بورتريه

بارك تشان ووك .. المخرج الفيلسوف

آية عبد الحكيم

"كمخرج سينمائي دائمًا ما أتلقى ذات السؤال: "أيهما الأصعب: مرحلة كتابة السيناريو، أم مرحلة الإخراج؟" ودائمًا ما أجيب أنه لا شئ صعب. أنا أستمتع بكل خطوة في العملية، أستمتع بكل جانب، وبكل التفاصيل. إن كان هناك شئ واحد أجده شاقًا فهو ما نفعله الآن: الدعاية." من لقاء صحفي للمخرج الكوري (بارك تشان ووك).

في عام 1986 أقر تعديلٌ لقانون الصور المتحركة في كوريا على أن يسمح لشركات إنتاج وتوزيع الأفلام الأجنبية بعرض أفلامهم مباشرة في كوريا دون الحاجة لوسيط محلّي. رأى مثقفو كوريا في الأمر اعتداءً مباشرًا على صناعة السينما الكورية التي كانت تعاني بالفعل من الرقابة الديكتاتورية الصارمة التي جعلتها أقرب للوثائقيات الدعائية للنظام. امتدادًا لحركات المقاومة الثقافية نشأت موجة سينمائية جديدة تحاول الربط بين الدراما والمجتمع المتغير. لم يكن (بارك تشان ووك) من أوائل مخرجي الموجة الجديدة، وإن كان من أشهر من استفادوا منها على صعيد تطور الصناعة، وتغير نظرة العالم للسينما الكورية عقب تجارب من سبقوه.

لسنواتٍ عديدة كان (بارك تشان ووك) وشقيقه الأكبر يحلمان سويًا بصناعة الأفلام، ويخططان لأن يصيرا كالأخوين (كوين)، لكن شقيقه آثر دراسة الفن، وترك (بارك) لدراسة الفلسفة تارة، وكتابة النقد السينما تارة، إلى أن شاهد فيلم Vertigo وقرر أن يصبح صانعًا للأفلام. عمل في البداية كمساعد مخرج لعددٍ من مخرجي الموجة الجديدة في السينما الكورية، إلى أن قدم أول أفلامه عام 1992 بعنوان  The Moon Is... the Sun's Dream وهو عنوان شاعري لفيلمٍ لا يشبه أفلام (بارك) التي سيصنعها لاحقًا. لكن أحداً لم يلتفت له حتى قدّم فيلم Joint Security Area عام 2000  الذي صار أنجح أفلام كوريا حتى حينه.

بارك تشان ووك مع أبطال فيلم stoker

الانتقام كسردية درامية

قدّم (بارك) للسينما أشهر أفلامه Oldboy عام 2003، واستطاع أن يقتنص به جائزة النقاد الكبرى في مهرجان (كان) بالإضافة إلى ترشيح للسعفة الذهبية. لحين صدور الفيلم كان عددٌ من المخرجين الكوريين استطاع الوصول للمهرجانات العالمية، لكن الأمر ظل مغلقًا بعض الشئ على نجاحهم نقديًا لا جماهيريًا، لكن فيلم (بارك) حقق النجاحين، ولفت الأنظار لفيلمه السابق Sympathy for Mr. Vengeance. ثم تمم (بارك) ثلاثيته بفيلم Lady Vengeance عام 2005. تتناول الثلاثية شخصياتٍ مختلفة، ولا رابط بينها عدا حبكة الانتقام التي يستخدمها (بارك) لا كفكرة رئيسية للفيلم، لكن كإطارٍ لسرد حكايات أبطاله.
في الأول كان بطله أصم أبكم تم استغلاله من قِبل أحد تجار الأعضاء البشرية، ولينقذ شقيقته المريضة يخطط برفقة صديقته لأن يختطفا الابنة الصغرى لأحد الأغنياء مطالبين بفدية ضخمة تكفل للبطل ما يلزمه من مال. لكن  الأمر يسير بشكلٍ خاطئ تمامًا وتتصاعد الأحداث من سئ لأسوأ في مجموعة من المنعطفات الدرامية المفاجئة التي يمكن اعتبارها إحدى العلامات المميزة لسينما (بارك)، إلى جانب العنف المبالغ به أحيانًا، والصورة السينمائية الملونة المميزة، والطابع الفني الأوبرالي إلى حدٍ بعيد.

