بورتريه

أسامة فوزي.. والأشباح

فاطمة نبيل

شحيحة هي المعلومات التي يمكن أن يجدها مستخدمو الإنترنت عن المخرج قليل الصلات بالصحافة، عديم الظهور الإعلامي أسامة فوزي.

يمكن فقط أن تجد أنه من مواليد 19 مارس عام 1961، وأنه ابن المنتج والموزع السينمائي الشهير جرجس فوزي، وشقيق المنتج والموزع والمخرج السينمائي هاني جرجس فوزي، وأنه تحول إلى الإسلام في التسعينيات، وتزوج من الممثلة المصري سلوى خطاب، لكنهما انفصلا بالطلاق لاحقا.

تخرج أسامة فوزي في المعهد العالي للسينما قسم إخراج عام 1984، وبدأ حياته المهنية مساعدا في عددا من الأفلام السينمائية، معظمها كان من إنتاج شركة والده مع العديد من أهم مخرجي تلك المرحلة، فقد عمل مساعدا مع أشرف فهمي في أفلام الراقصة والطبال (1984)، والمجهول (1984)، ومع حسين كمال في أرجوك أعطني هذا الدواء (1984)، وأيام في الحلال (1985) ثم مع نيازي مصطفى في التوت والنبوت (1986)، ولاحقا مع رضوان الكاشف في ليه يا بنفسج (1993)، ويسري نصر الله في مرسيدس في نفس العام، وقبل ثلاث سنوات من عرض فيلمه الروائي الطويل.

رصيد أسامة فوزي السينمائي أربعة أفلام فقط

أربعة أفلام فقط هي كل ما قدمه المخرج أسامة فوزي – حتى الآن – في رحلة بدأها عام 1996 بفيلم "عفاريت الأسفلت"، وحتى عام 2009 بفيلم "بالألوان الطبيعية" مرورا بـ "جنّة الشياطين" عام 1999، و"بحب السيما" عام 2004.

وفي كل أعماله حتى فيلمه الأخير الذي كان اسمه "يوسف والأشباح" قبل أن يتحول إلى "بالألوان الطبيعية" كان أسامة فوزي يواجه أشباحه وهواجسه الخاصة، غير مهتم بعدد أعماله قدر اهتمامه بصداها لدى المتلقي.

فما الذي جعل هذا المخرج قليل الإنتاج، نادر الظهور واحدا من أهم من جاءوا في تاريخ الإنتاج السينمائي المصري؟!

يمكن الإجابة على هذا السؤال بدراسة الأعمال الأربعة للمخرج أسامة فوزي بعد تقسيمها إلى مرحلتين، الأولى تضم فيلمي "عفاريت الأسفلت، وجنّة الشياطين" وقد تعاون فيهما مع السيناريست مصطفى ذكري والذي لم يقدم إلا هذين الفيلمين، وأما الثانية فمرحلته مع السيناريست هاني فوزي وتضم فيلمي "بحب السيما، وبالألوان الطبيعية".

ثنائية الجنس والموت في عفاريت الأسفلت، وجنّة الشياطين واللقطة من الفيلم الأخير

المرحلة الأولى/ ثنائية الجنس والموت في عفاريت الأسفلت، وجنّة الشياطين (إزاي يموت وأنا بحكي الحكاية!)

تدور أحداث الفيلمين خلال يومين تقريبا، ففي "عفاريت الأسفلت" تبدأ أحداث الفيلم صباح يوم فرح صديق سيد، وينتهي في اليوم التالي وقد أصبح الفرح مأتما بعد وفاة الجد.

أما في "جنّة الشياطين" فإن الفيلم يبدأ مساءً بوفاة طبل، وينتهي في مساء اليوم التالي، وقد سرق أصدقاء طبل جثته.

وفي اليومين، مدة أحداث الفيلمين، يحاول أسامة فوزي ومعه السيناريست مصطفى ذكري مقاومة الموت الذي يحاوط شخصيات الفيلمين بالجنس.

في "عفاريت الأسفلت" يموت الجد علي وقد سبقت وفاته التأسيس لمجتمعه الصغير الذي يسود فيه الشيوع الجنسي تماما كالمجتمعات البدائية.

