أخبار

المغرب والأردن.. آخر حصون القدس في وجه إملاءات خليجية

خاص-الوثائقية

موقف المملكتان العَلَوية والهاشمية يرفض الانسياق لمنطق الإملاءات الذي تحاول بعض الدول العربية فرضه تمهيدا لما يعرف بصفقة القرن

في خلفية جلسة العمل الرسمية التي جمعتهما بالقصر الملكي بالدار البيضاء نهاية مارس/آذار 2019، كانت شجرة النسب التي تصل الملك المغربي محمد السادس بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم بارزة لتضفي طابعا عائليا على لقاء الملكين.

فالضيف هذه المرة لم يكن سوى عبد الله الثاني سليل آل هاشم الجد الأكبر للنبي محمد صلى الله عليه وسلم من قبيلة بني كنانة التي تنحدر بدورها من النبي إسماعيل ابن النبي إبراهيم.

خط اتصال جديد بين النسب الملكي والتشبث بالقضية المقدسية سوف يُرسم مباشرة بعد هذا اللقاء "العائلي"، وذلك بإصدار الملكين بيانا مشتركا يرفض أي تفريط في الحقوق الفلسطينية والعربية في مدينة القدس. وهو موقف ربطته المملكتان العَلَوية والهاشمية بجهر نادر من نوعه برفضهما الانسياق لمنطق الإملاءات الذي تحاول بعض الدول العربية فرضه تمهيدا لما يعرف بصفقة القرن.


هناك توجّس مشترك بين مملكتي العلويين والهاشميين من "النيران الصديقة" القادمة من بلاد الحرمين، والساعية إلى سحب بساط الوصاية التاريخية على القدس من "حفيدي" النبي صلى الله عليه وسلم

نيران صديقة

خلفية المشهد لم يتضمن شجرة النسب العائلي لملك المغرب فقط، بل هيمنت عليه في الحقيقة مشاعر التوجّس المشترك بين مملكتي العلويين والهاشميين من هذه "النيران الصديقة" القادمة من بلاد الحرمين، والساعية إلى سحب بساط الوصاية التاريخية على الجزء الأكثر قداسة من فلسطين من "حفيدي" النبي صلى الله عليه وسلم.

لا يتعلق الأمر بتكتيكات سياسية بقدر ما هي حقوق ضاربة في عمق التاريخ. ففي سنة 1975 صادقت القمة السادسة لمنظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت بمدينة جدة على تأسيس لجنة القدس، وأسندت رئاستها الدائمة إلى ملك المغرب (الحسن الثاني حينها).

أما الدور الأردني في المدينة المقدسة فيعود إلى بدايات القرن العشرين، فبعد تأسيس إمارة شرق الأردن عام 1921 بقيادة عبد الله بن حسين، وكانت لا تزال تحت سلطة الانتداب البريطاني مع منحها حكما ذاتيا؛ آلت الوصاية على الأماكن المقدسة في القدس عام 1924 للشريف حسين بن علي قائد الثورة العربية الكبرى والمدفون في الحرم القدسي[1]. وهو وضعٌ قانوني جرى تجديد دمائه عام 2013 بتوقيع اتفاقية بين العاهل الأردني ورئيس السلطة الفلسطينية.


الملك المغربي الراحل الحسن الثاني: إن سقوط القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 كان نكسة أردنية تردد دويّها في القصر العلوي بالرباط

مثلث القداسة

مثلث الرباط وعمّان والقدس لم يولد أواخر مارس/آذار الماضي (2019)، بل تعود جذوره إلى تاريخ قديم، حيث نقرأ في مذكرات الملك المغربي الراحل الحسن الثاني والتي ضمّنها حوارا مطولا مع الصحافي الفرنسي إيريك لوران، كيف أن سقوط القدس تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 كان نكسة أردنية تردد دويّها في القصر العلوي بالرباط.

