بورتريه

بليغ حمدي.. شاعر الموسيقى

ياسر ثابت

يبدو بليغ حمدي كما لو أنه شاعر الموسيقى، الذي يمارس الحُبَّ وفي فمه وردة! إنه الدرويش، المهمل لهيئته، خفيض الصوت، الذي يقطر موهبة وعذوبة.

أثرى بليغ حمدي (1931- 1993) الموسيقى والغناء في العالم العربي، حيث وصل إنتاجه إلى نحو 1300 أغنية، إضافةً إلى الأغنيات والموسيقى التصويرية في الأفلام والمسرحيات والمسلسلات الإذاعية. غنت لبليغ أصوات من معظم الدول العربية، في مقدمتهم: عبد الحليم حافظ، وأم كلثوم، ونجاة، وفايزة أحمد، وشادية، وصباح، ومحمد عبد المطلب، ومحمد رشدي ومحرم فؤاد، ووردة الجزائرية، وعفاف راضي، وميادة الحناوي، وعشرات غيرهم.

ما يميز بليغ أنه لحَّن جميع الألوان الغنائية من رومانسية أو شعبية أو وطنية أو قصائد أو حتى ابتهالات دينية، مثل مجموعة ألحانه للشيخ سيد النقشبندي أشهرها «مولاي»، بل وحتى أغاني الأطفال مثل أغنية «أنا عندي بغبغان».

 

 

التحق بليغ بكلية الحقوق، وفي الوقت نفسه التحق بشكل أكاديمي بمعهد فؤاد الأول للموسيقى (معهد الموسيقى العربية حاليـًا) وقد حباه الله سواء في مرحلة الدراسة الثانوية أو الجامعية رفقة من الفنانين شكَّلوا بعد ذلك علامات في الموسيقى والغناء من بينهم الموسيقار صلاح عرام والمطربة فايدة كامل والمطرب عبد الحليم حافظ والشاعر الغنائي عبد الوهاب محمد. أقنع محمد حسن الشجاعي، مستشار الإذاعة المصرية وقتها، بليغ حمدي باحتراف الغناء، وبالفعل سجل بليغ للإذاعة أربع أغنيات واعتمدته لجنة الاستماع في إذاعة القاهرة مطربـًا معتمدًا لديها، لكنه سرعان ما انسحب من عالم الغناء بهدوء لأنه -وباعترافه شخصيـًا- لا يملك المقومات الكفيلة لنجاحه وتفوقه في الغناء، في حين كان يمتلك طاقات كامنة في التلحين والتأليف الموسيقي. كانت أول نقلة حقيقية في حياة بليغ يوم أُعلِن ملحنـًا بغناء المطربة فايدة كامل لأغنيته "ليه لأ" بطلب من الموسيقار محمد الشجاعي، وقد حققت نجاحـًا كبيرًا بعد تسجيلها في الإذاعة، لتطلب منه تلحين أغنيتين حققا النجاح نفسه.

في عام 1955 سجلت له شركة "كايروفون" 6 أسطوانات، وسافر في ذلك العام مع فايدة كامل لبيروت، فتلقفه المطربون والمطربات وطلبته الإذاعة السورية، ليسجل في أربعة أشهر 22 لحنـًا لعددٍ من مطربي سوريا ومطرباتها أهمها لحن "ما تحبنيش بالشكل ده" للمطربة فايزة أحمد التي لم تكن وصلت إلى القاهرة بعد، وعندما جاءت للقاهرة طلبته ليلحن لها أغنية "حسادك علموك" ليبدأ اسمه كملحن يتردد بقوة في الوسط الغنائي العربي. كان الموسيقار محمد فوزي في أوائل الخمسينيات يشكل تيارًا قويـًا في تجديد اللحن الغنائي والاستعراض السينمائي، وقد أحس بأن بليغ جزء حيوي مما يرمي إليه في تجديد اللحن، فنشأت بينهما صداقة قوية كانت أقرب للتبني. فأعطاه فرصة التلحين لكبار المطربين والمطربات من خلال شركة "مصر فون" التي كان يملكها فوزي والذي لم يعرض عليه العمل معه فقط بل قال له إن الشركة شركته "دون عقد، أي لحن تعمله، تعالى سجله فورًا"، وبالفعل سجل بليغ الكثير من الألحان، من أهمها لحن "كدابة" لصباح، و"مكسوفة" لشادية وكان يحصل مقابل تسجيل الأسطوانة على 50 جنيهـًا زائد 4 % من أرباحها.

