بورتريه

حليم.. سر الأسطورة!

 
أسامة صفار
 
يكتسب الراحلون حديثا هالة من القداسة والتعاطف تطول أحيانا وتقصر في أحيان أخرى نظرا لطبيعة المجتمعات وثقافتها حول الموت نفسه لكن الأهم بالنسبة للأحياء فيما يخص المبدعين والأشخاص ذوي التأثير بشكل عام هو أن يتم رفع هالة القداسة عن هؤلاء وعن منتجهم الثقافي أو السياسي ومن ثم إخضاعه للدراسة من دون عصمة لتكون تجربتهم مجال عبرة ودروس للمجتمعات. 
ولعلّ تجربة المطرب المصري الأسطورة عبد الحليم حافظ تنتمي إلى تلك التجارب التي ظلّ التعاطف معها لسنوات طوال ولم يجرؤ أحد على إحداث الصدمة المعرفية ليراجع من خلالها تجربة حليم ويُخضعها لمنظار الباحث والقارئ للظواهر الفنية وعلاقتها بالمحيط السياسي والمجتمعي.
 
وعبر أربعين عاما مضت ظلّت أسطورة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ لغزا عالقا في أذهان مُحبّيه، وبحساب الوسامة والرشاقة الجسدية والتي كانت معيارا للبطولات السينمائية المصرية في النصف الثاني من القرن العشرين لم يكن "حليم" يتماشى مع تلك المعايير التي كانت شرطا ليصبح نجم الشباك الأول، ورغم ذلك فإن صاحب هذا البنيان الضعيف استطاع أن يتحول إلى أهم وأشهر مطربي العرب، ليس هذا فقط بل إنه استطاع أن يُشكّل ملامح الحب والعشق في وجدان المحبين الشباب إلى يومنا هذا.
 
أما بمعيار الصوت، فإنه بمقارنته بقامات غنائية مصرية عربية عاصرته مثل أم كلثوم وفريد الأطرش ومحمد عبد الوهاب ووديع الصافي وغيرهم، يمكن القول إنه أضعف من كل هؤلاء ورغم ذلك سبقهم وفاقهم في السطو علي قلوب المحبين، بل واستطاع تشكيل ملامح الطبقة الوسطي سواء على مستوى الشكل أو السمات المجتمعية.
 
حليم مع بليغ حمدي
 
ما السر إذن؟ 
يوثّق مؤرخو ونقاد السينما المصرية شهادات رفاق "حليم" حول تفاصيل حياته الفنية القصيرة نسبيا، حيث توفى عن عمر 48 عاما تاركا مئات الأغاني وملايين الأحلام في القلوب و17 فيلما في محاولة لسبر أغوار ذلك النجاح الفائق ولمعرفة سر ذلك الفتى الريفي الأسمر الذي تحول إلى أسطورة بعد رحيله بعدما امتلك القلوب في حياته.
وهناك العديد من قصص الحب التي اختُلقت حول عبد الحليم سواء بعلمه أو من دون علمه ولم يكن اختلاقها سوى طابع مميز لفكرة الترويج الجماهيري للمطرب أو نجم السينما، حتى إنه وبعد رحيله بعشرات السنين تجتهد الصحف في محاولة معرفة الحبيبة المجهولة أو من تلك الفتاة التي غنّى لها أغنية محددة ويبدو الأمر أشبه بمسلسل تشويق عاطفي.
 
قدّم حليم ما يفوق 200 أغنية و17 فيلما هي رصيد خلوده، بالإضافة إلى آلاف الحكايات وعشرات من قصص الحب، وترث الأجيال عشقه كما لو كان احتلّ مكانه في الخريطة الجينية للمصريين والعرب أيضا. رافق صعود نجم "حليم" حظ فريد من نوعه تمثّل في وجود نظير له في عالم السياسة وهو الرئيس جمال عبد الناصر ووجدا معا - ناصر وحليم -  هدفا مشتركا حقّقه كل منهما للآخر بالتبادل، فقد وجد "ناصر" أن "حليم" يصلح لطرحه على وجدان الشعب من خلال أغنياته عبر الإذاعة التي كانت حديثة نسبيا (في خمسينيات القرن الماضي) بينما رأى عبد الحليم أن القرب من السلطة السياسية عقب حركة الضباط الأحرار سوف يضمن له الكثير.
وقد التقي عبد الحليم بعبد الناصر منذ البداية في عام 1953 بمجلس قيادة الثورة، وقال له عبد الناصر "أنت فنان شاب وابن مخلص للثورة" وصارت هذه الكلمات عقداً لا يفصم بين حليم وبين الثورة وكان ما بعدها تنفيذاً لبنود العقد.
وثمة ارتباط شخصي عاشه "حليم" مع "ناصر" حيث ولد طفلا يتيما ورأى في ناصر - بشكل ما - أبوة افتقدها، فالرجل كان يعوده في مرضه ويرعاه في صحته ويقدمه على غيره. 
 
