بورتريه

 "بلموندو" .. ألف حياة أفضل من واحدة

جان بول بلموندو
 
ندى الأزهري - باريس
 
في إشارة إلى " بشاعته"، قال أحد اساتذته في المعهد العالي للفنون المسرحية يوما" مع شكله هذا، لن يستطيع أبدا أن يحتضن امرأة، لن يكون ذلك مقنعا"! لكن هذا " الرائع" و " المحترف" و" الأزعر الحنون" و" رجل ريو" و" العقل" المدبر و"الطفل المدلل" و"المنعزل"...احتضن عشرات الجميلات في أفلامه وخارجها، وكذّب "بييرو المجنون" بكل جدارة نبوءة أستاذه، وخفقت له قلوب النساء ومعها كل الجماهير التي أقنعها فعشقته ونصّبته على عرش نجوم فرنسا الأكثر شعبية منذ أكثر من نصف قرن.
 
"جان بول بلموندو"  Jean-Paul Belmondo .. هذا الولد الشقي صاحب العضلات محطّم الزجاج والوجوه ومعها قلوب النساء أيضا، يتذكر اليوم وهو في الثالثة والثمانين من العمر  بداياته، نساء حياته، أولاده، صداقاته في الوسط الفني لاسيما مع آلان ديلون وجان بيار مارييل في كتاب " ألف حياة أفضل من واحدة".
 
مسيرة حياة " استثنائية" في الفن السابع وعلى خشبات المسارح الفرنسية ستنشرها دار فايارد في السابع من نوفمبر الحالي كتبها بلموندو بذاته، هو الذي طالما رفض تسجيل سيرة حياته أو إملاء مذكراته على أحد، هو الذي لا يحب النظر أبدا نحو الخلف ولا يفكر بالماضي،  هو هذا النجم الكبير في السينما الفرنسية الذي لطالما حذر الصحافة وكان بخيلا بالإفصاح عن مكنوناته وعن حياته الشخصية حاله كحال النجم آلان ديلون.. ها هو "بيبيل"، كما يطلق عليه محبوه وما أكثرهم،  يعطي في حوار مع مجلة "لوبوانت" الفرنسية سبب قراره كتابة سيرته ونشرها " كتب بعضهم سيرتي، وكان يجب أن أفعل هذا يوما، أن أقدم نسختي الخاصة، فمن ست وخمسين سنة يُطلب مني أن أروي حياتي..".
ماضي هذه الأسطورة الحية للفن السابع حافل بالأيام السعيدة. كان من صغره شقيا مرحا، ولم يثنه الفشل ولا البداية الصعبة في الفن عن الاستمرار، ولكم يجسد مشهد من أفلامه مدى حبه للحياة واستمتاعه بها وتفاؤله الذي تعكسه ابتسامة لا تفارق وجهه إذ يقول وهو يقود سيارة مكشوفة "إذا كنتم لا تحبون البحر، لا تحبون الجبال، لا تحبون المدينة...فاذهبوا إلى الجحيم!". 
 
الصديقان اللدودان .. جان وآلان ديلون
 
الجميل والقبيح
لم يصادفه النجاح فورا وحتى دخوله لدراسة الفن لم تكن ميسرة، إذ فشل في مسابقات الانتساب للمعهد قبل أن ينجح أخيرا نهاية عام 1952 ليبدأ الدراسة وليلتقي بزملاء بقي مخلصا لصداقتهم حتى اليوم مثل جان روشفور وجان بيار مارييل. لكن أساتذته لم يأخذوه على محمل الجد كما أن بداياته في المسرح والسينما كانت فاشلة وذلك حتى ظهوره عام 1958 بدور في" كوني جميلة واصمتي" لمارك أليغر الذي كان بدايته الحقيقية.
أول لقاء له مع آلان ديلون كان في هذ الفيلم لتبدأ بينهما منافسة أشعلتها الصحافة وبالغت في تقديرها، فصحيح أن تنافسهما على الأدوار كان موجودا لكن ليس للدرجة التي وصفها الإعلام وكما يقول بلموندو "الصحافة ذهبت بعيدا جدا في هذا المجال إذ كان لكل منا مكان كاف". كانا الصديقين اللدودين في شبابهما لكنهما اليوم رفيقان قريبان جدا ونجمان لكل منهما مكانته الخاصة في السينما الفرنسية. 
 
كذلك كانت لكل منهما شخصيته المختلفة. بلموندو عاش طفولة سعيدة ومليئة بالحب في عائلته البرجوازية الفنية فوالده كان نحاتا معروفا ووالدته رسامة، وهذا على العكس تماما من طفولة منافسه وصديقه ديلون التي كانت حزينة فقيرة قاسية عانى فيها من الوحدة. هو يضحك ويمزح طوال الوقت ولا يحتاج لفترة تركيز قبل تصوير اللقطات فالهرج والمزاح طريقتاه لتحضير الدور "هذه شخصيتي - كما يعلّق - وليس بمقدوري فعل شيء. إذ لكل طريقته" قاصدا بكلامه هذا ديلون دائم التقطيب والتركيز قبل أداء المشاهد. 
 
