بورتريه

البشير من القصر إلى الأسر.. رحلة بين الإنقاذ والاقتلاع

أمين حبلّا

في كتاب البشير ثلاثون سنة أقامها في القصر الجمهوري بعد أن قدِم إليها على ظهر انقلاب عسكري أطاح بحكومة الصادق المهدي ورمى به في سجن الكوبري

في سجن كوبر سيبدأ المشير عمر حسن أحمد البشير فصلا آخر من كتاب حياته الممتد على صفحات من السنين بلغت لحد الآن الخامسة والسبعين.

في كتاب البشير ثلاثون سنة أقامها في القصر الجمهوري بعد أن قدِم إليها على ظهر انقلاب عسكري أطاح بحكومة الصادق المهدي ورمى به في سجن الكوبري.

الكوبري الذي أقامه قائد بريطاني حكم السودان لسنوات، شاهدٌ على حقب عديدة من تقلبات الزمن السياسي في السودان، وسَير عجلات الأيام تطوي قادة مقتلعين أو آفلين، وتنشر آخرين ليدوروا في حلقة الزمن قبل أن يأتي عليهم الدور.

وإلى حين كتابة هذا التقرير لا يزال موقع الرئاسة السودانية محتفظا بسيرة عمر البشير مضمّخة بسيل كبير من الأوسمة التي حصل عليها طيلة مسيرته المهنية ومنها: وسام النصر، وسام الصمود، وسام الوحدة الوطنية، وسام 6 أكتوبر/جمهورية مصر العربية، وسام الشجاعة، وسام الخدمة الطويلة الممتازة، قلادة الشرف.

تساقطت تلك الأوسمة واحدة فوق الأخرى، وانهارت الصورة الزاهية التي رسمها موقع الرئاسة الإلكتروني للرئيس المقتلَع من منصبه.

ومن موقع الرئاسة ومن مقرها، تم إسقاط الرجل ونقله من محراب صلاته في مسجد القصر، إلى سجن كوبر حيث سيقيم هنالك حتى تتضح أمور السودان ويعرف الحكام الجدد أي مصير سيحال إليه البشير.. هل هو الإفراج بعد أن تنتهي أزمة تثبيت وتهدئة الشارع الغاضب، أم المحاكمة الداخلية، أم أخرى أكبر من أختيها السابقتين وهي تسليمه إلى محكمة العدل الدولية التي تطالب برأس البشير منذ أكثر من عقد.

 

ابن النيل الأسمر

ولد عمر البشير مع بداية العام 1944 في اليوم الأول من شهره الأول في إحدى القرى التي تغتسل كل صباح بمياه النيل في حوش بانقا بمدينة شندي في ولاية نهر النيل.

وكأبناء السودان أخذ البشير جانبا من المعارف المدرسية القرآنية في الخلاوي والزوايا السودانية، لكنه اختار المؤسسة العسكرية وانخرط في سلكها، يوم كان ذلك ميزة أساسية للشباب العربي في حقبة الستينيات والسبعينيات التي شهدت أوج السيطرة العسكرية على مفاصل الحكم في العالم العربي وانهيار المشاريع المدنية والممالك في كثير من الدول العربية.

في السودان حيث ولد البشير وترعرع وترأس لثلاثين سنة وسُجن أيضا؛ تتعايش قيم وتقاليد وألسنة وأعراق مختلفة، تصطبغ كلها بلون النيل وتتداخل كالغابات الشاسعة الكثيفة، وتبقى الصورة ذات أبعاد مختلفة، يظهر الإسلامي بلبوس عسكري قومي، قبل أن يعود إلى لبوسه الأصلي عندما تنتهي فترة التمويه.

ولد عمر البشير مع بداية العام 1944 في اليوم الأول من شهره الأول في حوش بانقا بمدينة شندي في ولاية نهر النيل

رحلة عسكرية

عمل الشاب العسكري عمر البشير في قطاعات عسكرية متعددة وقيادة مناطق متعددة، كما عمل في عدة بلدان من بينها الإمارات التي عمل فيها ضابطا معارا للجيش الإماراتي الذي كان يومها قيد التشكل.

