بورتريه

توفيق صالح.. الغريب 

المخرج وأستاذ السينما "توفيق صالح"، اختيرت أربعة من أفلامه السبعة ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية

أسامة صفار

"أنا غريب.. غريب وهذا قدري، أعيش في مجتمع أقبله ولكنه لا يقبلني، ماذا أفعل؟"

قالها توفيق صالح بنفسه في حوار صحفي وحاول تجاوزها كثيرا وأمعن في التعبير عن قبوله لهذا المجتمع لكنه أبدا لم يتنازل عن تلك الأمانة الغالية التي لم يشأ المجتمع أن يقبله إلا إذا رفع الراية البيضاء وسلمها طواعية وهي اختياراته الحياتية والفنية ومنظومة القيم التي تبناها منذ بداياته وحتى رحيله.

وبدا توفيق صالح طوال حياته المهنية وكأنه يتلقي عقابا من كافة المحيطين به على كونه توفيق صالح، حتى أنه في سنواته الأخيرة انضم إلى الجميع مشيرا إلى أنه لو عاد الزمان به لكان أقل حدة في التعامل مع الواقع!

والحقيقة التي تفرض نفسها في اللحظة وبعد رحيل الرجل بما يتجاوز ثلاثة اعوام أنه كان لدى الدولة المصرية بالدرجة الأولى والوطن العربي بالدرجة الثانية رجل يعد امكانية حقيقية لانجاز فني وانساني قد يتجاوز أشهر رموز وصناع السينما العالمية، لكن هذه الامكانية أهدرت عبر سلسلة من التواطؤات التي أجمع أصحابها أن رجلا بهذه القيم والاختيارات الفنية ممزوجة بتلك الحرفية والقدرات قد يشكل خطرا على المياه الراكدة في الفن والمجتمع وبالتالي ينبغي القضاء على المشروع في مهده وقد كان، رغم مقاومة صالح حتى لحظاته الأخيرة . 

ولكن هل كانت التواطؤات على مشروع الهرم السينمائي متعمدة؟.. الحقيقة أن بعضها كان متعمدا بينما جاءت الأخرى كنتيجة مباشرة لعدم التجانس بين من يؤمن بالصدق والاستقامة والشعوب ومصالحها في مواجهة من يؤمنون بالسلطة ومصالح أصحابها وبين من يؤمن بالسينما كرسالة تدفع نحو الوعي الذي يسوق بدوره إلى التغيير وبين من يؤمنون بدور السينما كوسيلة ترفيه فقط.

أغلب الظن أن المخرج المصري توفيق صالح ليس مجرد شخص مصري موهوب ومسلح بالمعرفة اللازمة، صادفه سوء الحظ فلم ينجز سوى عدد قليل من الأفلام وحصل في المقابل على تقدير فاق أقرانه ولكنه قيمة ومعنى لتجلي العدالة الالهية على الأرض ومثل لما يمكن أن يستقر عليه اختيار الشخص الحائر بين التمسك بمنظومة قيمية وبين ترك ضميره وسط أهواء نفعية مؤقتة. 

كان المخرج المصري توفيق صالح مضطرا للخروج من مصر بعد ما أغلقت كل أبواب العمل في وجهه وضاقت عليه مصر فلم يجد حلا سوى السفر إلى سوريا ومن بعدها العراق ثم عاد إلى مصر عام 1984 مضطرا أيضا!! 

وفي مصر شرع في إخراج فيلم وتمتع ليوم واحد بتفاؤل كبير وشوق للبدء لكن المنتج اتصل به معتذرا وهكذا بقي حتى رحل من دون أن يقف في الاستوديو مخرجا!

توفيق صالح ويوسف شاهين

توفيق صالح ابن لطبيب صعيدي دفعت به ظروف عمله إلى التنقل بين المدن حتى استقر في الاسكندرية لفترة التحق توفيق خلالها بـ " فيكتوريا كوليج " تلك المدرسة التي تخرج فيها في العقد الزمني نفسه بين الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي كل من شادي عبد السلام ويوسف شاهين وعمر الشريف.

كانت الاسكندرية في ذلك الوقت هي مدينة التسامح والانفتاح على العالم كله فثمة 13 جالية أجنبية تتخذ من عروس البحر موطنا وتتعايش جنبا إلى جنب دون حساسيات تذكر وبفضل هذا التنوع ظهر يوسف شاهين الفرانكفوني ابن الطبقة الوسطى العليا الذي عشق السينما وتطور وعيه مع كل فيلم ونشأ شادي عبد السلام باحثا عن هوية حتى اكتشفها في المصرية القديمة وذاب فيها بينما كان الكاتب والمثقف المصري أحمد لطفي السيد يتبني التوجه المصري / القومي ذاته و نشأ عمر الشريف الذي ولد على حافة المجتمع المصري واحتل هامشا لا يمكن القول أنه مصري تماما و لا غيري مصري واتخذ الشريف – فيما بعد – من العالم كله وطنا من دون أن ينتمي لوطن و أخيرا توفيق صالح الذي آمن بالضعفاء والفقراء والقومية العربية ولقي مصيرها من حصار وتضييق و اغتيال معنوي حتى بقي محاصرا لآخر أيام عمره. 

