بورتريه

جان مورو ممثلة خارقة وحياة استثنائية

ندى الأزهري

"مدموازيل مورو"، هكذا كانت جان مورو تحب أن نناديها.  الممثلة الفرنسية الشهيرة، ذات الجمال الخاص والصوت المميز الجهوري التي سحرت كبار المخرجين وخلفت أعمالا لاتقارن بمستوى أدائها فيها، رحلت في 31 يوليو المنصرم عن عمر ناهز التاسعة والثمانين. 65 سنة من العمل السينمائي والمسرحي و 130 فيلما عديد منها يُعدّ من تحف السينما الفرنسية والعالمية. 

فقد الفن السابع الممثلة والمغنية والمخرجة، تلك التي جسدت السينما بكل تعقيداتها، ذاكرتها وتطلعاتها... كما نعاها رئيس الجمهورية الفرنسية، تلك التي كانت حيث لا ننتظرها والتي عرفت دوما كيف تتخلص من الصورة النمطية التي أردنا وضعها فيها. تلك المتمردة ضد النظم والقواعد والتي كانت تطالب بحريتها لخدمة قضايا تؤمن بها لطالما ألهبت مشاعر الجمهور وسحرته...

سيل من التكريم لهذه الشخصية الخارقة للعادة كما وصفتها بريجيت باردو التي تقاسمت معها فيلم "فيفا ماريا عام 1965 . " أنا متألمة جدا- صرحت باردو- فجان كانت قبل كل شيء امرأة جميلة، ذكية، جذابة تتمتع بصوت وشخصية خارقتين جعلا منها ممثلة ذات وجوه متعددة". ومن عالم السينما كذلك، قال المخرج والممثل جان بيار موكي" كانت لجان مورو حياة استثنائية واعتقد بأن الجميع كان يحبها. ذكراها تبقى لدي كامرأة حرة بل حرة جدا".

هذا مؤكد، فجان مورو تصرفت على هواها منذ صغرها في باريس. كانت تقرأ كتبا في السر وساعدها خالها ودفع لها لتتابع دروسًا لتعلم الرقص وبدأت خطواتها الأولى على المسرح الذي مثلت على خشبته 60 مسرحية طوال حياتها المهنية.  لقد أغرمت به منذ مراهقتها فعملت في مسرح الكوميدي فرانسيز الشهير الذي مثل بالنسبة لها "الانضباط والدقة". ساعدها عميد المسرح لتلقي الدروس في الكونسرفاتوار. خيار لم يعجب والدها صاحب المطعم فرماها خارجا. كانت علاقتهما على تنافر تام وعميق، وتركت معاملته لأمها الانكليزية التي كانت راقصة في ملهى الفولي بيرجير قبل زواجها، أثرا في شخصية جان وقد صرحت بهذا الشأن "جعلني هذا أجن  فكيف لامرأة أن تقاد ويساء إليها هكذا؟!"

تقول جان مورو عن بداياتها في لقاء تلفزيوني "كان وصولي للسينما صدفة فلم يكن مناسبا في عائلتي لمن في سني الصغير الذهاب لمشاهدة الأفلام. كان هذا للكبار فقط". لكنها قررت تحقيق حلمها بالعمل في المسرح وحين جذبتها السينما كذلك أخبرت أمها  التي وجدت في هذا الخيار "مصيبة!"،  فإن لم يرضَ الأب بالمسرح كيف سيكون راضيا عن عملها بالسينما؟ كانت النظرة للسينما دونية في تلك الأيام (بداية الأربعينات) لاسيما من قبل العاملين في المسرح  والكوميدي فرانسيز على وجه الخصوص. تتذكر مورو في نفس اللقاء بأن "العمل بالمسرح كان نبيلا أما السينما فلكسب المال ونجومها لم يعتبروا ممثلين".  لكنها أحبت السينما وأرادت العمل فيها، كان أمرا جديدا. 

لم يتم اختيارها فورا من قبل المخرجين فجمالها لم يكن على مقاييس تلك الأيام، "لم أكن مرغوبة"!  تقول. ثم رضي مخرج بها واعطاها دور ابنة تسرق عشيق أمها. 