"لقد كانت تلك الحرب نكبة حقيقية، والأدهى والأمر هو دخول الأردن الحرب مما جعلنا نفقد القدس. وهل تعلمون لماذا خاض الملك حسين غمار الحرب؟ لقد خاضها بعدما اتصل به جمال عبد الناصر هاتفيا وقال له: ماذا تنتظر؟ تعال لتشاركنا إننا منتصرون" وفقا للعاهل المغربي الراحل، مضيفا أنه "لا ينبغي أبدا أن نتحامل على أولئك الذين انخدعوا. ماذا يمكن أن يُقال لرجل شاحب الوجه بدأ شَعره فجأة يشتعل شيبا. لقد ضاع منه نصف بلده، وضاعت منه القدس حيث ثالث الحرمين. إن الخطأ لم يكن خطأه"[2].

الملك المغربي الراحل يزيد في مذكراته متحدثا عن علاقته بوالد العاهل الأردني الحالي قائلا "منذ أن تعارفنا أنا والملك حسين وكلانا يخاطب الآخر بصيغة المفرد، ويكن كل واحد منا للآخر مشاعر مودة ومحبة عميقة".

مودة تتجسد حسب الرواية نفسها في وقائع كثيرة، منها تلك التي تدخّل فيها الملك المغربي الراحل لدى نظيره الأردني لطلب الإفراج عن القائد الفلسطيني الراحل أبو إياد الفلسطيني.

صلاح خلف اسمه الحركي أبو إياد وهو سياسي فلسطيني بارز من مؤسسي حركة فتح وقد أشيع أنه زعيم منظمة أيلول الأسود

وهذا الأخير كان قد اعتقل من طرف السلطات الأردنية في ما يعرف بأحداث "أيلول الأسود" عام 1970. "قلت له: سأوفد إليك مبعوثا، وسألني: لأي غرض، فأجبته: سترى، ولكن اصغ إليه بإمعان. إنني لا يمكنني أن أطلب من الملك حسين تبرئة أبو إياد، لقد كان الأمر مستحيلا. كما أنني لم أستعمل مع الملك حسين حججا سياسية"، يضيف الحسن الثاني في مذكراته.

لدى استقبال الملك حسين مبعوث الحسن الثاني، "توجه إليه المبعوث بالقول: صاحب الجلالة، إن ملفكم غير قابل بتاتا للطعن، إن لكم الحق في شنق أبو إياد في أية لحظة. بيد أن صاحب الجلالة الحسن الثاني يعتقد أن عليكم أن تنظروا إلى المشكل من زاوية أخرى. لقد كان جدكم وجد جلالته رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوة في الصفح. وهذه المبادرة تنم عن سماحة أصيلة، وفرصة سانحة لتؤكدوا أنكم من سلالة رسول الله". وهكذا أفرج عنه الملك حسين، وشاءت الأقدار أن يلتقيا مرات عديدة بعد ذلك. كما كان أبو إياد يربط علاقات وطيدة ومطبوعة بالإخلاص مع مصالح المخابرات الفرنسية"[3].


الملك محمد السادس والملك عبد الله الثاني

محور جديد قديم

مساء يوم 28 مارس/آذار الأخير كانت صفحة جديدة في العلاقات المغربية الأردنية تُفتح. عاهلا البلدين يصدران بيانا مشتركا يرفض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ويقرران "الارتقاء بعلاقات الأخوة والتعاون بين البلدين إلى مستوى شراكة إستراتيجية متعددة الجوانب".

أشار ذلك البيان الصادر بعد لقاء الملكين إلى أن "زيارة صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين للمغرب تأتي تأكيدا للوشائج الموصولة والمودة الصادقة التي تربط العاهلين الكريمين، وتجسيدا لنهج التشاور المستمر والتنسيق الدائم بينهما، وترسيخا لقيم التضامن الفاعل بين المملكتين الشقيقتين".

