بورتريه

الوزير .. البريء .. البوّاب

أسامة صفار

بعد ولادته بعام واحد خاض أحمد زكي معركة طويلة وقاسية امتدّت حتى كهولته ولم تترك جزءا في نفسه من دون أثر لجرح، وكان هدفه منها أن يتحول من شخص خفي إلى مرئي. فالشخص الذي يشعر أن والدته لا تراه يصبح من الصعب عليه أن يصدق أن شخصا آخر يراه.

تلك الأم التي ظلّت سرا مريرا في حياته حتى تجاوز الخمسين من عمره فقد رفض أن يزورها أو يراها حين تزوره، كان أحمد زكي يقف - نفسيا - عند سن السابعة إذ رأى والدته للمرة الأولى فقد تزوجت بعد وفاة والده وتكفّل به جده حتى مات فأصبح الولد الصغير ضيفا لدي بيوت الأقارب وغريبا دائما.

وظل الجرح يكبر في روحه وترك حزنا أعمق من أن يستطيع تجاوزه، ترك غضبا رافق الرجل حتى في حالات الرضا التام عن نفسه.

أخرج كل ذلك الغضب وكل تلك الطاقة في " أدوار" دعمتها الدراسة الأكاديمية وجعله الشعور المزمن بالظلم يتقن الدور ويعايشه في كل مرة.

ولعلّ القيمة الحقيقية للفنان الذي رحل في 27 مارس 2005 لا تكمن في تقديم أدوار لشخصيات تاريخية عاصرها جزء من الجمهور وأخرى رحلت مبكرا مثل طه حسين والرئيسين أنور السادات وجمال عبد الناصر، لكنها تلك القيمة النابعة من "أحمد سبع الليل" في فيلم البريء للمخرج الراحل عاطف الطيب ومن "علي" في فيلم "الحب فوق هضبة الهرم" المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ بالاسم نفسه وغيرهما.

وعبر ثلاثين عاما شكّل ملامح بطل اعتبرته جموع المصريين واحدا منهم حيث جسّد أولئك البسطاء الذين تميل بشرتهم إلى السمرة ويتميزون بشعر مجعد ويعيشون بأفراح بسيطة وأتراح لا تنتهي.

البيه البواب

كان أحمد زكي بطلا لتراجيديا مصرية خالصة تؤكدها ملامحه، حيث ذلك الفتى الأسمر ذو الشعر المجعد، حاد النظرة، الذي تميزّه نحافة نتجت عن فقر وسوء تغذية في الصغر، وتكسو ملامحه أحزان عمر يجرّها معه أينما ذهب.. فقد نشأ أحمد زكي ابن قرية الحسينية بمحافظة الشرقية (في دلتا مصر) المولود في 18-11-1949 يتيم الأب، وربّاه جده بعد زواج أمه التي لم يرها إلا في سن السابعة.. وبين بيوت الأقارب عاش غربته الخاصة وتعلم التأمل من الصمت الذي فرضته عليه غربته، فاختار أدواره بعناية خاصة، وعاشها وعايشته بشكل جعل انبهار الجمهور والنقاد به لا ينقطع.

حصل الفنان الراحل على دبلوم مهني يؤهله للعمل في ميكانيكا السيارات، وأثناء دراسته الثانوية استطاع أن يعتلي خشبة المسرح ليغادر صمته بالانطلاق في الكلام والصراخ، وأخرج عددا من المسرحيات، ونصحه البعض بالالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة ليتخرج فيه بامتياز عام 1972، وهو العام نفسه الذي شارك فيه بمسرحية "مدرسة المشاغبين" الشهيرة مع كل من "عادل إمام" و"سعيد صالح" و"يونس شلبي" و"هادي الجيار" الذي كان زميلا له في نفس دفعة الدراسة، وكانت هذه المسرحية الهزيلة بمثابة نقطة الانطلاق لبدء نجومية معظم من شارك فيها.

رشح أحمد زكي الذي حمل ثقته في نفسه معه منذ البداية لبطولة فيلم "الكرنك"، وكانت البطلة أمامه "سعاد حسني" التي كانت في قمة نجوميتها في ذلك الوقت. وبعد توقيع عقد الفيلم وفي أول أيام التصوير اكتشف أن أكبر موزع للأفلام في العالم العربي حينها "رمسيس نجيب" قرّر استبعاده، فصدم وتحول من يومها إلى كتلة من الأعصاب المتوترة بشكل مستمر، وأقسم يومها أن كل من استبعده من هذا الفيلم سيندم.

وجاءت الفرصة التالية في "شفيقة ومتولي" مع سعاد حسني أيضا، وانطلق أحمد زكي ليقدم مع المخرج "محمد خان" مجموعة من أهم أفلامهما معا، بدأت بـ"موعد على العشاء" مرورا بـ"زوجة رجل مهم" الذي قدّم فيه شخصية ضابط أمن دولة مصري تجاوزته المرحلة، وكانت الحرفية الشديدة التي قدّمه بها بمثابة برق في ظلمة الإهمال الذي يعاني منه الأداء التمثيلي في ذلك الوقت، وأخيرا قدمّا معا فيلم "السادات" الذي أثار لغطا كبيرا قبل تقديمه، باعتبار السادات نفسه "رئيسا وشخصية" يثير الجدل حوله من كل الاتجاهات، ثم أثار الفيلم نفسه جدلا حول مستواه الفني الذي جاء مخيبا للآمال.