وفي باكستان أيضا قضى الرجل فترة من عمره المهني في دورة تدريبية، قبل أن يدخل البشير في حسابات قوم آخرين كانوا يعملون من أجل إسقاط نظام الصادق المهدي وإحلال سلطة جديدة عبر انقلاب عسكري دبرته الجبهة الإسلامية القومية في السودان بقيادة حسن الترابي وحبكت كل تفاصليه، وأبلغت البشير بتاريخ تنفيذه على بعد يوم واحد من اليوم الموعود.

هكذا قال الترابي غير موارب وبدون استعارة ولا كناية بعد أن جرت رياح وأمطار في العلاقة بينه وبين البشير.

الترابي: أبلغت البشير بتاريخ تنفيذ الانقلاب على بعد يوم واحد من اليوم الموعود

رجل الجبهة الإسلامية

لا خلاف أن المشير عمر البشير كان في فترة رجل الجبهة الإسلامية في السودان المنشقة عن جماعة الإخوان المسلمين. وإذا كان رجل ثورة الإنقاذ واسمها الأول فإنه أيضا رجل إنقاذ بالنسبة للجبهة في السودان بعد أن كاد انقلابهم العسكري أن يؤول إلى فشل ذريع، إثر تراجع قائده المقترح.

لكن البشير يقدم رؤية أخرى في تصريحات صحفية قبل اقتلاع نظامه بسنين تؤكد عمق وجوده في دائرة صنع القرار الانقلابي وأنه سعى من أجل منع وصول التيار البعثي في الجيش إلى السلطة، حيث كان ذلك التيار أيضا يعد العدة لإسقاط الصادق المهدي.

وكعادته في استدعاء المقدس قال البشير إنه عمل كل ذلك لله. غير أن العلاقة بين الطرفين ساءت بعد ذلك.

 

أحلام الإنقاذ

تُمثل ثلاثينية البشير بالنسبة للسودان عقود السياسات المتقلبة، والسير بين أشواك المشروع الذي فَقد مع الزمن قابلية الإنجاز الداخلي وغرق في الحصار الخارجي.

استطاع عمر البشير أن يحجز لنفسه مكانا سميّا في الذاكرة السودانية، فالعقود الثلاثة جعلته برقصاته وتكبيره وعصاه التي هش بها على السودان طيلة الثلاثين المنصرمة، جعلته اسما لن يبرح التاريخ السوداني قريبا.

كما أن خصومه وأنصاره متفقون على أنه حقق مستوى من النهضة الاقتصادية والتعليمية والعمرانية في السودان ذي الموارد الهائلة، لكن ذلك الإنجاز كان أقل من حاجة السودانيين وكان الصَّرف عليه أكثر مما يبنغي لتحقيق نمو أكثر وأهم وأوسع يحلّق بسلّة العالم العربي لتُطعم جوعها من ثروتها الزراعية الهائلة، وتأمن خوف الصراعات الناهشة في جسمها الغض الأسمر.

تُمثل ثلاثينية البشير بالنسبة للسودان عقود السياسات المتقلبة، والسير بين أشواك المشروع الذي فَقد مع الزمن قابلية الإنجاز الداخلي وغرق في الحصار الخارجي

تحت الحصار

لم يكد نظام البشير يخلع ستار التمويه الذي حاول به تضليل العالم سنة 1989 عندما أرسل قادتَه الروحيين -وعلى رأسهم حسن الترابي- إلى السجن حتى أفرج عنهم لاحقا، وبدؤوا يتحكمون في السلطة وكل مفاصلها.