درس توفيق صالح الأدب الانجليزي في جامعة الاسكندرية وأخرج في عامه الدراسي الأخير مسرحية " رصاصة في القلب " وعرضها في جمعية الصداقة المصرية الفرنسية فكوفئ بمنحة دراسية طلب أن تكون في مجال السينما وسافر بالفعل . 

ولعل انصرافه عن الدراسة الأكاديمية وقراره بتثقيف نفسه عبر القراءة ومتابعة الأفلام السينمائية في دور العرض أولا بأول لثلاث سنوات بعد ذلك هو الفعل ذي الدلالة الخاصة على ملامح توفيق صالح الذي قرر الابتعاد عن التعلم المؤسسي والخروج من عباءة سلطتها إلى رحابة المعرفة الحرة.

نجيب محفوظ مع توفيق صالح

والتقي بعد عودته من فرنسا بالروائي المصري الفائز بجائزة نوبل 1989 نجيب محفوظ لتتشكل ملامح صداقة عمر امتدت حتى رحل محفوظ على ما بين الشخصيتين من اختلاف حاد فبينما يميل توفيق صالح للمواجهة ولا يقبل بأنصاف الحلول فان محفوظ – بحكم طبيعته – وضع كل طاقته ورؤاه وطموحه نحو التغيير في كتاباته مبتعدا عن أي صدام على أرض الواقع فكان محايدا تماما خارج كتاباته لكن هذا لم يمنع من أن يصبح توفيق صالح ثاني الحرافيش وهو الاسم الذي أطلقه محفوظ على مجموعة الأصدقاء الذي كانوا يلتقون أسبوعيا على المقهى بقلب القاهرة ومن ثم تحول اللقاء إلى ندوة أدبية وفكرية أسبوعية امتدت وانضم إليها الممثل والنجم أحمد مظهر وغيره ورحل الكثيرون وانضم غيرهم وبقي توفيق صالح واحد من ثوابت الحرافيش رغم السفر والعودة لمرات كثيرة. 

ورغم تحول حرافيش محفوظ إلى نغمة في الاعلام الثقافي والأدبي بمصر و إدلاء الكثير من الكتاب والأدباء بتصريحات تخص الحرافيش ومحفوظ وخاصة بعد فوزه بنوبل إلا أن توفيق صالح لم يشأ الإدلاء بدلوه في الأمر تعففا عن المتاجرة بجلسة في نهاية الأسبوع مع صديق لا تعني سوى ذاتها. 

قدم توفيق صالح على مدى 40 عاما في العمل الفني حوالي سبعة أفلام روائية طويلة فقط، كان آخرها فيلم "الأيام الطويلة" 1980 الذي تم تصويره بين سوريا والعراق والذي لم يعرض في مصر حتى الآن وكان أول أفلامه "درب المهابيل" 1954 والذي تعاون فيه مع الكاتب نجيب محفوظ كمؤلف للفيلم توفيق صالح، توقف عن العمل لمدة سبع سنوات تقريبا، حتى عام 1962 عندما قدم فيلم "صراع الأبطال" ثم أخرج بعدها ثلاثة أفلام، " المتمردون" عن قصة للصحفي صلاح حافظ، "يوميات نائب في الأرياف" 1968 عن رواية بنفس الاسم للكاتب توفيق الحكيم، ثم أخيرا "السيد البلطي"1969 عن قصة لصالح مرسي ثم سافر إلى سوريا وقدم فيلم المخدعون وتوقف عن العمل تماما منذ ذلك الوقت، مكتفيا بعمله كأستاذ غير متفرغ لمادة الإخراج في المعهد العالي للسينما بالقاهرة.

ويتناول فيلم "الأيام الطويلة" قصة هروب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بعد محاولته هو ومجموعة من حزب البعث اغتيال عبد الكريم قاسم سنة 1959.

لقطة من فيلم "المخدوعون"

أما فيلم "المخدوعون" فيدور في عام 1958 بالبصره، حيث يقرر ثلاثة فلسطينيين الهرب إلى الكويت، ينتمون إلى أجيال متباينة الأول، بوفيس من جبل نكبة الطرد فى الأربعين من عمره، والثانى أسعد من الجيل التالى، طرد من الرملة، وهو يمارس الهرب للمرة الثانية، بعد أن هرب من الأردن، أما مروان، فهو فتى هربت به أسرته من فلسطين وهو طفل، الثلاثة لا يثقون فى المهربين الذين سبق لهم أن تركوا الهاربين وسط الصحراء، يوافقون على الاختباء داخل فنطاس عربة نقل المياه، رغم أنهم فى شهر أغسطس، وعند مبنى الجمرك يقوم رجال بممازحة السائق أبو الخيزران بينما يموت الهاربون داخل الفنطاس لقلة الأكسجين، ثم يلقى السائق بجثثهم في القمامة. 