فسيد على علاقة بزوجة الأسطى محمد الحلاق الذي بدوره على علاقة بأم سيد، أما والد سيد فهو على علاقة بوالدة صديق رينجو، والذي يحاول الزواج من انشراح شقيقة سيد رغم رفض الأخير والتي تعاني من آثار الحرمان الجنسي الواضحة.

أما ما بعد الوفاة فيروي الأسطى محمد الحلاق للمجموعة قصة الشاعر "إبراهيم الموصلي" الذي اختار أن يقطع رأسه ولا يقطع لسانه كنزه الوحيد لرواية الحكايات قائلا بيت الشعر الشهير "ليس لماء الورد عهد إنما العهد للرخام"، وتبدو الحكايات التي لابد أن تصل إلى متلقيها هي السبيل الوحيد لمقاومة الموت، أما الجنس فهو الدليل الدائم على أننا مازلنا أحياء.

من فيلم عفاريت الأسفلت

في تسعة وسبعين دقيقة فقط وعن رواية "الرجل الذي مات مرتين" للكاتب البرازيلي "جورج آمادو" يقدم ذكري وفوزي فيلمهما الثاني عن "طبل" إله العربدة عند الصعاليك، وبطريرك القهاوي والشوارع الذي اختار أن يهجر حياته الأولى التي كان فيها "الأستاذ منير رسمي" الموظف المحافظ والزوج والأب، ويعيش في عالم آخر يختار فيه كل شيء بنفسه حتى اسمه، مثله في ذلك مثل "عمر الحمزاوي" في الشحاذ، أو "داوّد المصري" في حديث الصباح والمساء روايتي نجيب محفوظ، أو ربما هو آدم الذي اختار طوعا أن يأكل من شجرة المعرفة ويطرد من الجنّة في الميثولوجيا الدينية.

يموت طبل وتذهب إليه وحيدته سلوى استعدادًا لدفن جثته، معتقدة خطأً أن الموت قد أجبره على الحشمة والوقار، دون أن تدرك أنه حتى الموت لن يستطيع أن يجبر طبل أن يعود "منير رسمي".

ويبدو مشهد غسل جثة طبل وكأنه يعيد الصلة بينه وبين ابنته التي فرشت صورهما معا أسفل جثمانه، وقد غسل الموت كل ذنب له في حقها، ولأنها سر أبيها، وإن لم تدر، ترفض مثله أن تُدفن في صندوق عندما تموت، وتبدو لها خطايا أبيها الفجّة الآن كنزوات راهب أو قديس.

أما مجموعة الشياطين من أصدقاء طبل سارقي جثته من أجل ليلة سعادة أخيرة، فهم وحدهم من حملوا رسالته ومبدأه الأشهر "الحيّ أبقى من الميت"، ومعهم في ذلك عاهرات طبل اللاتي أنهين عزوفهن عن ملاقاة زبائنهن الذي أردن أن يستمر أسبوعا بعد ليلة واحدة فقط، فلا حداد على طبل.

ويبدو مشهد عشيقته المفضلة "حُبّة" وقد انصرفت بعنف عن مخاطبة جثته، واتجهت بقبلاتها الملتهمة لأحد أصدقائه وكأنها تجسيد لفلسفته الدائمة "الحيّ أبقى من الميت".

أما طبل فهو حيّ دائما، حيّ ما بقيت سيرته تُروى على لسان أصدقائه ومحبيه.

في فيلم بحب السيما يرفض الطفل كل أشكال السلطة، السلطة الأبوية، والسلطة الدينية التي تمثلها الكنيسة

المرحلة الثانية / ثنائية السلطة والفن في بحب السيما، وبالألوان الطبيعية (يعني أنا لو روحت جهنم هشوف كل الممثلين المشهورين هناك!)

في مرحلة تعاونه مع المؤلف هاني فوزي، يبدو أسامة فوزي أكثر تعبيرا عن الأسئلة التي تؤرقه شخصيا كفنان ابن لمجتمع محافظ وإن تمرد عليه.