في أشهر أفلامه Oldboy والمقتبس بتصرف عن رواية مصوّرة يُسجن البطل خمسة عشر عامًا دون أن يدرك سببًا لسجنه. لا يتم هذا السجن عن طريق سلطات قضائية، لكن شخصًا مجهولاً تمامًا احتجز البطل، وبعد خمسة عشر عامًا من السجن أطلق سراحه. كانت الضرورة الدرامية لخلق أحداث بالفيلم تتطلب وجود البطل طليقًا، فإن كان احتجازه انتقامًا كافيًا منه، فإطلاق سراحه الآن تحديداً ليبحث عن سبب الاحتجاز انتقام أقوى. مجدداً يصنع (بارك) عدة حبكات ملتوية، وعنفًا مفاجئًا من خلال صورة فنية مبهرة تجعل الجميع يقع في هوى الفيلم ويبحث عن مبررات منطقية لتصرفات أبطاله غير المنطقية.

في الثالث اختار (بارك) أن يجعل بطلته أنثى. شابة اعترفت بارتكابها جريمة قتل لطفل بعد أن اختطف القاتل الحقيقي طفلتها وهددها. تقضي طيبة القلب السيدة (جيوم جي) ثلاثة عشر عامًا في السجن تخطط لانتقامها. وفي السجن تكوّن صداقات عديدة مع زميلاتها وحتى مع من يعملون فيه، ليساعدها الجميع على انتقامها بعد خروجها. تلك الصداقات وتعمقها يسرده (بارك) بصريًا كحكايات تتخلل أحداثه الرئيسية بحسٍ كوميدي غير مفتعل وسوداوي أحيانًا. يستغرقه بعض الوقت قبل أن يقابل مشاهدوه القاتل الحقيقي ليمنحهم مساحة كافية للتعلق بشخصية بطلته والتعاطف معها. في بوستر الفيلم تبدو البطلة –رغم ظل جفونها الحمر القانية- كأيقونة ملائكية الملامح، فخلَقت بتناقض قسوتها بعد خروجها من السجن، وبراءتها قبل دخوله، سببًا للاهتمام والمتابعة.

بالنسبة لـ (بارك) فالانتقام ذاته عبثي. فعلٌ يفسد الحاضر والمستقبل بعد أن فسد الماضي وانتهى أمره، ‏ورغم أن أبطاله يستنزفون أنفسهم تمامًا في مخططاتهم الانتقامية، إلا أن (بارك) نفسه يود لو في ‏نهاية الفيلم أدرك مشاهدوه أن الانتقام لم يكن ذا جدوى، حتى وأحداث فيلمه تستدر تعاطفهم مع أبطاله بغض النظر إن كانوا طيبي الفيلم أم أشراره، ورغم اهتمامه بأبطاله وتفاصيل شخصياتهم، إلا أنه يرى أن أهم ما بالفيلم هو سرديته. القصة والشخوص في نظره بذات الأهمية، لكن يسبقهم دومًا السردية التي يحكي عبرها القصة ويعرض من خلالها الشخصيات، وسرديات (بارك) إن كانت الانتقام أو مخططات القتل أو النصب، فإنها تبدو دومًا مختلفة عن الحبكات المعتادة، وطابع (بارك) الجماليّ يغلب عليها فيزيدها خصوصية.

المخرج الكوري بارك تشان ووك

معالجات فضفاضة

لا يفضل (بارك) تقسيم أفلامه بين "أصلية" و "مقتبسة"، لكن بالنسبة له فحتى أفلامه التي لها أصول مكتوبة من قبل سواء كانت رواية مصوّرة أو رواية عادية أو مسرحية، فكلها عالجها هو بطريقته الخاصة وبما يتناسب مع السينما كوسيطٍ للعرض. قد يغير في دوافع أبطاله، قد يغير في ترتيب الأحداث بما يتلاءم مع خلق الإثارة أو المنعطفات الدرامية التي يجيد تقديمها. يخلق مادة مصوّرة جديرة بالمشاهدة من عملٍ مكتوب قد يتلقاه كل قارئ بشكل مختلف، فيصنع منه هو نسخته الخاصة.
أحد معالجاته الدرامية لأعمال مكتوبة من قبل كان فيلم Thirst عن رواية للكاتب (إميل زولا) يُجسّد فيه صراعًا أخلاقيًا لقسٍ مسيحي تحوّل إلى مصاص دماء. يصعب إدراج الفيلم في فئة الرعب بشكلٍ حصري –ككل أفلام بارك العصيّة على القولبة- لكنه يصنع من بذرة الرعب التي تكمن في فكرة (مصاص الدماء) مزيجًا غريبًا من الكوميديا، والعلاقات الجنسية الشهوانية، ثم الجريمة والجنون. لم يكن الفيلم أنجح أفلامه، لكن معالجته الاستثنائية مع سوداوية الصورة السينمائية المقبضة تجعله جديراً بالمشاهدة. أبطاله يحملون مزيجًا مدهشًا من الواقعية، وشخصيات الرسوم المصوّرة بأيقونيتها.

