بورتريه

آندري زافيغنتسيف.. المخرج الذي تكرهه روسيا

آية عبد الحكيم  

زافيغنتسيف في فيلمه الأول "العودة" لم يقترب من روسيا سياسة أو مجتمعا، لكنه خاض تجربة مثيرة مع عائلة روسية غريبة.
"قديمًا كان للملوك مهرجون يؤدون في البلاط كل يوم، من ناحية كانوا يقومون بتسلية الملك، ومن ناحية أخرى كانوا قادرين على مواجهته بالحقيقة. الملك الحكيم الذكي يدرك حاجته إلى المهرجين، لكن الملك الأحمق المتزعزع يخشاهم. أنا لست معاديا لبلدي، أنا مهرج فقط".

المخرج الروسي آندري زافيغنتسيف في لقاء مع صحيفة ذي غارديان.

للمجتمع الروسي خصوصيته التي لا يسهل أن يسبر أغوارها ويستكشفها أحد، لكن المخرج الروسي آندري زافيغنتسيف اختلس عبر أفلامه القليلة مشاهدات محدودة، كاشفا ما تيسر له كشفه من درامية الحياة الاجتماعية اليومية، ولم يتورع عن الخوض في مكاتب موظفي الحكومة الفاسدين أو قساوسة الكنيسة المُدّعين، أو ساكني موسكو التعِسين.

وعلى الرغم من نجاحه فيما يفعل إلا أن ذلك لم يكن خطته الأصلية، فالمخرج الذي بدأ طريق الإخراج وهو في الأربعين ولم يقدم سوى خمسة أفلام فقط -صُنعت بعناية ودون عجلة- كان حلمه لسنوات عديدة ‏أن يمارس التمثيل بعد أن أغواه "آل باتشينو" بدوره في فيلم "بوبي ديرفيلد" (Bobby Deerfield) حين شاهد الفيلم صغيرا، لكنه حين انتقل للعاصمة موسكو وجد الأمر عسيرا، فقضى أعواما في العمل الشاق ما بين جرف الثلج وكنس الطرقات، ملتهما الكتب والأفلام في غير أوقات العمل، ولم ينجح إلا في تمثيل أدوار قصيرة في الإعلانات التلفزيونية، إلى جانب عمله خلف الكاميرا مساعدا لمخرجي تلك الإعلانات حتى أصبح مخرجا أول لبعضها، وبعد أعوام تخلى عن حلم التمثيل حين تحمّس له أحد المنتجين واقترح عليه أن يُخرج فيلما روائيا، وهكذا قدّم عمله الأول عام 2003.

العودة.. تجربة مثيرة بعد 12 عاما

في الفيلم الأول "العودة" (The Return) لم يقترب زافيغنتسيف من روسيا سياسة أو مجتمعا، لكنه خاض تجربة مثيرة مع عائلة روسية غريبة، إذ يعود والد الطفلين فانيا وآندري فجأة بعد غياب استمر 12 عاما. لا يذكر الطفلان والدهما ولا يعرفان شكله إلا من صورة ضبابية قديمة. الأب العائد يقرر اصطحاب الطفلين في رحلة صيد ليوطد معرفته بهما، وإذ يحاول الابن الأكبر التقرب من أبيه، ينفر الصغير من ذلك الرجل الغريب بتصرفاته العنيفة غير المفهومة.

 كان سيناريو الفيلم ينبئ عن دراما غموض حول الرجل العائد، ما عمله؟ أين اختفى ولم عاد؟ وإلى أين يصطحب ابنيه؟ لكن زافيغنتسيف قرر أن يترك تلك الأسئلة بلا إجابات، ليمنح الوقت لاستكشاف علاقة الطفلين بأبيهما وعلاقتهما ببعضهما البعض وإلى أين ستنتهي تلك الرحلة القصيرة المرهقة الثقيلة على نفسيهما، بتحولاتها السريعة وبنهاية مفجعة لا تقل ثقلا عن ساعتي الفيلم.

والد الطفلين فانيا وآندري يعود فجأة بعد غياب استمر 12 عاما في فيلم العودة، لا يذكر الطفلان والدهما ولا يعرفان شكله إلا من صورة ضبابية قديمة.

