بورتريه

السادات .. ممثلاَ!

ياسر ثابت

في كتابه "البحث عن الذات" يحكي لنا الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات تفاصيل أول مرةٍ دخل فيها السينما في حياته، فيقول له: "كان ذلك يومـًا عصيبـًا.. فقد شاهدت قطار سكة حديد قادمـًا من أقصى الشاشة ومندفعـًا بسرعة مذهلةٍ نحوي.. ماذا أفعل؟ أغمضت عيني ورجعت بجسدي إلى الوراء.. ولكن صوت القطار ما زال يدور في أذني، ففيم الانتظار. قمت لتوي من مقعدي، وبسرعةٍ رحت أخترق الصفوف مهرولًا في طلب النجاة. ولفت نظري أن الناس كلها قابعةٌ في مقاعدها وكأن شيئـًا لم يحدث. هذا شأنهم، قلت في نفسي.. ولكن بمجرد أن بلغت نهاية الصف وعيناي قد تسمرتا على الشاشة لم أجد القطار.. وجدت بدلًا منه رجلًا وامرأة يتناولان الطعام في مقهى صغير، فاخترقت الصف مرةَ أخرى وعدت إلى مقعدي.. أراقب أحداث الفيلم في هدوءٍ كما يفعل الآخرون". كانت للتجربة مفعول السحر على الرئيس المصري الراحل، حتى إنه يضيف قائلًا: "كم انبهرت ذلك اليوم بما رأيت.. وكان من نتيجة انبهاري أن حجزت تذكرة الحفلة التالية من الساعة الثالثة إلى السادسة بعد الظهر.. وتسمرت في مقعدي لأشاهد القطار العجيب مرةً أخرى".

وبعد ذلك بنحو 20 عامـًا، وبالتحديد عشية ثورة 23 يوليو 1952، كان السادات حريصـًا على اصطحاب زوجته الثانية جيهان إلى السينما الصيفية القريبة من منزله لمشاهدة عروض لثلاثة أفلام متتالية. وعندما عاد إلى المنزل حوالي الساعة الواحدة ليلًا، علم من حارس العقار أن جمال عبدالناصر ذهب يسأل عنه مرتين، فأسرع نحو منزل عبدالحكيم عامر ثم قيادة الجيش بالعباسية، حيث كان كل شيء قد تم وسيطر الضباط الأحرار على مقاليد الأمور.

عشية ثورة 23 يوليو 1952، كان السادات حريصـًا على اصطحاب زوجته الثانية جيهان إلى السينما الصيفية القريبة من منزله لمشاهدة عروض لثلاثة أفلام متتالية.

وقد أصبحت حكايته هذه نكتةً تُروى ونادرةً يتناقلها أعضاء مجلس قيادة الثورة فيما بعد.. فما أن يسأل واحدٌ منهم في أي اجتماعٍ: أين أنور؟.. حتى يجد من يجيب ساخرًا: في السينما!

وبحكم حُبِّه للخطابة والتمثيل، بدا طبيعيـًا أن نعرف أنه في السابعة والنصف من صباح يوم 23 يوليو 1952 كان البكباشي محمد أنور السادات يلقي البيان الأول للثورة عقب احتلال مبنى الإذاعة المصرية.

قيل الكثير حول رغبة أنور السادات في شبابه في دخول مجال التمثيل، حتى إن د.غالي شكري يقول: "لم يكن السادات يعشق السينما فقط.. وإنما كان يتمنى أن يصبح من نجومها.. ومنذ فجر شبابه وهو يحلم بالوقوف أمام كاميرات السينما" .

ومع أنه لم يصبح ممثلًا، فإنه ظل أسيرًا لهوايته، حتى عندما احترف السياسة، وهذا رأي يجمع عليه الكثير من أنصاره وخصومه.. بل وباعترافه الشخصي. حتى المراقبون الأجانب لاحظوا عليه ميله الفطري للتمثيل، فتصفه دورين كايز مراسلة محطة التليفزيون الأميركية "إيه بي سي" قائلةً: "... إن موهبة السادات في التمثيل كانت موهبةً فطرية، وكانت تقوده إلى نوع من الأداء التراجيدي- الكوميدي" .

لكن الأهم من ذلك كله هو ما أورده السادات نفسه في مقالٍ صحفي؛ إذ قال: "منذ فجر شبابي وأنا أحس بميلٍ شديد للفن والفنانين وخاصةً التمثيل، ولي في هذا المجال قصصٌ كثيرة" .

أبرز هذه القصص كما يرويها السادات أنه انضم إلى فرقة تمثيلية في مدرسة "رقي المعارف" الثانوية في أوائل سنة 1936، وذلك بعد أن أدى الامتحان أمام المشرف، وكان ممثلًا محترفـًا. ويقول السادات إن هذا المشرف جاء بروايتين، إحداهما درامية والأخرى فكاهية، وإنه "أعطاني دورين أحدهما في الدراما وكان اسمي فيه "جيروم"، والآخر في الرواية الكوميدية وكنت أمثل فيها دور مأذونٍ اسمه "الشيخ عزيز". وما زلت أحتفظ إلى اليوم "بالبروجرام" الذي طُبِع لهذه الحفلة وعليه صورتي كما ترى الآن في كافة "البروجرامات" التي تطبعها الفرق التمثيلية".

