

تصدى الفريق عبد الرحمان محمد حسن سوار الذهب لعملية عزل النميري. وأصرعلى تنظيم الانتخابات في التاريخ الموعود، وكشفت نتائجها عن صعود غير مسبوق للإسلاميين

ثورة 1985.. القوس المدني الثالث

تعود العوامل التي أسقطت حكم نميري بعد 16 سنة من القبضة العسكرية والأمنية القوية إلى اشتعال جبهة الحرب في الجنوب عام 1983، فقد انخرطت القوات السودانية في حرب منهكة ضد المتمردين، مما أدى إلى تآكل ما تبقى من شعبية الرجل القوي في السودان حينها.

"بدأت الانتفاضة يوم 7 مارس/آذار 1985 بخروج عمال سكة حديد عطبرة في مظاهرات احتجاجية بسبب موجة الغلاء وارتفاع الأسعار، تبعتها مظاهرة طلابية خرجت من جامعة الخرطوم وصلت ذروتها يوم الثلاثاء 26 مارس/آذار"[15].

في اليوم الموالي تجددت المظاهرات مع انضمام فئات جديدة إليها، خاصة عمال المنطقة الصناعية للطلاب وأصحاب الحرف الصغيرة والعاطلين، والذين هاجموا مقرات الحزب الاشتراكي وحاصروا السفارة الأمريكية مرددين شعارات ضد صندوق النقد الدولي، نظرا للضائقة الاقتصادية التي فتحت أبواب السودان أمام التدخلات الأجنبية[16].

بعد انضمام فئات أخرى إلى العصيان المداني الشامل وسلسلة الإضرابات والمظاهرات، أقدم الجيش يوم 6 أبريل/نيسان 1985 على إعلان نهاية حكم نميري، وذلك استباقا لمسيرة دعا إليها قضاة ودبلوماسيون كان يفترض أن تجري في اليوم نفسه.

تصدى لعملية عزل نميري قائد عسكري كبير هو الفريق عبد الرحمان محمد حسن سوار الذهب. أعلن هذا الأخير تشكيل مجلس عسكري أعلى لإدارة المرحلة الانتقالية تحت رئاسته، وحدّد مدة هذه الفترة في سنة واحدة تجرى الانتخابات في نهايتها.

بعد عام واحد من عزل نميري، جرت الانتخابات التي أصر سوار الذهب على تنظيمها في التاريخ الموعود، وكشفت نتائجها عن صعود غير مسبوق للإسلاميين (الجبهة الإسلامية القومية)، حيث نالوا 51 مقعدا، واحتلوا المرتبة الثالثة بعد كل من الحزب الاتحادي (63 مقعدا) وحزب الأمة (100 مقعد)[17].

دخلت السودان مجددا في دوامة الحكومات المتوالية، على غرار مرحلتي 1956-1958، و1965-1969، وسرعان ما انتهى قوس الحكم المدني الثالث والأخير في التاريخ الحديث للسودان بفشل الأحزاب السياسية في إدارة لعبة ديمقراطية مستقرة، وأصبحت الطريق سالكة من جديد أمام الجيش للتدخل وحيازة السلطة.

 

1989.. انقلاب يتواصل 30 عاما

الإنذار الأول الذي وجهه الجيش للمدنيين تجسد في المذكرة التي أصدرها 150 من ضباط الجيش في بداية 1989، مطالبين الحكومة بإيقاف التدهور الاقتصادي وإنهاء حالة الانفلات الأمني وتوسيع التحالف الحكومي ليشمل جميع الأحزاب السياسية[18].

المذكرة العسكرية كانت بمثابة انطلاقة للعد العكسي، حيث سارعت الجبهة الإسلامية القومية للانسحاب من الحكومة، وتسارعت وتيرة تفكك الائتلاف الحكومي وممارسة الضغوط العسكرية، والتي انتهت بانقلاب 30 يونيو/حزيران 1989، والذي حمل عمر البشير إلى الحكم تحت غطاء سياسي قوامه التيار الإسلامي الذي يعتبره البعض أول تجربة لوصول الإسلاميين إلى السلطة عبر انقلاب عسكري.

"قلت للبشير اذهب للقصر رئيسا وسأذهب إلى السجن حبيسا"، عبارة مأثورة تنسب إلى الزعيم الإسلامي السوداني حسن الترابي، في مقابل حليفه عمر البشير، عشية تنفيذ انقلاب 1989 الذي أوصل أكثر الرؤساء تعميرا في حكم السودان منذ الاستقلال.