في الوقت نفسه، كان يرسل قصائد شعبية من نظمه للصحف باسم مستعار وهو "ابن النيل". كان بليغ يرى أن عبد الحليم حافظ هو طريقه إلى العالمية، ولهذا أدخل كثيرًا من التعديلات على موسيقاه معه، مثل الموسيقى الإلكترونية في «موعود»، واستخدم آلة الساكس في «زي الهوى»، ولا يزال العالمان العربي والغربي يغنيان: سواح، التوبة، جانا الهوى، موعود، زي الهوى، وكلها من تلحين بليغ.

 

 

وكان لدور كل منهما في حياة الآخر ظواهر، الأولى في منتصف الخمسينيات بألحان «تخونوه، خسارة» من فيلم «الوسادة الخالية»، والثانية في السبعينيات وهي التي اقتحم بها بليغ حمدي الموسيقى العربية، ومنها ألحان «على حسب وداد قلبي، التوبة، سواح»، وفي هذه الفترة اعتبره عبد الحليم حافظ أمل مصر في الموسيقى والغناء، أما الظاهرة الثالثة فقد جاءت بعد أم كلثوم، وتشمل الرومانسيات «موعود، أى دمعة حزن لا، زي الهوى»، وظهرت الأغنيات الوطنية بعد حرب أكتوبر ١٩٧٣ مثل «عاش اللي قال». ولم يكن بليغ حمدي يعرف أم كلثوم، والذي رتَّب لقاءهما معـًا هو الموسيقار محمد فوزي من خلال أغنية «حُبّ إيه»، حيث كان بليغ وقتذاك يتدرَّب مصادفةً على أغنية كتبها صديقه الشاعر الغنائي عبدالوهاب محمد، حيث أحسَّها ثم قرر تلحينها، في وقت كانت أم كلثوم تطلب فيه من محمد فوزي لحنًا له، فقدَّم لها بليغ حمدي، وقال له: سمّعها «حُبّ إيه»، فطلبت منه أم كلثوم أن يعيدها أكثر من مرة، وبعدها قالت كلمة يُعرف منها استحسانها «يا واد يا بليغ مبروك، سأغنيها»، وكانت أم كلثوم هي المستفيدة، فقد أخذت بذكاء شباب بليغ حمدي، وكان عمره وقتذاك ٢٩ سنة وكان ذلك سنة ١٩٦٠، ثم أعطاها «ظلمنا الحب ١٩٦٢، أنساك يا سلام ١٩٦١، بعيد عنك ١٩٦٥، سيرة الحب ١٩٦٤، فات الميعاد ١٩٦٧، كل ليلة وكل يوم ١٩٦٣، ألف ليلة ١٩٦٩، الحُبّ كله ١٩٧١، حكم علينا الهوى ١٩٧٣".

 

 

يقع بليغ حمدي ما بين الشعبية الرومانسية والوطنية الحماسية، لكن يمكننا اعتبار الإسهام الأساسي الذي قدمه بليغ في الموسيقى هو إيصال الموسيقى والإيقاعات الشعبية المصرية بطريقة تتناسب مع أصوات المغنين الكبار أمثال أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وشادية، وغيرهم كما اشتهر بليغ بسهولة وبساطة ألحانه، الأمر الذي يجعل أي متذوق للموسيقى قادرًا على التفرقة بين موسيقاه وأي موسيقى أخرى يسمعها. تتميز ألحان بليغ حمدي بمعادلة غريبة، سهلة وممتنعة في الوقت ذاته، فهي غير مُتَشابهة وليست مُكَرَّرَة بجُمَلِها الموسيقية، ولكنها تحمل بين نغماتها نكهة واحدة سرعان ما يدرك سامِعها الواعي أنها من مدرسة بليغ حمدي. إننا أمام ألحان ماكرة تحقق ثورتها الفردية عبر أشياء صغيرة مدهشة، مثل إضافة آلات موسيقية معينة، والاهتمام بالإيقاعات الشعبية، والبساطة المعجزة.