المملكتان العلوية والهاشمية المرتبطتان بمبادلات اقتصادية ضعيفة، قررتا مدّ يد الاستثمار المشترك لبعضهما البعض، وفتح خط جوي مباشر بين المملكتين، باعتبار "الرهان الاقتصادي يظل مطروحا لتنويع روافد هذا التعاون بين البلدين، خاصة أنهما يتوفران على موقعين إستراتيجيين ينبغي استثمارهما والاستفادة منهما كبوابتين للأسواق الخارجية خاصة في تسهيل ولوج الأردن إلى الأسواق الأفريقية ودخول المغرب إلى أسواق المشرق العربي".


 

 

الرياض/أبو ظبي.. تهديد مشترك

الأمر أكثر من مجرد تنسيق مرحلي للمواقف، بل يأتي بعد مرور كل من المملكتين بمرحلة عصيبة في علاقتهما بالحلفاء التقليديين في الخليج العربي، مملكة آل سعود وإمارات آل زايد.

"السياسة الخارجية هي مسألة سيادة بالنسبة للمغرب، والتنسيق مع دول الخليج -وخاصة المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة- يجب أن يكون وفق رغبة من الجانبين"، كما يقول وزير الخارجية المغربي في ندوته المشتركة مع نظيره الأردني.

وفي الخلفية شهور طويلة من التوتر الصامت في علاقات الرباط بكل من الرياض وأبو ظبي، فما أن هدأ هذا التوتر حتى عاد مع زيارة[4] المشير الليبي خليفة حفتر إلى الرياض يوم 27 مارس/آذار وتَلقّيه الضوء الأخضر للزحف على العاصمة الليبية طرابلس عقب لقائه كلا من العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده؛ ليتفجّر الغضب المغربي.

فالمجال الليبي الذي يعتبر جزءا من منطقة المغرب العربي يُعد منطقة حيوية بالنسبة للمغرب، والمرجع الأول للمنتظم الدولي في مساعيه لإنهاء الانقسام الداخلي في ليبيا هو اتفاقية وقّعت بمدينة "الصخيرات" المغربية يوم 11 يوليو/تموز 2015. وتنص الاتفاقية على تشكيل حكومة وحدة وطنية توافقية، واعتبار برلمان طبرق الهيئة التشريعية، وتأسيس مجلس أعلى للدولة، ولا تنص على بسط سيطرة أي طرف بالقوة العسكرية.


التّماس المباشر بين مخططات محور الرياض/أبو ظبي والمصالح الحيوية للمغرب، لا ينفصل عن الترتيبات الإقليمية الشاملة التي تصب جميعها في "صفقة القرن" المنتظر إعلانها قريبا

السر.. صفقة القرن

هذا التّماس المباشر بين مخططات محور الرياض/أبو ظبي والمصالح الحيوية للمغرب، لا ينفصل عن الترتيبات الإقليمية الشاملة التي تصب جميعها في "صفقة القرن" المنتظر إعلانها قريبا. فبشكل متزامن مع التطورات الأخيرة، كان المغرب عرضة لضغوط أمريكية إسرائيلية كبيرة لحمله على القيام بخطوة تطبيعية تُدخله مربع الصفقة المنتظرة.

وقد روّجت الصحف الإسرائيلية المقربة من نتنياهو منذ بداية 2019 لمشروع زيارة رسمية قالت إن رئيس وزراء الدولة العبرية سيقوم بها إلى المغرب بضغط ورعاية أمريكية[5]، وعندما لم تتحقق الزيارة بات جاريد كوشنير صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعقل المدبر لـ"صفقة القرن"، هو من يطرق أبواب المغرب.

وكان موقع منظمة كليفلاند لأخبار اليهود (cleveland Jewish news) قد أعلن قبل أيام أن جولة كوشنر ستشمل دولا عربية من بينها المغرب[6]، وهو ما انحنت له الرباط بصمت ولم تستقبل لا نتنياهو ولا كوشنر.