وفي مقابل ذلك بدأ الغرب بشكل خاص يستشعر الخطر تجاه حكومة الإنقاذ التي بدأت تخط لنفسها معسكرا سياسيا وفكريا يشمل الإخوان المسلمين بطبعاتهم العالمية المختلفة وإيران وحتى زعيم القاعدة أسامة بن لادن الذي استضافته الخرطوم لفترة قبل أن يتم ترحيله في طائرة شحن مرت فوق الأجواء السعودية وهي متجهة إلى أفغانستان، فيما كان الوداع مئة دولار لا أكثر تسلمها بن لادن في المطار هدية من البشير، وبقيت ثروة بن لادن التي تقدر بعشرات الملايين من الدولارات فوق أرض السودان، الذي دفع لاحقا لسنوات ثمن استضافة ابن لادن.

استضافت الخرطوم زعيم القاعدة أسامة بن لادن لفترة ودفعت لاحقا لسنوات ثمن استضافته

الشريعة والسودان

بين الشريعة والسودان سعى البشير لتطبيق نموذجه السياسي في الحكم، وكان الحرص على الشريعة وتطبيقها آخر وصايا البشير قبل أن ينقله رفاقه إلى السجن ويُلحقوا به أخويه وعددا كبيرا من قادة حزبه، وفقا لتسريبات إعلامية.

طبّق البشير نموذجه الذي يراه الشريعة الإسلامية عبر فرض نظام إسلامي يعتمد على تطبيق الحدود وعلى نظام جباية للزكاة، ووجد المدُّ الإسلامي العالمي في البشير وحركته السياسية حاضنة عميقة استطاعت أن تحوّل السودان –على الأقل في الفترات الأولى من حكم الإنقاذ- إلى منطقة للتكوين والتأطير، ومحشد سياسي واسع عبر ما يُعرف بالمؤتمر الشعبي الإسلامي الذي استقطب عددا كبيرا من معارضي الزعامات السياسية والعربية.

ومع الزمن بدأ النموذج السياسي الذي يقدمه البشير وجماعته على أنه الشريعة الإسلامية يفقد ألقه، إذ لم يطعم السودان من جوع تمدد في كل مناطقه وربوعه، ولم يؤمنهم من خوف سرى في العديد من أوصاله وعروقه، رغم أن البشير استطاع حل أطول حروب السودان وأكثر صراعاته فظاعة بعد استقلال جنوب السودان عن بقيته.

كما استطاع أيضا تجاوز أزمة دارفور وحل العديد من مشكلاته، لكنه عبَر إلى ذلك الحل عبْر بحر من الدماء لينال قبل الوصول إلى ضفة السلام مذكرة اعتقال دولية، وسلسلة طويلة من الاتهامات بارتكاب مجازر حرب وجرائم ضد الإنسانية أو المسؤولية عنها.

طبّق البشير نموذجه الذي يراه الشريعة الإسلامية عبر فرض نظام إسلامي يعتمد على تطبيق الحدود وعلى نظام جباية للزكاة

في مواجهة الخطر

لم تخلُ فترات البشير من أزمات قوية كادت أن تعصف بسلطانه، فقد واجه محاولة انقلابية قوية أوشكت على إسقاط نظامه، لكنه واجهها بحزم قوي وأحال قادتها إلى القضاء العسكري الذي حكم عليهم بالإعدام ونُفذ فيهم بشكل وصف بغير الإنساني وبالتعسف الرادع لأي محاولة أخرى.

غير أن ذلك لم يمنع من ظهور محاولات أخرى سنة 2013 نال أصحابها أيضا أحكاما بالسجن، إضافة إلى محاولات عديدة أخرى تم وأدها في المهد، وتسربت إلى الأخبار بعد انتهاء السيطرة عليها.

أما الثورات والغضب الشعبي في السودان فلم يخفّ حراكه، خصوصا منذ العام 2013 بعد أن كاد الربيع السوداني يقضي على سلطة البشير الذي دعا يومها الشعب إلى وثبة حضارية، وتحولت تلك الوثبة إلى "مسخرة" لدى الشارع الغاضب.