أحمد زكي مع سعاد حسني

وإذا كان أحمد زكي قد عبر عن توجهاته السياسية في حياة السادات، وأكدّ اختلافه معه وطالبه بتبرير اعتقال 1500 مفكر مصري في ليلة واحدة، فإنه وبعد رحيل السادات بسنوات طويلة خاض معركة مشابهة ليقنع الآخرين بأنه "مشخصاتي" وتقديمه للسادات لا يعني اتفاقه معه، ولكن يعني أن شخصيته ثرية بما يكفي لإغراء الممثل بتقديمها.

وتألّق أحمد زكي مع المخرج عاطف الطيب بشكل مدهش حيث قدمّا معا أفلاما منها "ضد الحكومة" و"الهروب"، وبينما قدم في الأول شخصية محام منحرف لامسته نار الانحراف فاستقام ثم ثار على الفساد، وقام برفع دعوى قضائية على الحكومة بأكملها بسبب حادث أصيب خلاله عدد من الفتيان بينهم ابن له لم يكن يعلم بوجوده.. ففي فيلمه "الهروب" قدم دورا لمنحرف من نوع آخر، حيث يدافع عن شرفه خارج إطار القانون بعدما خانته زوجته فقرر قتلها وقتل عشيقها.

أما أبرز أفلامه مع عاطف الطيب فكان "البريء" الذي أثار عاصفة من الأزمات قبل وأثناء عرضه، فقد اعترضت الرقابة عليه، وتشكلت لجنة من ثلاثة وزراء للتصريح به، وبالفعل تم تغيير نهايته، وإن تسربت بعض النسخ بالنهاية التي صنعها مخرجه وبطله.

وفيلم "البريء" يحكي عن جندي أمن مركزي شديد البساطة والبراءة والجهل يلقن بعد التحاقه بالتجنيد الإجباري ما يفيد أن كل المعتقلين أعداء للوطن، وبالتدريج يفهم أن هؤلاء هم ضمير الوطن وليسوا أعداءه، فينقلب ضد من لقنّوه بعد فوات الأوان وينتهي الفيلم بطلقات كثيفة من مدفعه الرشاش في جسد قائده، وهي النهاية التي اعترضت عليها الرقابة، فتم الاكتفاء بصرخة مدوية من الجندي لدى استقبال المعتقل الذي يقوم بحراسته دفعة جديدة من "أعداء الوطن".

لقطة من فيلم "البريء"

ولعل الخطورة الحقيقية في هذا الفيلم تكمن في أن القصة لم تكن إلا إسقاطا على واقع الشعب المصري في الفترة التي أبرمت خلالها معاهدة كامب ديفيد، وكيف أفاق على كارثة تضاؤل الوطن وتحولّه إلى مسمى آخر سواه.

كان أحمد زكي الذي قدّم شخصية "أحمد سبع الليل" في فيلم "البريء" قد انتهى من تقديم كل ما يمكن أن يخطر على ذهن ممثل يهوى التحدي، خاصة بعد أن قدّم مع المخرجة المصرية "إيناس الدغيدي" أفلاما خفيفة مثل "إستاكوزا"، ومع محمد خان "كابوريا" الذي حقق رقما قياسيا في إيرادات الشباك، فأنهى -كما أكد هو نفسه - مرحلة إثبات وجوده، ليبدأ في الاستمتاع بأدوار نوعية يختارها هو بنفسه.

وكان في بداياته قد حقق نجاحا ملموسا - اعتبره بدايته الحقيقية - بتجسيد شخصية الدكتور طه حسين عميد الأدب العربي، فاستهواه تجسيد حياة المشاهير، وبدأ بشخصية قائد ثورة يوليو "جمال عبد الناصر"، وحقق فيلم "ناصر 56" نجاحا كبيرا وأعاد للأذهان حماس الشعب المصري وحلمه الكبير بعد الثورة والذي تحول إلى كابوس فيما بعد، فأراد أن يجسد شخصية "السادات" وقدمها في الفيلم الذي كتب له أكثر من سيناريو حتى استقر على ما كتبه "أحمد بهجت" الكاتب بجريدة الأهرام القاهرية.كما كان يطمع في تقديم سعد زغلول زعيم ثورة 1919 وأحمد عرابي ومبارك.

أما العندليب الأسمر "عبد الحليم حافظ" فقد كان حلما كبيرا أراد أحمد زكي أن يجسد من خلاله قصة حياته أيضا، والتي تشابهت في كثير من فصولها مع حياة المطرب الأسمر ابن المحافظة نفسها، والذي عانى نفس مشاعر اليتم والفقر والحاجة مثله.

قد ينال إعجابكم