بورتريه

إلهان عمر.. معنى أن تكون امرأةٌ مسلمةٌ سوداء في عهد ترامب

رانية أسعدي

ولدت إلهان في الصومال في 4 أكتوبر/تشرين الأول عام 1981 في العاصمة مقديشو، كانت الطفلة الأصغر في أسرة من سبعة أشقاء (غيتي)

"سأضع رصاصة في جمجمتها أو أنسفها بقنبلة. إنها إرهابية".. بهذه العبارات هدد باتريك كارلينو (55 عاما) عضوة الكونغرس الأميركي عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر.

تحركت الشرطة لاعتقال كارلينو بتهمة التهديد بقتل النائبة المسلمة، لكن الرجل لم يردد غير ما يسمعه كل يوم في إعلام اليمين المتشدد، وأحيانا بتواطؤ "سعودي إماراتي".

فمنذ أن خرجت بتصريحات قوية تنتقد إسرائيل واللوبي اليهودي الضاغط على السياسيين في واشنطن، تصاعدت هجمات الإعلام المحسوب على الحزب الجمهوري ضد النائبة الديمقراطية إلهان عمر.

وقد فازت إلهان (37 عاما) بمقعد في مجلس النواب الأميركي عن ولاية مينيسوتا في الانتخابات النصفية التي جرت في 2018، لتكون أول نائبة محجبة في تاريخ الولايات المتحدة.   

 

 

قصة ملهِمة.. من تكون إلهان؟

هي مسلمة، هي محجبة، هي لاجئة، هي سوداء، وهي أيضا من الصومال. ربما يصعب أن تجتمع كل هذه الصفات في شخص واحد في الولايات المتحدة ثم يصبح نجما في ساحة سياسية يتصدرها اليمين الإنجيلي في زمن ترامب.

قصة إلهان عمر ملهِمة للمهاجرين والطبقات المتوسطة في ولاية مينيسوتا التي تمثلها في الكونغرس. فقد ولدت في الصومال في 4 أكتوبر/تشرين الأول عام 1981 في العاصمة مقديشو، كانت الطفلة الأصغر في أسرة من سبعة أشقاء. بعد وفاة والدتها، كان والدها وجدها الأكثر تأثيرا في شخصيتها.

في 1991، اندلعت الحرب الأهلية في الصومال، وفرّت الأسرة إلى كينيا المجاورة. في مخيم للاجئين عاشت الأسرة عذابات اللجوء والتشرد لمدة أربع سنوات كاملة، ولم يأت الفرج إلا في عام 1995 عندما هاجرت إلهان رفقة أسرتها إلى أميركا. في البداية استقروا في مدينة أرلينغتون المحاذية للعاصمة واشنطن، لكنهم انتقلوا بعدها إلى مدينة مينيابولس في ولاية مينيسوتا.

عندما وصلت إلى أمريكا، لم تكن تعرف من اللغة الإنجليزية سوى كلمتين: "hello" و"shut up"[1]، لكن رغبتها المتأججة قادتها إلى تعلم اللغة بطلاقة في أقل من ثلاثة أشهر، وساعدها سرعة التذكر والبديهة وطلاقة اللسان في اقتحام مجال السياسة مبكرا.

في 2012 بعد أن تخرجت من كلية العلوم والدراسات الدولية في جامعة "داكوتا الجنوبية"، كانت قد وضعت رجلها الأولى في السياسة، إذ عملت مديرة لحملة كيري دزيديزيش (Kari Dziedzic) الساعية للترشح مجددا إلى مجلس شيوخ ولاية مينيسوتا. وفي 2013 ساهمت في وصول المرشح أندرو جونسون إلى مجلس ولاية مدينة مينيابولس. وبين 2013 و2015، عملت في منصب كبيرة المساعدين في الشؤون السياسية لأندرو جونسون. بعدها قررت أن تمارس السياسة في الواجهة، فرشحت نفسها في الانتخابات المحلية، وحصدت مقعدا في مجلس نواب ولاية مينيسوتا. وفي 2018 تحولت الأمجاد الشخصية إلى ما يشبه الحلم، فقد أصبحت أول نائبة مسلمة محجبة في مجلس النواب الأميركي.