في "بحب السيما" الذي يحمل أكثر من مستوى للتلقي يبدو الأمر في البداية وكأنه يناقش حال المسيحيين المصريين في مصر الستينيات – دون تنميط – حيث الدولة البوليسية تحكم مصر، وعدلي صاحب الآراء الدينية المتطرفة يحكم أسرته المكوّنة من زوجته الجميلة والرسامة السابقة، وابنته وابنه الصغير – الذي تروى الحكاية على لسانه – والذي حمل راية التمرد في الأسرة بعد أن أحب السينما، واعتبر دور عرضها هي الجنّة والممثلين قديسيها وأنبياءها.

يرفض الطفل كل أشكال السلطة، السلطة الأبوية، والسلطة الدينية التي تمثلها الكنيسة، وكلاهما يرفض السينما، ويقدمان عوضا عنها مسرحيات وعظية دون نساء أو قبلات، كما يرفض سلطة الأطباء وإن دفع ثمن تمرده من صحته ومن تعنيف والده له.

في بحب السيما يقرّ أسامة فوزي أن كل سلطة هي بالأساس نابعة من نفوس المحكومين، وإن زال رأس السلطة أو غيبه الموت في حالة عدلي، أو عبد الناصر الذي مات –مجازيا- مع هزيمته، عندها يخلق المحكومون بدائل من بينهم تقمعهم وتخضعهم، ويختارون العبودية طوعا من أجل إعلاء كلام مرسل أجوف عن الأخلاق، والدين، والجنّة، وصوت المعركة الذي لا يجب أن يعلو عليه صوت.

لا عجب أن يثير الفيلم كل هذه الأزمات عند عرضه في دور العرض المصرية، وأن تطلق مؤسسة الرقابة على المصنفات الفنية يد الكنيسة عليه لتقرر مصيره.

بحب السيما ليس فيلما عن حال الأقباط كمواطنين في مجتمع يدعيّ الحفاظ على قيم المواطنة، إنه عن ثنائية القهر والتمرد في كل مكان في العالم، وعن نضال الإنسان ضد السلطة الرجعية، وعن الفن الذي ربما يشكّل للإنسانية أملًا ويفتح لها آفاقاً قدر ما تفعل الرسالات السماوية وأكثر.

من فيلم بالألوان الطبيعية

وبشكل شديد المباشرة يواصل أسامة فوزي هذا الطرح في فيلمه الرابع "بالألوان الطبيعية" فيوسف بطل الفيلم هو "نعيم" طفل بحب السيما في مرحلة لاحقة من حياته، لكنه هنا مراهق مسلم يحلم بالالتحاق بكلية الفنون الجميلة عسى أن يصير مهندسا للديكور، إذ يمكنه هنا توظيف فنه النظيف في خدمة مجتمعه المحافظ.

يحمل يوسف هواجسه الجنسية والدينية إلى الكلية فيصدم من المكان الذي يبدو كمولد شعبي تتزاحم فيه كل مظاهر التضاد .. الموسيقى الغربية الصاخبة بجانب المصرية الشعبية، والوعظ المسيحي بجانب الأذان الإسلامي، وتبدو غرابة الأطوار وكأنها شرط لممارسة الفن.

 مكان يمارس فيه الأقوى سلطته على الأقل قوة، فالمحاضرون يمارسون سلطتهم على الطلاب، والطلبة الأكبر سنا يمارسون سلطتهم على الأصغر، في دائرة لا تنتهي من التسلط والقهر.

ويصبح عليه أن يقاوم أشباح والدته التي لم توافق أبدا على أن يصبح فنانا، والداعية الشاب الذي يفسد رؤيته الفطرية عن الفن، والعجوز الذي يعمل "موديل" بعد أن بدد موهبته، وحبيبته إلهام التي اختارت حجابا ثم نقابا تختفي وراءه، أما يوسف فيبدو قادرا على قهر أشباحه كلما اقترب من الفنان بداخله، وربما امتد هذا إلى أسامة فوزي ذاته.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"مُرتزق"

ليس من الممكن نسب فيلم "مرتزق" ببساطة إلى ما يعرف بـ "أفلام الألعاب الرياضية" ..