وتدور أحداث فيلم " يوميات نائب في الأرياف" فى عام 1930 حيث يصاب الفلاح قمر الدولة بطلق نارى، وينطق باسم ريم أخت زوجته، وذلك قبل أن يلفظ الروح، ريم هى الشاهدة الحقيقية، يلفت جمالها وكيل النيابة، يقبض عليها، يضطر إلى أن يجعلها تبيت فى منزل المأمور من أجل استكمال التحقيق، لكن المأمور يجذبه جمالها، وفى الليل تهرب دون أن يعرف أحد أن الشيخ عصفور هو الذى دفعها إلى الهرب، فينشغل أهل القرية، ورجال الأمن بها بأمور الانتخابات، وعقب انتهاء الانتخابات يتم اكشاف جثة ريم طافية على سطح مياه الترعة، التى تتكدس فى قاعها صناديق الاقتراعات التى تلقى بها الإدارة التى تمارس التزوير، ينتشل الأهالى الصناديق أثناء انتشال جثة ريم، يجد وكيل النيابة نفسه أمام موقف لا يحسد عليه، يقرر أن يقدم طلب نقل بعد أن قام بتقييد القضية ضد مجهول.

وفي فيلم " المتمردون"  يذهب الدكتور عزيز للعلاج إلى إحدى المصحات العلاجية النائية وسط الصحراء ويكتشف خلال تواجده أن المصحة تنقسم إلى قسمين. أفضلهما يتواجد فيه المرضى الذين يملكون الثروة والمال وينعمون بالعلاج المنتظم والماء المثلج والمراوح فى قيظ الحر اللاهب. أما القسم الأغلب  الإنسانية. يتمرد المرضى على الفساد السائد، يستولون على المصحة وقد هدتهم المحنة ويطردون المدير ويختارون د. عزيز زعيمًا لهم ولكنهم يعجزون عن إدارتها. تقضى السلطات على التمرد ولكن يبقى الأمل فى التغيير 

وفي فيلم "السيد البلطي"  تصاب أسرة (البلطي) التي تعمل في الصيد بالتفكك بعد وفاة عميدها (السيد البلطي) ويشعر أفراد العائلة بالفراغ الذي تركه رحيل عميدها، وتعتقد الأم أن روح السيد البلطى تخلت عن العائلة، فيترك (محمود) العائلة بحثًا عن الثراء، ويقع في حب الراقصة (كيداهم) ويعلن شيخ الصيادين (عبدالموجود) استغنائه عن السفن الصغيرة ويقف (محمد البلطي) ضد هذا القرار، فتنشب بينهم العديد من الصراعات.

وباستثناء فيلم " الأيام الطويلة " فإن توفيق صالح قد اختار موضوعاته عبر منظومة قيمية تؤسس للسينما باعتبارها وسيلة لتوعية الجماهير وتثقيفها بل وتحريضها لاقتناص حقوقها وهو ما شكل موضوع صدام دائم مع الرقابة التي كانت له بالمرصاد.

الممثل "صدام كامل" بدور صدام حسين في فيلم الأيام الطويلة

وقدم توفيق صالح الذي يعتبره النقاد واحد من أهم مخرجي الواقعية في مصر ترميزا بصريا عبر أفلامه هروبا من الرقابة وهو أثار حفيظة الرقباء وأصابهم بهوس حتى أن أحد الرقباء يسأله عن فيلم المتمردون قبل التصريح به : ما معني الشمس التي تشرق و الماء الذي يسكب على الرمال ..فيقول الرجل مبتسما " الشمس هي الشمس والاء هو الماء !

لم يكن وجود توفيق صالح في سوريا خاليا من الأزمات بل أن رحيله كان بشكل ما بناء على تحذير بأن ما قدمه في فيلمه المخدوعون لم يعجب القيادة وأن الأمر لم يعد مأمونا و لم يكن وجوده في العراق خاليا أيضا من الأزمات فثمة مشهد في فيلم الأيام الطويلة كان ينبغي لبطل الفيلم " صدام حسين " أن يصرخ فيه لأن جراحة تجري له لاستخراج رصاصة من دون تخدير، لكن صدام الرئيس يعترض ويقول أنه لا يصرخ ولا يتأوه أبدا ويضطر صالح لتغيير المشهد ثم يعود بعدها إلى مصر. 

وفي وطنه يتلقي اتصالا من منتج ويلتقي به ويوقع عقدا وفي المساء يتلقي اتصالا من صديق مقرب له ويلتقيان ويطالبه الصديق ب " عمولة " لأنه من أقنع المنتج به ..فيبتسم صالح ساخر ويطرد الصديق .. 

ويتصل المنتج معتذرا عن انتاج الفيلم ويتفرغ الرجل للتدريس في المعهد العالي للسينما لعل من بين تلاميذه عبر 25 عاما من يعيد سيرة مخرج واقعي ملتزم برسالة السينما.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

وراء كل نار قصة!

رحلة إلى 12 دولة من العالم للتعرف على معاني فكرة "الشِواء" والبحث عن علاقته بالمكونات الثقافية والحضارية لكل مجموعة...