 لكن ليست القصة الملهمة ولا الكاريزما هما ما جعل إلهان عمر قريبة من قلوب أولئك الذين رشحوها لتمثيلهم، إنما نضالها من أجل قضايا مجتمعية حارقة، مثل إلغاء الديون المتراكمة على الطلاب، وجعل التعليم مجانيا، وإلغاء السجون الخاصة، وإنهاء المساهمة الأميركية في الحروب "الاختيارية" مثل حرب اليمن[2]، وتوجيه تريليونات وزارة الدفاع الأميركية إلى محاربة الفقر، وتوفير التغطية الصحية للأميركيين البسطاء[3].

 

 

ثلاثي صاعد يستهدف اللوبيات

عندما انتقلت إلهان عمر من ممارسة السياسة محليا إلى اللعب مع الكبار في العاصمة واشنطن، كانت -ربما- تعرف أنها تُعرّض حياتها لكل ما يتعرض له ممارسو السياسة في أميركا من قبيل المكر والدسيسة والتنقيب عن الأخطاء والركض وراء العيوب الصغيرة والكبيرة.

في البداية، رحب الإعلام الأمريكي بأول مسلمة محجبة.[4] كان ذلك قبل أن تكرر انتقادها لإسرائيل وجماعات الضغط الأخرى التي تلعب بالسياسيين في واشنطن. ولم تكن وحيدة في انتقاد تلاعب المال بالسياسة في أمريكا، فقد التحقت بها أيضا النائبة المسلمة الأخرى من أصول فلسطينية رشيدة طليب، والمعارضة اليسارية الشرسة ألكسندريا أوكازيو كورتيز. واليوم، يشكل هذا الثلاثي الصاعد مصدر قلق للسياسيين التقليديين ورجال الأعمال الكبار بأجندتهن التقدمية التي لا تراعي مجاملات السياسيين[5].

وتتخوّف وول ستريت واللوبيات من وصول النائبات المحسوبات على التيار التقدمي إلى مراكز القرار داخل مجلس النواب الأمريكي، إذ يطالبن بقيود ورقابة مكثفة على القطاع المصرفي الأمريكي، وتسهيل الحصول على السكن ومعالجة أزمة القروض الطلابية. ولا تكثرت النائبات المنبثقات عن الجناح اليساري في الحزب الديمقراطي كثيرا لأصحاب رؤوس الأموال الكبيرة الذين اعتادوا شراء السياسيين التقليديين عبر تمويل حملاتهم الانتخابية.

إلهان عمر تنتمي إلى هذا الجناح، وعندما عبّرت عن رأيها في تلاعب اللوبي اليهودي بالمصالح الأمريكية في العالم عبر دعم إسرائيل، لم تكن تعلم أنها تفتح بابا للتنقيب في هفواتها وتأويل تصريحاتها، بل ودفعها إلى نقاش محموم عن مظلومية اليهود في أوروبا، وعلاقة اليهود بالمسلمين، ومعاداة السامية، ومواضيع تاريخية مشتبكة.

في 2018 تحولت الأمجاد الشخصية لإلهان إلى ما يشبه الحلم، فقد أصبحت أول نائبة مسلمة محجبة في مجلس النواب الأميركي (غيتي)

بداية الحملة على إلهان

بدأت متاعب إلهان عمر في فبراير/شباط الماضي، عندما أعادت نشر تغريدة للصحفي غلين غرينوالد يقول فيها "يُذهلني الوقت الذي يقضيه الزعماء السياسيون الأمريكيون في الدفاع عن دولة أجنبية حتى لو كان ذلك يعني مهاجمة حرية التعبير للأمريكيين". وردت النائبة الأمريكية على هذه التغريدة مشيرة إلى أن "دعم إسرائيل في الكونغرس الأمريكي يتعلق بالمال على الدوام"، وهو ما فسّره البعض على أنه انتقاد مبطن لنفوذ لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية -المعروفة اختصارا بإيباك- وسط السياسيين الأميركيين.