المعالجة الأهم –بعد فيلمه Oldboy- والأحدث كانت في فيلمه الأخير The Handmaiden عن رواية للكاتبة الإنجليزية (سارة ووترز). تدور الرواية حول نصاب يستعين بخادمة صغيرة ليوقع بسيدة أرستقراطية غنية في حبه، ليتزوجها ويتمكن من إرثها. نقل (بارك) الأحداث ما بين كوريا واليابان، ورسم لأبطاله خطوطًا درامية تلائم المكان والزمان، وقسّم فيلمه لثلاثة أجزاء يكشف فيها تدريجيًا المؤامرات المتعددة والحقائق التي تقلب مسار الأحداث مرة تلو الأخرى، مع علاقة مثلية تنشأ بين البطلتين فتربك مخططات شخصياته. يتجلى في الفيلم ابتعاد (بارك) عن العنف المعتاد، في حين يطغى الجانب الجمالي المبدع في رسمه لتفاصيل كادراته وخلجات أبطاله. كل مشهد في الفيلم ينطوي على لوحة فنية بديعة، ورغم جمال صورته لم تُظلم شخصياته أو أحداثه، فخرج الفيلم متماسكًا دراميًا، مفاجئًا، وممتعًا بصريًا وسرديًا.

لقطة من فيلم Oldboy.jpg

ثنائية الكتابة، ووحدة الفيلم

منذ قدّم (بارك) فيلمLady Vengeance  وهو يتبع تكنيكًا معقدًا للكتابة، إذ يكتب أفلامه مشاركة مع الكاتبة الكورية (جيونج سيو-جيونج). في أفلامه الأول كان يفضل التشاور مع من حوله، منتجيه، أصدقائه، وكل من يثق بآرائهم، لكنه منذ تعرف على (جيونج) وهو يكتب معها في ذات الوقت. يوصل (بارك) جهاز كمبيوتر  واحد بشاشتين، ولوحتي مفاتيح، ويكتب كل منهما على نفس الصفحة كل ما تجود به قريحته. إن أعجبت الفقرة الآخر أكملها أو طلب من صاحبها إتمامها، وإن لم تعجبه مسحها. يظل كلاهما عاكفًا على الكتابة والمحو حتى يصلا إلى عملٍ مشترك لا يستطيعان تمييز أيهما كتب جمله الحوارية. ينتجان على غرابة أسلوب الكتابة قطعًا فنية محكمة متوحدة لا شتات فيها. بعدها يبدأ (بارك) في الاعتكاف على النص واضعًا لمساته الأخيرة، مشبهًا نفسه بمن يمنح لوحته ألوانها النهائية.

لكن في تجربته الأمريكية الوحيدة Stoker الذي أخرجه عام 2013 لم يشارك في الكتابة كعادته القديمة، ولم يستعن بشريكته (جيونج) لكنه ترك الكتابة بالكامل للأمريكي (وينتوورث ميلر). أفلام (بارك) تنال دومًا مشاهدات جماهيرية عالمية، ولا يوجهها بشكلٍ خاص للجمهور الكوري، ولهذا حرص حتى في فيلمه الأمريكي على ألا يجعله أمريكيًا تمامًا، فتجنب الإشارة للمكان الذي تدور به الأحداث حتى وإن أدركنا أنه في أمريكا، وجعل الفيلم بالنهاية عن شخصياته وجنونها دون الاهتمام بأمريكيتها. البطلة الصغيرة (إنديا) يموت والدها في حادث سيارة ليظهر شقيقه الغامض (تشارلي) الذي يتمكن في وقتٍ قصير من إثارة اهتمام (إنديا) وأمها. لكن (تشارلي) و(إنديا) كلاهما يخفي أسراراً مثيرة تظهر –كعادة (بارك)- كصدمات درامية مفاجئة.

لا زال (بارك) وخاصة بعد فيلمه الأخير The Handmaiden يؤكد على أن بجعبته الكثير، وأنه لا يمكن قولبة أفلامه ضمن فئة محددة، فأفلامه لا تنتمي للدراما الخالصة، ولا للعنف المطلق، وليست ذات طبيعة مغوية وصورة مبهرة في حد ذاتها، لكن مهارته الحقيقية تكمن في قدرته على دمج كل الأنواع المعتادة لينتج عنها فيلم فريد له طبيعته الخاصة والمميزة، وسرديته المختلفة الجذابة.

 

قد ينال إعجابكم