وصية يبدو أن العميد في الجيش السوداني عمر البشير نفذها بأمانة، حيث قام الانقلابيون عشية حلول ساع الصفر بحملة اعتقالات طالت قادة جميع الأحزاب السياسية بمن فيهم حسن الترابي زعيم الجبهة الإسلامية القومية.

ورغم أن الترابي سيعود في منتصف التسعينيات ليُنتخب رئيسا للبرلمان، في تقاسم هش للسلطة، فإن علاقة الرجلين آلت إلى الفرقة والشقاق في أغلب مراحل العقود الثلاثة الماضية.

المؤكد أن هيمنة المؤسسة العسكرية على مقاليد الحكم في السودان كانت له نتائج وخيمة على الأصعدة الاقتصادية والاجتماعية، كما يظهر اليوم في الوضع المأزوم الذي ساهم في تأجيج الغضب الشعبي، بل وحتى على المستوى السياسي، حيث خسرت البلاد سيادتها على نصفها الجنوبي، وباتت السلطة المركزية عاجزة عن تدبير التوافق الداخلي والحفاظ على الاستقرار.

ففي العقد الممتد بين 2000 و2010 مثلا، حقق السودان طفرة اقتصادية بفضل العائدات الكبيرة لصادرات النفط. "لكن الوجه الآخر لهذا النمو هو أن النفط أصبح يمثل أكثر من 95% من الصادرات، وحوالي 50% من عائدات الحكومة. ومع فقدان عائدات النفط إثر انفصال جنوب السودان عام 2011، تباطأ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي غير النفطي"[19].

لقد أطاح انقلاب 1989 الذي قاده عمر البشير بالحكم المدني الذي أقامته ثورة 1985، لكنه أسس نظاما هجينا يجمع تحالف فريدا من نوعه بين الجيش والإسلاميين، وبين إطلاق يد الطبقة الحاكمة. "صحيح أن تأثير الإسلاميين داخل الجيش (عام 1989) لم يكن هينا، لكنه بقي هشا. فقد خلق الانقلاب وضعية دقيقة، إذ تحرك الجيش باستعجال دفعه إليه حرصه على الإطاحة بحكومة الصادق المهدي، وتعطشه لاستعادة الامتيازات المادية والرمزية التي فقدها مع الإطاحة بجعفر نميري في مايو/أيار 2015"[20].

هناك من يذهب إلى أن الجيش السوداني لم يكن في يوم من الأيام حاكما فعليا للبلاد، وأن عمر البشير مجرد خادم للتيار الإسلامي

الجيش.. ضحية سطوته

هناك من يذهب إلى أن الجيش السوداني لم يكن في يوم من الأيام حاكما فعليا للبلاد، بقدر ما كان قادة عسكريون يُدفعون نحو شغل منصب الرئاسة خدمة لأجندة تيار من التيارات السياسية، فيصبح بذلك الجنرال عبّود ممثلا للطائفة الختمية، وهي إحدى الطرق الصوفية الأكثر انتشارا في السودان، والعقيد نميري مجرد ممثل للتيار اليساري الشيوعي القومي الذي هيمن في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بينما يصبح عمر البشير مجرد خادم للتيار الإسلامي الذي برز كأقوى تيار سياسي في السودان منذ نهاية الثمانينيات[21].

بل إن القائلين بمثل هذا الموقف يذهبون إلى أن المؤسسة العسكرية هي أكبر ضحية لتولي السلطة من طرف أحد المنتمين إلى صفوفها، لكون الاهتمام ينصرف إلى حسابات وصراعات سياسية وإدارية ليست من صميم المهام الأصيلة للجيوش، في مقابل إهمال الوظائف الأساسية من قبيل توجيه العقيدة العسكرية نحو خصوم الخارج والرفع من الاحترافية والروح المعنوية العالية ووحدة الصف.

المصادر: 

[6] https://arabic.sputniknews.com/arab_world/201904121040428078-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D8%AD%D8%AA%D8%AC%D8%A7%D8%AC%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A

[8] حسن الحاج علي أحمد، الانقلاب العسكري بمنزلة عملية سياسية: الجيش والسلطة في السودان، مجلة سياسات عربية، العدد 24

[10] :"السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

[11] "السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر:

https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

[12] "الانقلابات العسكرية في السودان، الأسباب والدوافع"، حسن الحاج علي، جامعة الخرطوم:

http://tanweer.sd/159

[15] "السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر:

https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

[16] "السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر:

https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

[17] "السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر:

https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

[18] "السودان تاريخ مضطرب ومستقبل غامض"، عمرو عمر:

https://www.academia.edu/35193634/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D...

قد ينال إعجابكم