لكن قصة السادات مع التمثيل لم تنتهِ عند هذا الحد، فقد قرأ ذات يومٍ إعلانـًا تطلب فيه الفنانة أمينة محمد وجوهـًا جديدة لفيلمها "تيتا وونج" الذي كانت تزمع تقديمه. ويكمل السادات قائلًا: "أذكر أنني توجهت إلى مقر الشركة في عمارةٍ بشارع إبراهيم باشا، حيث جاءت الفنانة أمينة محمد واستعرضتنا جيئةً وذهابـًا، وكنا أكثر من عشرين شابـًا، انتقت منا اثنين وطلبت من الباقين أن يرسلوا لها بصورتين إحداهما "فاس" والثانية "بروفيل"، ولم يكن هذا المطلب إلا زحولة".

"لي أذنٌ موسيقية محضة وفي قوة أحكم بها على الموسيقى. لي ذوقٌ سليم في الحكم على إخراج الروايات وعلى مواضيعها. لي شعرٌ أسود ومجعد ولكنه خشن. وبقية أعضاء وجهي كما في الصورة المرسلة طيه"! هكذا وصف السادات قدراته الفنية.

وتكشف مجلة "فصول" الموجودة في دار الكتب جانبـًا آخر لم يتحدث عنه السادات؛ إذ تقول المجلة في عددها الصادر في أول مايو عام 1935 (بالمناسبة، أُنتِجَ الفيلم بعد ذلك بعامين): "وصلتنا ردودٌ عديدة اخترنا من بينها أصحاب الصور التي يراها القراء على هذه الصفحة وتحت كل صورةٍ مؤهلات صاحبها ومميزاته كما جاءت في خطابه. أنور السادات أفندي، كوبري القبة، شارع أبي وصيف رقم 4. ويقول في خطابه: "أنا شابٌ متقدم للبكالوريا هذا العام، طويل. وسطي رفيع جدًا، وصدري مناسب، وسيقاني قوية مناسبة. لوني ليس كما في الصورة لأنني أغمق من الصورة قليلًا. والآن أصف لكم الجزء العملي: أنا متحكمٌ في صوتي بمعنى الكلمة، فتارةً تجدني أقلد صوت يوسف وهبي، وتارةً تجدني أقلد صوت أم كلثوم، وهذه خاصة أظنها نادرة".

ويواصل السادات وصف نفسه وفق ما نشرته مجلة "فصول"، فيقول:

"لي أذنٌ موسيقية محضة وفي قوة أحكم بها على الموسيقى. لي ذوقٌ سليم في الحكم على إخراج الروايات وعلى مواضيعها. لي شعرٌ أسود ومجعد ولكنه خشن. وبقية أعضاء وجهي كما في الصورة المرسلة طيه"! 

 

هكذا وصف السادات نفسه بالتفصيل على أمل أن يصبح ممثلًا وربما نجمـًا سينمائيـًا، لكن مجلة "روز اليوسف" نشرت خبر سقوط السادات أمام لجنة التحكيم في امتحان التمثيل.

والسينما جزء من برنامج السادات اليومي؛ إذ كان يطلب كل مساء كشف أفلام السينما الجاهزة للعرض، وكانت هناك قاعة للعرض في كل بيتٍ من بيوته أو استراحة من استراحاته، وكانت الأفلام ترسل اليه حتى قبل عرضها على رقابة الأفلام؛ لأنه كان يعتبر السينما تسليته الأساسية. وعادة ما كان يلقي نظرة على كشف الأفلام ثم يخط بالقلم في إشارة إلى اثنين أو ثلاثة منها. وفي نحو الساعة العاشرة مساء يتوجه إلى قاعة العرض ومعه من يتصادف وجوده من أفراد أسرته أو من أصدقائه. وأثناء المشاهدة، كان السادات حريصـًا على احتساء الويسكي.

ويقول أسامة الباز الذي شارك في محادثات كامب ديفيد، إن السادات كان يقضي معظم أمسياته في كامب ديفيد، وهو يدخن غليونه ويشاهد أفلام فريد الأطرش.