 
بين الموجة الجديدة والأفلام الشعبية
جاءت أدواره الأسطورية مع غودار فمنه تعلم حب السينما كما صرّح. اختاره غودار نهاية الخمسينات لبطولة "في الرمق الأخير" أيقونة الموجة الجديدة الفرنسية ليقف أمام جين سيبرغ الجميلة التي تقع في هواه هو اللص الشقي.
 كما مثّل تحت إدارته "بييرو المجنون" الذي نال جائزة النقاد في البندقية 1965 وتابع نجاحاته ووصل إلى القمة في السبعينات وعمل مع مخرجين متنوعين مثل: رينيه وجان بيار ميلفيل وفيليب دو بروكا "رجل الريو" 1964 وكلود سوتيه وفيتوريو دو سيكا. وبفضل وجهه الآخاذ وسحره الذي لا يقاوم وحيويته الاستثنائية مثّل في كل أنواع الأفلام ومنها أفلام كثيرة للجمهور العريض. ومال إلى البطولات التي تفضل القوة الجسدية وتصوير المشاهد الخطرة بنفسه وتسديد اللكمات بقبضته هو الذي مارس الملاكمة وأحبّ الرياضة حين كان يافعا.
 
بيد أن أدوار المغامرات والكوميديا طغت على اختياراته وصُنف كبطل لهذه النوعية فانحصر في أدوار اللص أو الشرطي وباتت أفلامه التجارية مثار هجوم النقاد عليه، لكن الجمهور لم يتأثر بآراء هؤلاء وبقي مخلصا لبطله وحققت أفلامه إيرادات ضخمة. تأثر بلموندو بعد أن خيّب آمال النقاد ولكنه أعلن فخره لكونه نجما شعبيا وقال "لا أستخف بتقدير الجمهور العريض". 
 
لكن هذا الجمهور ابتعد عنه عام 1987 مع فيلمه "المنفرد" لجاك دوريه فكان أول فشل تجاري وأول مرة يلقى فيها فيلم له أقل من مليون مشاهد ما دعاه للقول "كان الفيلم البوليسي الزائد، كنت شخصيا قد سئمت وكذلك كان الجمهور".
إنما أعاده فيلم لكلود لولوش إلى الواجهة، على الأقل مع النقاد، فكان "سيرة طفل مدلل" 1989 الذي نال عنه جائزة السيزار الفرنسية لأفضل ممثل. وفيه يجسد دورا بعيدا عن أدوراه النمطية. ابتعد بعدها عن السينما لإصابته بجلطة دماغية عام 2001 ثم عاد عام 2009 في "رجل وكلبه" وهو دراما عن رجل يجد نفسه مرميا في الشارع فجأة مع كلبه.
 
 
فرنسا الجميلة
بخلاف زملائه لايعبر بلموندو عن آرائه السياسية للجمهور. لقد اكتفى مرة بالقول "الجنرال ديغول هو الرجل السياسي الوحيد الذي ترك أثرا لدي". وهو يحن إلى فرنسا "القديمة" التي عرفها" أكثر بهجة"، ويقول عنها "كنا خارجين لتونا من الحرب، كانت الخفة تطبع أجواءنا وكذلك بهجة نيل الحرية. اليوم الظروف أقسى. الاعتداءات البطالة، الأزمة المالية والمستقبل المقلق.. من الصعب الابتهاج هذه الأيام". 
لقد أحزنته الاعتداءات في فرنسا وهو لم يتخيل أن الأوضاع ستتدهور هكذا في فرنسا المشرقة التي عرفها. يحن لفرنسا هذه هو الحفيد لمهاجر إيطالي، ويعي ماهية العنصرية "من البديهي أنه يجب قبول الآخر كما هو، سود ، بيض، صفر...ما الأهمية؟ إنهم فرنسيون، فرنسيون .. أعرف ما هي العنصرية".
 
 سيرته المهنية الاستثنائية كرمت في مهرجان البندقية الأخير بمنحه الأسد الذهبي عن مجمل أعماله، فالسينما العالمية تتذكر بأنه كان "الأزعر الرائع" المسترخي الذي كان يغازل جين سيبرغ في الشانزليزيه في "الرمق الأخير" وهو "آس الآس" والبطل ذو الابتسامة التي لا تفارقه وهو منارة السينما الفرنسية بهيئته المنشرحة وابتهاجه الدائم والمدهش حتى بعد إصابته بجلطة دماغية عام 2001.

قد ينال إعجابكم