عاد الربيع السوداني من جديد عبر حراك تداخلت فيه أبعاد الأزمات الداخلية والخارجية، وكان الجوع والسأم من إنقاذ تحوّل إلى مأساة؛ شعاره الأساسي.

حاول البشير منذ حوالي ثلاثة أعوام قراءة الأبعاد الدولية في أزمة السودان، فقطع العلاقة مع إيران وأحال إلى الفتور العلاقة مع حماس بعد أن كان السودان أهم مراكزها الأساسية دعما وإسنادا واحتضانا.

وارتمى في أحضان السعودية والإمارات بعد أن لاحظ حجم الاختراق الذي وصلت إليه القوى الاستخباراتية في البلدين للمحيط القريب منه، وهو ما يؤكده فرار مدير مكتبه طه عثمان إلى السعودية ثم عمله بعد ذلك مستشارا في وزارة الخارجية السعودية مكلفا بالملف الأفريقي.

سار البشير بسرعة إلى الحضن الإماراتي، وتم إرساله إلى دمشق كترويض له على السير في الركب الجديد (وفقا لتقارير إعلامية). كما تم رفع الحصار عن السودان بشكل جزئي بعد فترة من التقارب والتفاوض مع الولايات المتحدة.

لكن تلك الحلول كانت مجرد طبيب لمريض يحتضر أو بعد الموت حتى. أدرك البشير متأخرا أنه غرق في تيارات متعددة، فلم تعد أمواج الإخوان والشعارات الدينية التي رفعها قادرة على هز جبال الأزمة السياسية.

أخذت جماعة البشير في التآكل، فكبار مستشاريه ومفكري حركته الذين انحازوا إليه في مواجهة الترابي انفضوا عنه في السنوات الأخيرة، وبدؤوا يدعون إلى تفكيك حزبه وإعادة تشكيل نظامه.

والقادة العسكريون الذين جمعهم من أقطاب وأطراف متعددة سرعان ما انفضوا عليه بدوافع مختلفة أبرزها مخافة أن يجرفهم السيل الذي تدفق نحو الرئاسة السودانية.

سار البشير بسرعة إلى الحضن الإماراتي، وتم إرساله إلى دمشق كترويض له على السير في الركب الجديد

في الكوبر

يُعرف عن سجن كوبر الذي يأوي إليه البشير رفقة اثنين من أشقائه بأنه سجن السياسيين أو السجن ذو النجوم الخمسة مقارنة بما يعرف ببيوت الأشباح السودانية التي يروي عنها المعتقلون السياسيون روايات مروعة من التعذيب. والبشير وفق خصومه متهم بممارسة أو رعاية التعذيب ضد السياسيين.

في سجن كوبر سيجد عمر البشير فرصة للتأمل، فآلاف السودانيين يرجمونه بالسباب والاتهام، وكأي زعيم عربي لا شك في أنه سمع ترانيم المديح طوال الثلاثين سنة الماضية، وككل الرؤساء العرب وجد البشير أكثر من فرصة ليغادر السلطة ويعيش معززا مكرما تاركا لغيره تجريب حظه في إدارة متناقضات السودان، لكنه اختار ذات المصير الذي سقط فيه رؤساء وزعماء عرب آخرون، وكأن لا منجاة لحاكم عربي من النهايات المأساوية، إلا الذين آمنوا بالديمقراطية وقليل ما هم.

بين صفحات الأيام بالنسبة للبشير تناقضات كثيرة، فالرجل في نظر أجيال كثيرة وخصوصا من أبناء سياقه الفكري رجل إصلاح وتضحيات وزعيم عربي خدم الإسلام والإسلاميين. وهو في نظر المتظاهرين الذين أسقطوا نظامه مجرد رئيس عربي لم يستطع قراءة خارطة شعبه وصمّ أذنيه عن الحقائق المرة التي يكتوي بها السودانيون.

وبين القصر والأسر يعيش البشير والسودان معا رحلة أخرى على أمواج الثورة والجوع والترقب.

Article Ad

قد ينال إعجابكم