وإذا كان الناقد والمؤرخ الفني حسن إمام عمر قد ذكر ذات مرةٍ أنه اشترك مع السادات في التمثيل في المدرسة، فإن هناك شاهدًا آخر على تمثيلية نادرة كان بطلها السادات. هذا الشاهد هو الكاتب الصحفي أنيس منصور الذي روى مرتين واقعة حوارٍ مسرحي كان السادات بطله، وقد تولى تصوير هذه "المسرحية" المصور التليفزيوني محمد جوهر. يقول أنيس منصور:

"سمعت من الرئيس السادات أنه كان يتمنى أن يكون فنانـًا، وعرفت من زملائه في الدراسة أنه كان ضمن فريق التمثيل في المدرسة، وسمعت من الرئيس السادات أيضـًا أنه أخطأ الطريق إلى أمله، وهو أن يكون ممثلًا أو مطربـًا، وقد سمعت السادات يغني وسمعته أيضـًا يرتل القرآن الكريم، فلديه إحساسٌ بأن صوته جميل النبرات". أنيس منصور

"وفي يوم جاء مذيع أميركي اسمه جورداش، وأجرى حوارًا مع السادات، وفجأة قال له: ما رأيك يا سيادة الرئيس لو أننا قمنا بتمثيلية معـًا، أنا أقوم بدور السادات وأنت تقوم بدور مناحم بيغن، وأشار لي أن أقوم بدور ياسر عرفات وأن يكون هذا التمثيل مرتجلًا.

"وتكلم السادات بلسان بيغن مهاجمـًا السادات والعرب، ثم طلب أن يعود على نفسه وأن يرد على كل الذي قاله على لسان بيغن، وضحك السادات.. وإذا به يهاجم بيغن بعنف، ويؤكد لبيغن أن مثل هذا التفكير العتيق لن يحقق السلام بين إسرائيل والعرب؟!

ويضيف أنيس منصور: "ويبدو أن قيامي بدور ياسر عرفات كان ضعيفـًا، فقال المذيع: أنا سوف أقوم بدور عرفات على أن يتولى الرئيس السادات الرد على ما يقوله عرفات، وقال السادات كلامـًا معناه أن عرفات موهوبٌ في إضاعة الفرص، وأن موهبته كما وصفها الدبلوماسي الشهير أبا أيبان: أنه لم يترك فرصةً لإضاعة أية فرصة!

آمن السادات في أعماقه بأنه امتلك مهارة التمثيل والإلقاء الصوتي.

ويقول أنيس منصور: "ثم عاد الممثل أنور السادات يقوم بدور بيغن متوجهـًا بالحديث والنقد اللاذع إلى عرفات. قال الممثل أنور السادات: اسمع يا "مستر" عرفات، إن عندنا أحزابـًا كثيرة متشددة وهي لا تطيق أن تسمع اسمك وترى وجهك.. وخيرٌ لكم أن تقبلوا أي شيء أحسن من اليأس التام في حل قضيتكم. وإذا كان الفلسطينيون قد اختاروك رئيسـًا لهم فلن يقبلوا ذلك طويلًا إذا كان السير وراءك لا يقدم ولا يؤخر.. فأنا أقترح عليك حلولًا مؤقتة وبعد ذلك حلولًا جزئية، ثم تصفية تامة للحسابات الطويلة بيننا.. ولكن حتى لا تدخل في صراعاتٍ لا معنى لها، نحن لا نوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة أبدًا، ونحن لا نوافق على أن يكون في هذه الدولة جيشٌ من أي حجم.. وإذا كانت لك رغبةٌ في أن تكون أكبر فادخل مع الأردن في اتحاد فيدرالي، وفي هذه الحالة لن نسمح مطلقـًا بجيش أردني يهددنا.. وسوف نحارب هذه الفكرة إلى الأبد".

"وصرخ المذيع الأميركي جورادش: عظيم يا "مستر" بيغن عظيم.. والآن نريد تعليقـًا من الرئيس المصري أنور السادات. وفجأة اعتدل أنور السادات، وأشعل "البايب" وقال: بلاش كلام فارغ أنت وهو، تعالوا نجلس معـًا ونتكلم ونتناقش ونتفاوض أملًا في الوصول اليوم أو غدًا إلى حل.. لا بدّ أن يكون حلًا.. والحل هو السلام القائم على العدل.. ولكن قبل تحقيق السلام لا بدّ من الحوار معـًا.. كفى انهض.. وجعت دماغي!

 "وباعتباري المتفرج الوحيد، أشهد أن السادات كان ممثلًا بارعـًا!" .

واظب السادات على مشاهدة أفلام السينما وكان يعشقها.

"وبعد نهاية التمثيلية المرتجلة قال لي جورداش: مصيبةٌ كبرى أن يحكمنا هؤلاء الناس الذين هم أقدر على التمثيل من الممثلين أنفسهم!

"ونقلت رأي جورداش إلى الرئيس فقال لي: هات ميكروفونـًا وضعه أمام أي إنسان سوف يفتح فمه، فإن كان أمامه شخصٌ واحد فسوف يتحدث إليه، وإن كان أمامه عشرةٌ فسوف يحاورهم، وإن كانوا ألفـًا فسوف يخطب فيهم.. هذا قدرنا"!

ولنا أن نتساءل عن مصير هذا الشريط المسجل، وهل يمكن أن نشاهده يومـًا، أو حتى نستمع إليه؟!

قد ينال إعجابكم