وعندما توجه وزير الخارجية المغربي إلى واشنطن لحضور لقاء للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة الإسلامية بداية فبراير/شباط 2019، كان وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو ينتهز فرصة لقائه ليدعوه رسميا إلى مؤتمر "وارسو" الذي نظمته واشنطن بدعوى مواجهة التهديدات الإيرانية، وجعله فرصة لجلوس نتنياهو إلى ممثلي الدول العربية[7].

المغرب -وفي سياق ضغوط أمريكية وتشنج في علاقاته مع الرياض- حضر مؤتمر وارسو، مع تخفيضه مستوى تمثيله فيه إلى مستوى الوزير المنتدب في الخارجية المكلف بالتعاون الأفريقي[8].

 

 

أما الأردن فجاءت شكواها من السعودية صريحة وواضحة على لسان عاهلها عبد الله الثاني. فقبل أسبوع واحد من توجهه إلى المغرب، تحدث الملك الأردني عبد الله الثاني بصراحة غير مسبوقة أمام شعبه عن الضغوط التي يتعرض لها شخصيا، إضافة إلى تلك التي تُمارس على بلاده بسبب موقفه من القدس، ورفضه تصفية القضية الفلسطينية[9].

وبنبرة حازمة تحدث الملك خلال زيارته مدينة الزرقاء (شرق العاصمة الأردنية) يوم 20 مارس/آذار 2019 ولقائه عددا كبيرا من وجهاء المدينة وأعيانها؛ عن القدس والأقصى والمواقف الأردنية حيالهما، وكشف الملك عن ضغوط يتعرض لها الأردن، ويتعرض لها هو شخصيا، قائلا "في ضغط على الأردن؟! نعم في ضغط على الأردن (..) في ضغط عليّ من الخارج. نعم صحيح هنالك ضغط يمارس عليّ، لكن بالنسبة لي القدس خط أحمر، وأنا أعلم جيدا أن شعبي معي، والذين يريدون التأثير علينا لن ينجحوا".


كلٌ من عمّان والرباط تلقّتا في العام 2011 دعوة سعودية رسمية ومباشرة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، لتغلَق الدائرة اليوم بإعلان المملكتين رفض الإملاءات السعودية

الدعوة لعضوية الخليج

هذا الخروج المشترك للملكين المغربي والأردني للجهر برفض أخطر ما يلوّح به مهندسو "صفقة القرن"، أي التنازل عن القدس لإسرائيل، يرسم خطا آخر لكنه دائري هذه المرة، بين لحظة انطلاق ثورات الربيع العربي وبين مارس/آذار 2019.

فكلٌ من عمّان والرباط تلقّتا في العام 2011 دعوة سعودية رسمية ومباشرة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، لتغلَق الدائرة اليوم بإعلان المملكتين رفض الإملاءات السعودية وتلويحهما بالبحث عن "بدائل".

وكان المغرب والأردن استقبلا دعوة صادرة من قادة دول الخليج عقب اجتماعهم يوم 10 مايو/أيار 2011 للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وهي الدعوة التي رحّبت بها المملكتان بقدر غير يسير من الحذر والاحتياط، مما جعلها تتحوّل إلى "شراكة إستراتيجية" قوامها دعم مالي خليجي إلى الدولتين، سرعان ما تحول صرفه إلى مشكلة مزمنة.

البيانات التي نشرتها الخزانة العامة المغربية منتصف 2017 كشفت كيف أن المغرب حصل من دول الخليج على مساعدات في حدود 35 مليون دولار فقط في شهر أبريل/نيسان مقابل 157 مليون دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، أي بنسبة انخفاض بلغت نحو78%[10].

وقد استقبلت الرباط الدعوة للانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي باهتمام كبير، مع التذكير بتمسكها غير القابل للتراجع ببناء اتحاد المغرب العربي. فطلب انضمام المغرب قد يكون هدفه تقوية الترسانة الردعية البرية لدول الخليج تحسبا لأي تحالف محتمل بين إيران والعراق الذي سيسمح لطهران بتعويض ضعفها البري.