المنفى.. غموض وجريمة وعلاقة مضطربة

كان الفيلم الأول خير بطاقة ليتعرف العالم على المخرج الصاعد، وحاز على جائزة الأسد الذهبي من مهرجان فينيسيا، لكن الفيلم الثاني "المنفى" (The Banishment) لم ينل حظ سابقه. للوهلة الأولى قد يظن المشاهد أن الفيلم امتداد لسابقه لتشابه الفيلمين في مواقع التصوير، ولاستعانة زافيغنتسيف بالممثل الروسي كونستانتين لافرونينكو في بطولة كل منهما.

يفتتح الفيلم مشاهده على "مارك" المصاب بطلق ناري في ذراعه، ويلجأ لشقيقه "أليكس" الذي يتشارك معه في عمل ما غير قانوني. لكن الفيلم الذي يبدأ بالغموض والجريمة ينتقل للعلاقة المضطربة بين الزوجين "فيرا" و"أليكس" بعد ‏لجوء الأخير إلى منزل قديم للعائلة في الريف للابتعاد عن اضطراب المدينة وتوجسه بعد إصابة شقيقه.

هناك تفاجئه فيرا بحملها من شخص آخر، ودون أن يفكر أليكس أو يدع لها مجالا للحوار يتخذ قرارا متعجلا بـ"فعل الشيء الصحيح" من وجهة نظره، ما يجعل الأحداث تتصاعد دراميا وتبتعد عن الجريمة لتقترب أكثر من تلك العائلة التي نُفيت إلى الريف الرائع الجمال، لكنهم في الوقت ذاته وكأنهم طُردوا من جنتهم السابقة المستقرة.

طول مدة الفيلم وبطء أحداثه جعلاه الأقل شهرة وقبولا بين أعمال المخرج الروسي، لكنه في الوقت نفسه جعل منه عملا فنيا خارج إطار الزمن لا يعبأ بالحبكات التقليدية، ويورط مشاهديه في دوامة مقتبضة من الأحداث.

طول مدة فيلم "المنفى" وبطء أحداثه جعلاه الأقل شهرة وقبولا بين أعمال المخرج الروسي زافيغنتسيف.

إيلينا.. خرسانية موسكو

في فيلمه اللاحق "إيلينا" (Elena) اقتصر على موسكو الخرسانية بين وحدتين سكنيتين متناقضتين، في إحداهما تعيش إيلينا الزوجة التي يقتصر دورها على تمريض زوجها الغني. الشقة واسعة منظمة ودقيقة بكل تفاصيلها حتى ستائرها الإلكترونية. يحتل الزوج منها غرفة واسعة مريحة في حين ترقد إيلينا وحدها -كممرضة- على سرير صغير في غرفة أصغر.

في الشقة الأخرى الضيقة يعيش ابنها من زواجها الأول، وهو ابن في ضائقة مالية أكثر الوقت، وهو ما يجعله يلجأ لأمه وزوجها، ويوقع الأم في اختبار قاسٍ حين يرفض زوجها منحها المال اللازم لتحول دون تجنيد حفيدها في الجيش الروسي.

كانت التجربة الجديدة في فيلم إيلينا ابنة مجتمع زافيغنتسيف السوداوي الذي يكرهه، حيث لا يوجد خير مطلق حتى بين الفقراء المطحونين، لا توجد علاقة مضطربة بين الزوجين، ربما لا توجد علاقة من الأساس، فالأمر أشبه بممرضة تعتني بمريضها وتحصل على بعض المال تساعد به ابنها من حين لآخر.

الابن ذاته اعتمادي ويستغل والدته، في حين أنها –بطبيعة الأم- لا تجد في الأمر استغلالا حتى وإن لم تملك المال. وعلى نقيض علاقتها بابنها، نجد العلاقة الجافة بين زوجها فلاديمير وابنته كاترينا، ثم النفور بين إيلينا وكاترينا. يرصد الفيلم كل ذلك دون أحكام على أفعال الشخصيات، ودون أن يبرر أيا منها، بل وبتصالح تام مع تلك الأفعال مهما تمادت.

فيلم "إيلينا" اقتصر على موسكو الخرسانية بين وحدتين سكنيتين متناقضتين.