وبسرعة أججت التغريدة ردود الفعل في الإعلام الأمريكي، واعتبر الديمقراطيون والجمهوريون على السواء أن إلهان تلمّح لنظرية المؤامرة التي لعبت بالوعي الغربي الأوروبي حتى أفرزت الهولوكوست خلال الحرب العالمية الثانية. وبحسب هذه النظرية فإن الأثرياء اليهود يسيّرون العالم من وراء الستار. وخلال أسابيع من النقاش، عاد بعض المحللين اليمينيين إلى "بروتوكولات حكماء صهيون" لربط آراء إلهان عمر بهذا الكتاب المزيّف الذي يحذر من مخطط يهودي سري لغزو العالم وإركاع شعوب الأرض.  

ولإلصاق تهمة معاداة السامية بإلهان، رجع خصومها أيضا إلى تغريدة قديمة تعود إلى 2012، عندما قالت "لقد قامت إسرائيل بتنويم العالم، لعل الله يوقظ الناس ويساعدهم لرؤية الشر الذي ترتكبه إسرائيل"، واعتبروا أن "لغتها تستدعي المحرقة، وتذكّر بالتأليب ضد اليهود في أوروبا خلال القرون الماضية"[6].

حذفت عمر التغريدة الأولى واعتذرت بلا تحفظ، كما تراجعت عن تغريدة 2012 وقالت إنها لم تكن تعرف أن كلمة "تنويم" تحمل دلالة مسيئة لليهود عموما. لكن الحزب الديمقراطي أعلن إدانته بشكل عام لآراء إلهان عمر، أما الحزب الجمهوري والإعلام اليميني فأراد تأديبها بالإقصاء من كل اللجان النيابية في الكونغرس.

ورغم أن الهوية الإسلامية في أميركا مثلها مثل الهوية اليهودية تتعرض للتمييز في الغرب (وهو ما حاولت إلهان عمر شرحه)، فإن الإعلام أخذ النقاش إلى أبعاد أخرى، منها أن السياسية الشابة مدسوسة من الإخوان المسلمين لمحاربة القيم الأميركية.

فقد هاجمت مذيعة فوكس نيوز جنين بيرو في برنامجها الشهير، إلهان، واعتبرت أن حجابها يناقض الدستور الأميركي. وقالت تعليقا على تغريداتها "حتما لم تكوّن (إلهان عمر) نظرتها المعادية لإسرائيل من الحزب الديمقراطي، فحزبها لا يعادي إسرائيل. فكّروا في الأمر، عمر ترتدي الحجاب، وبحسب آية في القرآن فإن النساء مأمورات بتغطية رؤوسهن كي لا يتعرضن للتحرش. هل تمسّكها بالإسلام كعقيدة دلالة على تمسّكها بالشريعة الإسلامية التي تتناقض مع الدستور الأميركي؟"[7].

هاجمت مذيعة فوكس نيوز جنين بيرو في برنامجها الشهير، إلهان، واعتبرت أن حجابها يناقض الدستور الأميركي (غيتي)

لأنها مسلمة وسوداء وامرأة

تقول رشيدة طليب في مقابلة سابقة مع "سي إن إن" إنهم يعاملون زميلتها إلهان بهذا القدر من السوء بسبب ديانتها ولون بشرتها ولأنها امرأة. وبالفعل، فالرئيس دونالد ترامب المعروف بمداهنة القوميين البيض، يرفض حتى الآن -وهو الذي طالب إلهان عمر بالاستقالة- إدانة إيدولوجية الاستعلاء العرقي للنازيين الجدد في أميركا.

أسوأ من ذلك، تقول مجلة فوكس (Vox) إن دونالد ترامب استخدم استعارة مسيئة لليهود في عام 2015 عندما كان مرشحا للانتخابات الرئاسية، فقد قال في اجتماع خاص بالشخصيات اليهودية الداعمة للحزب الجمهوري "أنتم لن تدعموني، لأنني لست بحاجة إلى أموالكم"، ثم أضاف "تريدون التحكم في السياسيين".[8]

وتتساءل المجلة: لماذا يحاسبون إلهان عمر على تصريحاتها بهذه القسوة بينما دونالد ترامب يقول ما يريده من دون أن يثير انتباه أحد. وأكدت فوكس أن ترامب كرّر الأمر نفسه عندما اتهم الملياردير اليهودي جورج سوروس ورئيسة مجلس الاحتياطي الأميركي آنذاك جانيت يلين (وهي أيضا يهودية) بأنهما يتحكمان بمفاصل واشنطن لخدمة أجندات دولية ومصالح خاصة لا علاقة لها بالأميركيين، في إشارة إلى إسرائيل.

