بورتريه

أوراق خاصة من حياة "راؤول كوتار"

 
 
محمد رُضــا
 
عندما بدأ المخرج الفرنسي جان - لوك غودار إعداد العدّة لتصوير فيلمه الأول «نفس مقطوع» (أو تبعاً لحرفية العنوان الفرنسي «آخر نفس») قرر أن يستعين بمدير تصوير جديد. استبعد فكرة الاستعانة بمديري تصوير معروفين وأنصاف معروفين وبحث عن اسم جديد في الصنعة السينمائية كإسمه. 
 
مدير التصوير الفرنسي راوول كوتار  Raoul Coutard لم يكن اختياره. كان فكّـر بمدير تصوير آخر وإن لم يكن اتصل به بعد عندما طلب منه المنتج جورج د.بيوريغار استخدام كوتيار. تردد غودار وحاول التملُّص من الطلب، لكن بيوريغار أصرّ للغاية. شاهد غودار الأفلام الثلاثة التي صوّرها كوتار لمخرج جديد آخر هو بيير شووِندورفر أولها «ممر الشيطان» سنة 1958. وعندما التقى غودار بكوتار قال له: "أريد تصوير هذا الفيلم كما لو أنني أنقل تقريراً عن حدث". في حديث لمدير التصوير كوتار، الذي وُلد في السادس عشر من أيلول/ سبتمبر سنة 1924 ورحل في الثامن من هذا الشهر عن 92 سنة، يقول: "جان - لوك فاشي من اليسار، وأنا فاشي من اليمين، لكن طلبه ذاك ناسبني لأني كنت في الأصل مصوّراً صحافياً".
 
من يشاهد «نفس مقطوع» (1960) يدرك أن الاختيار كان في محله، ليس فقط من زاوية أن كليهما كان من جيل واحد (وُلد غودار في سنة 1930)، بل لأن كوتيار أمدّ المخرج بما يبحث عنه في فيلم أريد له الانتماء إلى موجة سينمائية جديدة ومختلفة عن السينما الفرنسية المؤسسة أو الكلاسيكية.
واحد من إبداعات هذا اللقاء التلاحم الجيد بين الرغبات. من ناحيته، أراد غودار عملاً بالأبيض والأسود لا يلتزم فيه بالقوانين والقواعد الجاري مفعولها بين مخرجي تلك الفترة وقبلها، ومن ناحية مدير تصويره كان عليه أن يخلق المعالجة التقنية والفنية التي تؤمن للمخرج النظرة (The Look) التي يريدها لفيلمه.
 
استخدم كوتار للفيلم كاميرا 35 مم من نوع كاميفلس إلكير (Caméflex Eclair) تم تصنيعها سنة 1937 لكنها تطوّرت حسب موديلات وصولاً إلى نسخة الخمسينات. وهي كاميرا محمولة يتسع مخزنها إلى فيلم بطول 120 متر وهناك نسخة أخرى منها مقاس 16 ملم. والاختيار منح كوتيار القدرة على تنفيذ رغبات غودار في سرعة وتلقائية الحركة والاستخدام ذي الأبعاد المختلفة من مشاهد طويلة (مثل مشهد النهاية) إلى مشاهد قريبة (جين سيبرغ في غرفة الفندق أمام صورتها).
إلى ذلك، استخدم كوتار الضوء الطبيعي طوال الوقت. وهذا نلاحظه في المواقع التي يتحاشى فيها مخرجون آخرون إظهار الظلال على الوجه خلال التصوير النهاري الخارجي. 
 
 
في ركاب الموجة الجديدة
هذا العمل هو الذي طبع اسم راوول كوتار على لوحة المشاركين في خلق السينما الفرنسية الجديدة في الستينات. حساسية كوتار حيال المشهد الذي يصوّره من النوع الذي ألغى أي حاجز يُـذكر بين الحياة الواقعية والحياة على الشاشة. مرّة أخرى يتضح ذلك في «نفس مقطوع»، لكنه يتضح أيضاً في العديد من أفلام كوتار الأخرى مثل «لولو» لجاك ديمي الذي صوّره بالأبيض والأسود أيضاً في العام التالي. 
أنوك إيميه وهي تصعد الدرج الطويل نصفها في الظل كذلك نصف المشهد الذي يمتد أمامها ووراءها. ثم هي ومارك ميشيل في أحد أسواق المدينة. كلا اللقطتين من بين العديد من لقطات ذلك الفيلم التي توحي بفهم كوتار للجماليات المستنتجة من أبسط تصاميم البنى المعمارية وحركة الحياة.
 
استعان بموهبته المخرج فرانسوا تروفو بدءاً من العام 1960 عندما حقق «اقتل عازف البيانو» ولاحقاً في «جول وجيم» كما عاد إليه غودار في العديد من أفلامه مثل «المرأة هي المرأة» (1961) و«حياتي لكي أعيش» (1962) و«ازدراء» (1963) و«ألفاڤيل» (1965) وصولاً إلى «اسم أول: كارمن» (1983). خلال هذه الفترة، كان كوتار تمدّد في عالمه. صوّر لغودار بشروط ولغة غودار وصوّر لمخرجين آخرين، مثل تروفو وفيليب لا بروكا وبيير شووِندورفر، بشروطهم الخاصّـة إنما من دون أن يتنازل عن ملكيته لقوانيه هو. المطلوب من الفيلم إنجازه كان من شغل المخرج. كيفية تحقيق ذلك كان من شغل مدير التصوير وعليه أن يحمل بصمته.
 