بدأت عملها في السينما في "الحب الأخير" عام 1949 لجان ستيلي وتزوجت من المخرج والممثل جان لويس ريشار في نفس العام وتطلقا سنتين بعدها وكانت أنجبت منه ابنها الوحيد.  شاركت في الكثير من الأفلام فالاختيار والتدقيق في الأدوار يحصلان حين يكون لك اسم في عالم السينما كما صرحت. قبل لقائها مع مخرج الموجة الجديدة فرنسوا تروفو مثلت مورو عام 1957 دورا شكّل منعطفا في مسيرتها. في "مصعد إلى المشنقة" الفيلم الروائي الأول للمخرج المتفرد في السينما الفرنسية لويس مال، جسدت دور عاشقة متواطئة مع قاتل زوجها. كان في الخامسة والعشرين ويصور فيلمه الاول وصرح يوما انه لولا جان مورو لضاع حينها.  أما هي فردت "تعلمت منه أيضا وكنت تحت تصرفه ومتنبهة لمزاجه وللجو الذي يخلقه في البلاتوه، وحتى لو لم يقل لي شيئا كنت أشعر به...". بقيت مخلصة لهذا المخرج الذي عادت إليه سنة بعدها مع "العشاق"  الذي أثار مشهد الحب في نهايته فضيحة كبيرة فالأوضاع الحميمية لم تكن مقبولة آنذاك، حتى أنها أوشكت بعدها على ترك المهنة. لكنها تابعت ومع نفس المخرج في "خصلة شعر" ثم فيما بعد منتصف الستينات في "فيفا ماريا" الذي تقاسمت بطولته مع بريجيت باردو. 

أصبحت نجمة في "علامات خطرة" لروجيه فاديم 1959 قبل أن تظهر مع فرانسوا تروفو رائد الموجة الجديدة في "400 ضربة" عام 1959 أيضا. وأثارت ضجة واعجابا في كان 1960 عن فيلم Moderato Cantabite  (أغنية تغنى بايقاع معتدل) لبيتر بروك المأخوذ عن رواية للفرنسية مارغريت دوراس. جسدت فيه مورو دور زوجة ضجرة لصناعي كبير في مدينة صغيرة تلتقي بعامل متواضع ( جان بول بلموندو). 

نجمة عالمية

كرستها سنوات الستينات نجمة فرنسية وعالمية. وكان نجاحها في "جول وجيم" 1962 لفرنسوا تروفو  فتح لها ابوابا جديدة حيث غنت فيه للمرة الأولى أغنيتها الرائعة "دوامة الحياة". حصد الفيلم والأغنية نجاحا كبيرا. وجسدت في الفيلم دورًا غالبًا ما ستظهر فيه طوال حياتها الفنية كعشيقة عاشقة متحررة. وفي حديث عن مشاعرها خلال التصوير قالت أن "صنع فيلم هو في الآن ذاته متعة وقلق، خوف وجرأة، صحبة ووحدة،... لكن في هذا الفيلم استقر فورا في دواخلنا أننا نفعل شيئا جميلا ومهما وسيحبه الناس وهذا شعور نادر. كانت بين أفراد كل الفريق حياة موازية ومكملة للفيلم. وكان ثمة حرية وارتجال ولكنه ارتجال يأتي بعد تفكير عميق لصاحب العمل تروفو. فالحرية والارتجال في العمل لايأتيان إلا بعد  دراسة معمقة للموضوع في دواخلنا".  تروفو كان يجد فيها ممثلة استثنائية"  لاسيما بتعاملها وتفهمها للدور.

خلال العام ذاته التقت جان مورو المخرج والممثل الأميركي أورسون ويلز، ومثلت تحت ادارته فيما بعد "المحاكمة" المأخوذ عن رواية كافكا وأيضا " حكاية لاتموت". وشرحت "أفضل ممثلة في العالم" كما وصفها ويلز يوما أسلوب تعامله مع الممثلين وبأنه من النوع الذي يعتمد جسد الممثل في التعبير حتى في أسلوب تنفسه وحركاته، وقبل أن يشرح له المطلوب يخلق معه علاقة ودية .  وتعتبره مورو محقا في ذلك  فالمخرج هو أول مشاهد للممثل. تابعت مسيرتها مع كبار المخرجين كجاك دومي في "خليج الملائكة" 1963 حيث مثلت دور مقامرة تلتقي بمقامر! ومع لويس بونويل في "يوميات مشرفة منزلية" 1964 وجسدت فيه دور مشرفة هازئة وصفيقة في منزل برجوازي، ومع انطونيوني في "لا نوتا"، وغودار "امراة وامرأة"، ومع جان رينوار وفيليب دو بروكا... وعادت إلى تروفو في " العروس ترتدي الاسود" 1967 . ثم اتجهت منتصف السبعينات إلى الإخراج فحققت فيلمًا عن الصداقة بين النساء كما كرمت في أفلام وثائقية ممثلات عصرها.

كل المخرجين الكبار كانوا يطلبونها رغم ما قيل عن عنادها وعن تدخلها أحيانا في عمل المخرج حول طبيعة دورها كممثلة لكنها تنفي وتصحح "لا أفرض المشهد بل اقترحه"! وكانت مقتنعة أن مايهم في أداء الدور هو أن تحسّ وتنفعل مثل الشخصية لا أن تنفعل بسبب قصتها الحزينة" وكانت معنية دوما بعمق بالفيلم نفسه وبكل ماهو تقني ويدوي فيه.