الدعم العسكري المغربي قد يكون مطلوبا من جانب السعودية في حال انفلات الوضع الداخلي لليمن وتجاوزه الحدود بين البلدين، أي أن الرياض ستكون في حاجة إلى تأمين حدودها البرية[11].

من الناحية الدبلوماسية، فإن مجلس التعاون الخليجي -وتحديدا السعودية- سعى إلى تعويض الفراغ الناجم عن خسارة الحليف المصري المتمثل في حسني مبارك الذي أسقطته ثورة الربيع العربي، وذلك عبر دمج كل من المغرب والأردن في لعبة إعادة تموقع جيوسياسية مفتوحة.

وأكثر من ذلك، فإن هذه اللعبة قد يكون هدفها الأصلي في سياق تلك الأحداث هو رفع مكانة مجلس التعاون الخليجي داخل جامعة الدول العربية، في مواجهة الجمهوريات الديمقراطية المستقبلية في تونس ومصر، ومواجهة النفوذ الإيراني والعراقي في كل من لبنان وسوريا[12].


هناك أوجه أخرى للتشابه بين المملكتين، منها أن كلا الملكين محمد السادس وعبد الله الثاني وصلا إلى الحكم سنة 1999 خلفا لوالديهما، وكلاهما ورث قدرا من الشرعية الدينية والتاريخية

متشابهان رغم البعد

خصائص كثيرة اجتمعت لتجعل كلا من المغرب والأردن يقطعان المسار الدائري نفسه بين 2011 و2019، أي الانتقال من استقبال دعوة رسمية بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي وتحول ذلك إلى شراكة إستراتيجية، إلى إعلان رفض الإملاءات والبحث عن بدائل جديدة.

فالاحتجاجات الشعبية في المملكتين كانت عموما أصغر حجما مقارنة بباقي بلدان الربيع العربي، وحتى المطالب التي رفعت خلال تلك الاحتجاجات تمثلت في إصلاحات سياسية ولم تصل إلى درجة المطالبة بإسقاط النظام، كما أن العنف خلال تلك الاحتجاجات بقي محدودا[13].

وعلاوة على ذلك، هناك أوجه أخرى للتشابه بين المملكتين، منها أن كلا الملكين محمد السادس وعبد الله الثاني وصلا إلى الحكم سنة 1999 خلفا لوالديهما، وكلاهما ورث قدرا من الشرعية الدينية والتاريخية.

وبعد اندلاع ثورات الربيع العربي، نظمت المملكتان معا انتخابات جديدة، وشهدا معا صعود أحزاب إسلامية. كما أن البلدين معا ينخرطان في سياسة اقتصادية توصف بالليبرالية، ويشكوان معا من ارتفاع في معدلات البطالة خاصة في صفوف الشباب.


مساء يوم 28 مارس/آذار الأخير كانت صفحة جديدة في العلاقات المغربية الأردنية تُفتح. عاهلا البلدين يصدران بيانا مشتركا يرفض قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل

الإصلاح عوضا عن الثورة المضادة

منتصف شهر مايو/أيار 2017، خصّت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية كلا من المغرب والأردن بمقال تحليلي تطرّقت فيه للأسباب التي تجعل البلدين متميزين مقارنة بباقي الملكيات العربية.

فـ"من بين ثماني ملكيات مهيمنة في منطقة الشرق الأوسط، تعتبر الأردن والمغرب متفردتين"، وفقا للصحيفة الواسعة الانتشار، مضيفة أن الملكيتين تتميزان بكونهما تتوفران على برلمانين منذ عقود، كما سمحتا بوجود معارضة شرعية ومجتمع مدني نشيط[14].

وقالت الصحيفة الأمريكية ذات الانتشار والمصداقية الواسعين إنه "وخلال الربيع العربي، ردت الأردن والمغرب على المظاهرات الشعبية عبر الإصلاحات أكثر من القمع. وبالنسبة لبعض المراقبين، يعتبر البلدان واحتين للاستقرار والتنوير، ويعكسان بسياستيهما المسار نفسه الذي قطعته أوروبا نحو الملكية الدستورية".