في النصف الثاني من الستينات، بدأ كوتار العمل في الخارج. إما من خلال أفلام فرنسية يتم تصويرها في بلاد أخرى، أو من خلال العمل مع مخرجين غير فرنسيين. رأيناه يصوّر لكوستا - غافراس فيلمه الأشهر «زد» مستخدماً في المشاهد الداخلية أقل قدر ممكن من الإضاءة لأنها تصبح ضرورية، محتفظاً بنصاعة الصورة التي يتقن توفيرها.
 
في بيروت والقدس
البريطاني توني رتشردسون أصرّ عليه سنة 1967 عندما صور «البحار من جبل طارق»، ورتشردسون كان من بين مخرجي موجة جديدة أخرى في بريطانيا ضمّـت كذلك بيتر ياتس وجون شليسنجر ولندساي أندرسن. 
وبعد أن صوّر كوتار فيلم غافراس الثاني «الاعتراف» (1970) قام بإخراج فيلمه الأول (من ثلاثة) وعنوانه Hoa Binh الذي تقع أحداثه في قرية فييتنامية صغيرة خلال الحرب الأميركية هناك. لكن عوض أن يقوم بتصوير الفيلم كذلك، أسند المهمة إلى جورج ليرو الذي كان مساعداً لكوتار في فيلميه لكوستا-غافراس («زد» و«الاعتراف»).
 
لقطة من فيلم "Z"
 
في العام 1972 جاء كوتار إلى لبنان كأحد طاقم العمل على فيلم أميركي تم تصويره في بيروت (أساساً) هو «سفارة» لغوردون هايسلر، بعد ذلك صور للمخرج الأميركي جون فلين فيلما بعنوان «ملف القدس» في مدينة القدس. ثم وجدناه، سنة 1980، يقوم بإخراج فيلم حربي آخر عنوانه «عملية الفهد» (Operation Leopard) مع جورج ليرو وراء الكاميرا، وكان هذا أصبح الآن مدير تصوير لأفلام عدة.
 
لا عجب في اختيارات كوتار من المشاريع التي قرر إخراجها إذ تم إرساله من قبل الحكومة إلى الحرب الفرنسية - الإندونيسية سنة 1945 ليكون مصوّرها الفوتوغرافي. وبقي مصور حروب لنحو عشر سنوات في فييتنام. من هنا ندرك أن لقطاته السينمائية، خصوصاً في أفلام الأبيض والأسود، مستمدة من خبرته في التصوير الأبيض والأسود والخالي من الإضاءة الصناعية عبر كاميرا اليد العادية.
 
لفيلمه الثالث مخرجاً تحت عنوان S‪.‬A‪.‬S à San Salvador اختار فيلم مغامرات جاسوسية لم يكتب لها النجاح وكانت بعيدة عن منواله مخرجاً أو مدير تصوير. كوتار تعلم من فشله الفني (ومن فشل الفيلم التجاري أيضاً) فتوقف عن الإخراج وانصرف إلى مهنته الأولى حتى اعتزل سنة 2001. 
 
لقطة من فيلم "نفس مقطوع"
 
آرائه في تروفو وغودار
آراء كوتار في المخرجين الذين عمل معهم تتفاوت لكن بعضها مفاجئ. مثلاً يقول عن فرانسوا تروفو الذي عمل معه أكثر من مرة: "على عكس ما يتبادر للكثيرين، فإن تروفو مخرج بأسلوب تقليدي".
ماذا عن غودار؟
سألته صحيفة «ذا غارديان» مرّة فأجاب: "إذا ما اقتربت منه وهو يفكر في أمر ما ثار في وجهك. غودار كان من النوع الذي يخطط طويلاً قبل التصوير ويخطط مجدداً في كل يوم. تصل إلى موقع التصوير فتجده جاهزاً برؤيته، بينما أنت وصلت جاهزاً برؤيتك كمدير تصوير".
 
لكن العمل مع غودار، بصرف النظر عن تناقضاتهما، هو الذي قاد المخرج للاتصال به سنة 1981 ليعاودا العمل معاً. كان غودار قد انتهى من رحلته في هوامش السينما محارباً ماركسياً ثورياً ضد كل المؤسسات وقال لكوتار: "أنا يساري، لكن اليسار هو من يسلبك حقوقك بينما عليك أن تعمل مع الرأسمالي لأنه الأقوى ويدفع لك دوماً".
 
نتيجة هذا التفاهم فيلمي «شغف» و«الإسم: كارمن» اللذان كانا من أبدع ما حققه غودار مخرجاً ومن أفضل ما قام كوتار بتصويره.

قد ينال إعجابكم