نالت جان مورو جوائز كثيرة ومنها جائزة السيزار كأفضل ممثلة فرنسية عام 1992 عن دورها في " العجوز التي عاشت في البحر" للورانت هينيمان، واوسكار عن مجمل أعمالها ومسيرتها الفنية  عام1998 وجائزتي سيزار تكريمتيين 1995 و 2008.

كما كانت الممثلة الوحيدة التي رأست لجنة التحكيم مرتين في كان 1975 و 1995.

 هي وهم...

مشهد من فيلم The Bride Wore Black

تربت جان مورو التي ولدت بباريس عام  1928 على قيم القرن التاسع عشر في وسط عائلة محافظة. لاحق للصغار بقراءة الجرائد أو الجلوس مع الكبار والاستماع لأحاديثهم أو الذهاب للسينما. ونشأت في حيّ مونمارتر أثناء الاحتلال الالماني الذي فرض قوانينه العنصرية على اليهود والسود وحيث ساد الفقر  والبؤس فرنسا. وفي هذه الأجواء نشأت وساعدها مدير الكوميدي فرانسيز حيث كانت تعمل لتدخل الكونسرفاتوار وتأخذ دروسا في الرقص. وحين عملت بالمسرح وظهرت صورتها على غلاف مجلة "فرانس سوار" غضب منها والدها وكانت علاقتها به متوترة  جدًا، ولكنها فيما بعد أعلننت أنها كانت تحبه جدا على الرغم من معارضته لها. وكانت علاقتها مع ابنها معقدة هي الأخرى، إذ لم يكن طفلا مرغوبا به وحين حملت ارادت التخلص منه لكنها اضطرت للاحتفاظ به وغالبا ما اتُهمت بأنها لم تكن "أما كما يجب" كما اعترفت هي بأنها لم تخلق لتكون أما وأنها تعرف أن ولدها الذي ربته جدته والمربيات كان تعيسا. إنما بعد علاقة صدامات مع وحيدها انتهيا إلى المصالحة. كانت تفضل مهنتها على أي شيء آخر حتى على الأمومة وتقول "ولدت ابني في ساعتين وانتهى الأمر! واتصلت فورًا بالمخرج لاقول له أني كنت مستعدة لبدء التصوير في الأيام القليلة القادمة"!

مشهد أخر من فيلم The Bride Wore Black عام 1968

عرف عن جان مورو علاقاتها الغرامية الكثيرة ومن أقوالها: "العامل المشترك بين كل الرجال الذين أحببتهم؟ أنا"! كما عرف عنها تمردها وشغفها بالحرية والاستقلالية واعترفت يوما أن "الحرية هي القدرة على اختيار هذا الذي سنكون له عبيدا".

اعترفت عشية احتفالها بعيد ميلادها الثمانين كما كتبت صحيفة لوموند الفرنسية بأنها عاشت في مهنتها لحظات شغف لم تعشها في حياتها. وحين سئلت في مقابلة تلفزيونية عن قولها  بأن هناك الكثير من الرجال في حياتها ولكنها لا تظن أنها أحبّت يوما رجلا  ردت بأن الحب الكامل الرائع المطلق الخالي من المنفعة غير موجود! 

هي التي طبعت الجرأة شخصيتها وكانت حياتها مغامرات متفردة لامرأة ليست أقل تفردًا. لاتهتم بصورتها لدى الآخرين كما بالزمن الذي يمضي. امرأة قناعات ومبادىء وهي بلا شك الفنانة الفرنسية الأكثر شعبية خارج فرنسا. صرحت وهي في الخامسة والثمانين أنها تحب البدايات ويمكن لنا طوال حياتنا أن نقوم بأشياء للمرة الأولى فالمسألة ليست مسألة عمر" وفي مقابلة تلفزيونية خلال نشرة أخبار على فرانس 2 حيث دعيت للترويج لفيلمها" استونية في باريس" 2013، حين سألتها المذيعة عما لفت نظرها في الأخبار تلك الامسية وأثّر فيها لم تتورع عن  مهاجمة المصارف ودورها في افقار الناس واستغلالهم وجعلهم مديونيين لها على الرغم من أرباحها التي تجنيها من أموال الناس المودعة فيها.

وعن سبب حبها العميق للسينما  تصفها بأنها مرآة رائعة وإن حرّفت الصورة أحيانا، مع تناقضاتها وتناغمها ومع قسوتها وشاعريتها...السينما توصل للناس احاسيس متنوعة عن الحقيقة اليومية.

وعن علاقتها مع بريجيت باردو " رائعة ولم تكن تحب أن تكون ممثلة حقًا كان هذا الأمر يزعجها ولذلك كانت تتأخر عن التصوير ولا تلتزم..."

 

 

قد ينال إعجابكم