هذه الخصائص التي أبرزتها "واشنطن بوست" يعتبرها البعض من مميزات الملكيات العربية عموما مقارنة بالجمهوريات، وجل الدراسات والتحليلات التي تناولت هذا الفَرق الكبير بين الملكيات والجمهوريات العربية في علاقتها بالربيع العربي، تُجمع على العاملين الثقافي والمؤسساتي في تفسير "استثناء" الأنظمة الوراثية من موجة الثورات.

و"يتجسد العامل الثقافي في كون الملكيات العربية تتمتع بشرعيات دينية وقبلية تقليدية، مما يوفر لها مصدر دعم شعبي متواصل. أما العنصر المؤسساتي فيتمثل في أن تموقع الملوك فوق التدبير السياسي اليومي يجعلهم قادرين على التدخل وإجراء الإصلاحات التي تنزع فتيل الغضب الشعبي"[15].

ويبرز التحكم في العنصر المؤسساتي أكثر في حالة الملكيتين المغربية والأردنية، حيث ينجح نظاماهما السياسيان دائما في التفوق على المعارضة من خلال خطوات انفتاح محدودة.

ويعمد الملوك بطبعهم إلى مواجهة الاحتجاجات بالإصلاحات بهدف ضمان بقاء حكمهم، وهذا ما يفسر جزئيا مبادرة كل من الملكين المغربي والأردني إلى مواجهة الاحتجاجات الشعبية للربيع العربي بخطوات إصلاحية ليبرالية، وهي الخطوات التي لبّت بعضا من المطالب.

ففي أواسط 2011 قدّم كل من الملكين محمد السادس وعبد الله الثاني إصلاحات دستورية للشعب، وشكلا حكومتين جديدتين، ووعدا بتنظيم انتخابات لتجديد البرلمانين في البلدين.

التحليل الذي قامت به "واشنطن بوست" للخصائص المميزة للمغرب والأردن، خلص إلى أن المملكتين تبدوان في صورة أفضل فقط لأن محيطيهما الإقليمي أسوأ، "فهما تحسنان التعامل مع المخاوف الغربية تجاه حقوق الإنسان وتبتكران طرقا جديدة للحفاظ على السلطة"[16].

هذا التشابه بين الملكيتين المغربية والأردنية ليس وليد لحظة الربيع العربي، بل تعود جذوره إلى السنوات الأولى بعد الحصول على الاستقلال. فالمغرب اعتمد منذ الستينيات سياسة الريع الاقتصادي ووظف نداءات الوطنيين لتشكيل طبقة وطنية من رجال الأعمال والنخب الفلاحية والسلطات الدينية.

وفي الأردن أيضا عمد الهاشميون إلى توسيع القطاع العام ليحتضن الأقليات القبلية والمسيحية والعديد من المكونات المستقرة في الأردن نهاية الخمسينيات، ثم حصل رجال الأعمال الفلسطينيون على امتيازات اقتصادية مقابل خضوعهم للسلطة الملكية.

وفي الوقت الذي لجأت بعض الدول العربية الغنية إلى "شراء" استقرارها عبر صرف منح استثنائية خلال الربيع العربي كما وقع في السعودية والكويت والجزائر.. لم يكن أمام المغرب والأردن من خيار آخر سوى تقديم عروض إصلاحية سياسية لعدم استطاعتها تحمل ديون مالية إضافية[17].


المصادر:

[2] "ذاكرة ملك"، الحسن الثاني، الشركة السعودية للأبحاث والنشر.

[3] "ذاكرة ملك"، الحسن الثاني، الشركة السعودية للأبحاث والنشر.

[15] "resilient royals: how arab monarchies hang on", Sean L. Yom and F. Gregory Gause III, Journal of democraty, october 2012 , volume23 ; number 4

[17] resilient royals: how arab monarchies hang on", Sean L. Yom and F. Gregory Gause III, Journal of democraty, october 2012 , volume23 ; number 4

قد ينال إعجابكم