في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كشفت مجلة فورين بوليسي أن السعودية والإمارات تقفان وراء حملات لتشويه سمعة نائبات أميركيات من أصول مسلمة (غيتي)

حملة سعودية إماراتية

قبل فوزها بمقعد في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، تعهدت إلهان عمر وديمقراطيون آخرون -يتزعمهم بيرني ساندرز- بإنهاء "الحروب الاختيارية" للولايات المتحدة ومنها حرب اليمن، وتوعدت إلهان خاصة بمحاسبة السعودية على استخدام أسلحة أميركية لارتكاب "جرائم بشعة" ضد اليمنيين.

وفي ديسمبر/كانون الأول الماضي، كشفت مجلة فورين بوليسي أن السعودية والإمارات تقفان وراء حملات لتشويه سمعة نائبات أميركيات من أصول مسلمة، وأكدت المجلة أن السعودية تقود مع الإمارات حربا على إلهان عمر من أجل تصويرها في إعلام اليمين المتشدد على أنها إخوانية مندسة تحمل أجندة خفية لتطبيق الشريعة الإسلامية في أمريكا[9].

وأشارت فورين بوليسي إلى مقال نشره موقع "العربية" المملوك للسعودية بعنوان "تفاصيل دعوات الأخوات المسلمات بأمريكا للهجوم على ترمب". ويهاجم مقال "العربية" الديمقراطيين الذين اعتبرهم مؤيدين للإخوان المسلمين في الشرق الأوسط، قبل أن يجزم بأن "ما يجمع النسوة (إلهان عمر ورشيدة طليب) هو مناهضة ترامب وفريقه السياسي وخياراته السياسية، خاصة السياسة الخارجية بدءاً بحصاره لإيران وعزلة الإخوان وكل جماعات الإسلام السياسي، فكان التكتيك المعتمد لدى رعاة هؤلاء النسوة الدخول من باب الأقليات: السود والمهاجرين والمرأة بشكل عام".

ضخ التحالف السعودي الإماراتي أموالا في حملات لتشويه سمعة إلهان

ولاحقا، كتب موقع "صوت أمريكا" أن السعودية قد تندم بسبب قيادتها حملات ضد النائبة إلهان عمر لمنعها من لعب أي دور في الكونغرس. وقال إن من شأن هذه الحملات أن تزيد من رغبة إلهان وزميلاتها في الحزب الديمقراطي في محاسبة السعودية داخل الكونغرس[10].

وتروّج الإدارة الأمريكية للرواية السعودية الإماراتية بأن مصالح الولايات المتحدة على المحك بسبب "سيطرة إيران ومليشياتها على اليمن"، لكن إلهان عمر اعتبرت مرارا أن "هذه حرب اختيارية، ويجب السيطرة على مبيعات الأسلحة وعدم بيعها لمنتهكي حقوق الإنسان مثل السعودية"، تطبيقا لقانون ليهي المعروف.

ورغم أن التحالف السعودي الإماراتي ضخ ّأموالا في حملات لتشويه سمعة إلهان وإفشال خطة محاسبة السعودية، فإنه أخفق في إقناع الأمريكيين بجدوى الحرب بعد أن وافق الكونغرس يوم الخميس الماضي على اقتراح قانون يُنهي الدعم العسكري الأمركي لحرب السعودية في اليمن.

أما حملات الإسلاموفوبيا الممولة سعوديا وإماراتيا فقد تؤدي إلى نتائج عكسية، إذ يعتبر البعض أنها تحشد أشخاصا مثل باتريك كارلينو لاستهداف المسلمين بشكل عام.

ويحذر آخرون من أن الشحن الإعلامي الممارس ضد المسلمين اليوم في الغرب قد يؤدي إلى محرقة جديدة يصبح فيها المسلمون "يهودَ" القرون الماضية. فالنازيون عندما ارتكبوا الهولوكوست لم يقرروا ذلك فجأة، إنما بعد تاريخ طويل من تأصيل صورة نمطية في الأدب الأوروبي والثقافة الشعبية عن اليهودي المرابي الفاسد الجشع والساعي دوما لأكل أموال الناس.

المصادر: 


قد ينال إعجابكم