كوليا.. الكل خطاؤون

لكن فيلمه الرابع "ليفياثان" كان الأكثر قربا من الفساد الذي يراه في روسيا، وكان بداية فرض وزارة الثقافة -التي دعمت الفيلم ماديا- لرقابة أدقّ وقيود أشدّ على المشاريع التي تدعمها.

تدور أحداث الفيلم في بلدة بعيدة حيث يخوض الميكانيكي البسيط كوليا حربا في مواجهة عمدة القرية فاديم الذي أصدر قرارا بتخصيص جزء من أرض كوليا ومنزله لصالح مشروع ينوي إقامته في البلدة. وبعد رفض المحكمة لطلب استئناف الحكم المقدم من كوليا، يلجأ محاميه القادم من موسكو لابتزاز عمدة القرية الفاسد.

لا يوجد "أبطال" في الفيلم، فكل شخوصه خطاؤون، يسكرون أغلب الوقت ويستخدمون العنف في التنفيس عن كبتهم تحت وطأة ظروفهم المادية وقهرهم. الخطوط الدرامية بالفيلم عديدة ما بين كوليا والمحيطين به، لكن لم يفقد زافيغنتسيف براعته لحظة في حبك تقاطعاتها وحلها أو تركها لوحدها دون حلول حاسمة حتى لا ينهي فيلمه بمثالية زائدة أو ربما بأية مثالية على الإطلاق.

فيلم زافيغنتسيف الرابع "ليفياثان" كان الأكثر قربا من الفساد الذي يراه في روسيا.

من دون حب.. شخوص مستفزون

في كل أفلامه يعتني زافيغنتسيف بشدة بالشخصيات التي يقدمها، الشخصيات هي مركز الفيلم، هم أبطال الحكاية، وهم نتاج المجتمع الذي يعيشون فيه وربما يمثلون أغلب المجتمعات المعاصرة غير الروسية. بطلا فيلمه الأخير "من دون حب" (Loveless) هما الأكثر استفزازا لكراهية المشاهدين، فدون أن يرتكبا شرا صريحا يكفي مشاهدة علاقتهما بابنهما الضحية الناتجة عن تلك العلاقة الفاشلة ليدرك المشاهد أنهما كريهان.

بوريس وزينيا اللذان لا يعبآن بأحد وأصبح لكل منهما حياته الجديدة، كلاهما يحاول التخلص من الابن المشترك. ‏زينيا متمركزة حول ذاتها بهاتفها الذي لا يفارق يدها، وبوريس ينتظر طفلا جديدا من صديقته ‏ويحاول الحفاظ على صورة رسمية لعلاقته العاطفية ليحافظ على عمله. يختفي الطفل بعد سماعه لإحدى مشاجراتهما، ولا يعرف أحد إن كان قد اختُطف أم هرب، لتبدأ رحلة البحث عنه بمعاونة جماعات من المتطوعين.

للحظات يبدو على الوالدين الارتياح من عبء الطفل، وعلى الرغم من ذلك يؤكد زافيغنتسيف أنه لم يرهما بهذا الشر، بل يحب جميع أبطاله ويراهم ضحايا لظروفهم الخاصة.

في ثلاثة من أفلامه وظّف المساحات الواسعة والطبيعة المدهشة لتؤطر المشهد ‏وتظهر ذلك التناقض بين ضآلة حجم الأبطال في محيطاتهم المبهرة، وبين عمق وتعقيد ما تموج به ‏مشاعرهم وأفكارهم. وفي الفيلمين الآخرين اكتفى بالمدينة التعسة وقاطنيها، لكن في جميعها قدّم آندري زافيغنتسيف أعمالا فنية متميزة في صورتها معتنيا بكل التفاصيل وحكايات وشخصيات حاكها ببراعة مع كتابها وقدّمها ممثلوه بجودة مدهشة.

لم يخش أن يصطدم مع الفساد، أو أن يتلمس أفكارا عن الدين، بل وتضمنت كل أفلامه مرجعا أو أكثر من قصص التوراة فاستحق أن يصبح المخرج الأبرز بين مخرجي روسيا في العقدين الأخيرين، حتى وإن طارده التحفظ تارة والمعاداة تارة أخرى من مواطني روسيا أو سلطاتها.

قد ينال إعجابكم