 

 

وكانت ألحان بليغ واقعية إذا جاز التعبير ومتأثرة بالتراث الشعبي، بل يمكن القول إنها تأتي من النبع نفسه الذي خرجت منه ألحان سيد درويش، وسيتضح ذلك أكثر في مراحل بليغ التالية حيث توجه للفلكلور الشعبي والأوبريت الغنائي، وهذه مدرسة سيد درويش، الأمر الذي يؤكد أن بليغ ما هو إلا امتداد مباشر لسيد درويش، دون أن ننكر عليه تأثره بمدرسة محمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وغيرهم.  ويؤكد المتخصصون في عالم الموسيقى نجاح بليغ حمدي في استخدام معظم الإيقاعات المصرية والعربية المعروفة، حتى أنه كان له السبق في ابتداع العديد من الإيقاعات المركبة التي استخدمها آخرون بعده، كما يشيرون إلى اهتمامه بتطوير أداء الكورس والأصوات البشرية المصاحبة للمطرب؛ إذ أدخل وللمرة الأولى في تاريخ الغناء العربي الأصوات البشرية في سياق الأغنية ذاتها لتعبر عن دراما النص، كما كان له السبق في إقناع كوكب الشرق باستخدام الكورال في أغنية «حكم علينا الهوى».

ومنذ بداية الستينيات بدأ بليغ العمل على موسيقى الفلكلور، عاش وعايش الفلكلور الشعبي قديمه وجديده، وسمع كل جهود زكريا الحجاوي والتسجيلات الخاصة بأغاني المطربين الشعبيين في قرى ونجوع مصر، وفي الوقت نفسه قام بجولة في قرى ومدن مصر استغرقت أربعة أشهر ليسمع مباشرة ما يُغنى بها، ويدرس التركيبات اللحنية والإيقاعية وأساليب الأداء الموجودة في الوجدان الشعبي وتعيش فيه منذ سنين. استعان بليغ في تلك المرحلة بشعراء دعموا توجهه نحو تأصيل أغنية قومية فيها رائحة مصر وأصالتها وهم عبد الرحمن الأبنودي وسيد حجاب ومحمد حمزة وعبد الرحيم منصور وسيد خميس الذين كانوا شبابـًا يمثلون طاقة جديدة في الساحة الغنائية.  وكانت أولى تجاربه في الاستفادة من الجمل الفلكلورية عندما لحَّن لشادية "آه يا أسمراني اللون حبيبي يا أسمراني" ووجدت الأغنية تجاوبـًا كبيرًا شجعه على الاستمرار فلحن للمجموعة أغنية "آه يا ليل يا قمر" ثم غناها محمد رشدي.

فقد قابل بليغ حمدي المطرب محمد رشدي، وكان الشاعر عبد الرحمن الأبنودي قد كتب له «تحت الشجر يا وهيبة»، وشعر بليغ أن هناك كلمة جديدة، وأداء جديدًا، وكنزًا يحتاج من يكتشفه وهو «الشعبيات»، أو الفلكلور، وشعر أن هناك مجتمعـًا يريد أن يخرج ويتغير مع قوانين يوليو الاشتراكية، وتيار المجتمع الجديد، فرأى وقتها أن الموسيقى تحتاج إلى هزَّة، واعتبر الغناء الشعبي أنسب اتجاهٍ لها، خاصة أن عبد الرحمن الأبنودي جاء بالكلمة الجديدة، بحيث أصبح المرء يشعر بالجنوب يغني للمرة الأولى، وبالفلاحين والكادحين. ومع بليغ حمدي غنَّى محمد رشدي «آه يا ليل يا قمر، وسع للنور» وكانت كلمات الأبنودي لا تقل دورًا عن موسيقى بليغ، ثم جاءت أغنية «عدوية»، فكانت فتحـًا في عالم الغناء الشعبي. ولحن لعبد الحليم حافظ عام 1965 أربع أغنيات بنفس النكهة هي «أنا كل ما أقول التوبة» و«على حسب وداد قلبي»، و«إن لقاكم حبيبي سلمولي عليه» و«سواح وماشي في البلاد سواح» والأغاني الأربع مأخوذة من أربع جُمل أصيلة من الفلكلور الشعبي. وهكذا أصبح اللون التراثي الصعيدي على كل لسان وانتشر بفضل جهود بليغ مع رفاق الكلمة والغناء.

رحل بليغ حمدي بعد محنة مرضية وأزمات ومحاكمة على جريمة وقعت في بيته، لكن بقي فنه العذب الذي وضعه في مصاف كبار ملحني الأغنية العربية في القرن العشرين.

قد ينال إعجابكم