وكما ارتبط قدر العندليب الأسمر بالثورة التي ولدت بينما كان يتلمّس طريق النجومية، ارتبط قدره بالزعيم الأهم والأكثر شعبية وجماهيرية وقوة في تلك المرحلة بل وجمعتهما صفات مشتركة، فقد توحّد كل منهما مع أهدافه الكبرى وكان مستعدا لبذل كل شيء في سبيلها.
 
حليم مع عبد السلام النابلسي
 
فكانت أحلام عبدالناصر تتعلق بالوطن وبالأمة.. وكانت أحلام العندليب تتعلّق بالنجاح والشهرة والمجد، لكن الاثنين وجدا نقطة التقاء حيث تغنّى حليم بالوطن وبالأمة وبزعيمها فوصل الزعيم للقلوب بأغاني العندليب قبل أن تظهر نتائج إنجازاته على الأرض، واكتسب حليم شعبية جارفة كان منبعها شعبية ناصر وقوة كان منبعها ارتباطه بالثورة وزعيمها، وهو ما أتاح له الظهور سنويا مع الزعيم في حفل عيد الثورة والتمتُّع بالدعم الدائم في الصحة والمرض.
 
لم يُسخِّر عبد الحليم حافظ موهبته لصالح الثورة في الأغاني الوطنية فقط لكنه جندّها لصالح الثورة في مشروعها الأكبر وهو تشكيل طبقة وسطى في المجتمع لها قيمها التي ترتكز على تحرير وتقوية المرأة، فكان أن قدّم المرأة القوية في الحب وغنّى لها راجيا إياها العطف والحنان وطلب منها ألا تظلمه بينما كانت الثقافة السائدة قبل حليم تُحرّم على الرجل التوسل وتعتبر أن من العيب التعبير عن مشاعر الضعف تجاه الحبيبة، ولم يكن ذلك جزءا من أداء العاشق عبدالحليم حافظ في الحياة ولم يكن أيضا سلوكا معتادا عند الرجل المصري أو الشرقي بل كان تصورا لما ينبغي أن تكون عليه المرأة والرجل في الطبقة الوسطي.
 
وعبر أكثر من مائتي أغنية استطاع حليم أن يشكل ملامح ووجدان فتيات مصر وأن يجعل موقفهن في الحب مشابهاً لمواقف حبيباته في الأفلام وفي الأغنيات وأن يجعل رجال الجيل اللاحق له عشاقاً هائمين ينتظرون رضا الحبيبة أو يعانون من ظلمها.
وحليم أيضا هو مانح الأمل للشباب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي في التحرر من الفقر عبر الموهبة وعبر العمل الجاد والمبدع، وهو صاحب أغنيات الحشد لبناء السد العالي والحشد للحرب والحشد لمداواة جرح هزيمة 67، حليم هو صوت مصر الثورة في ظل نظام الزعيم جمال عبد الناصر.
ولم تكن علاقة حليم وثورة يوليو إلا امتدادا لتراث البشرية كلها في توظيف الفن والإبداع لصالح الأهداف الكبرى التي يراها الحكام في مرحلة ما، لذلك فقد جسّد عبد الحليم حافظ ومعه صلاح جاهين وعدد من الشعراء وقليل من المطربين دور شاعر القبيلة في مرحلة ما قبل الإسلام، حيث كان مؤرخ القبيلة ووزير دعايتها وصاحب معلّقات الفخر بأبنائها، خاصة حين تخرج قصيدة فريدة تتناقلها ألسن أبناء القبائل الأخرى لحلاوتها وإن لم يتفقّوا على محتواها، وجسّد في مرحلة الخلافة الأموية وما بعدها تلك البطانة من الأدباء والمبدعين الذين كانوا يجالسون الخليفة ويمنحهم العطايا مقابل تلك المجالسة والمدائح أيضا.
 
 
وارتبط العندليب بتحسّن نوعية حياة الفلاح والعامل ونشوء طبقة من المراهقين تفرغت للدراسة والاستماع إلى الأغاني والحب، وكان صوت العندليب مرشدها العاطفي في حب الوطن وحب الفتاة معا، فتفتحت فتيات الستينيات والسبعينيات من بعدها على صوته وكلمات أغانيه التي تعلي من شأنهن ويتمني فيها العاشق أن يقطف نجم الليالي ويبني لهن قصرا عاليا.
وكما عبر حليم عن الروح الثائرة للشعب والنظام، قدم أغانيه الحزينة مع الأبنودي بعد الهزيمة وقدم ما عبّر عن المتاهة المجتمعية والقيمية في فيلمه الشهير "أبي فوق الشجرة" ليخرج من منظومة القيم النبيلة والعظيمة التي روّج لها إلى منظومة أخرى لا معني لها سوى عند جمهور كان يقوم بإحصاء القبلات بينه وبين البطلة في الفيلم، ولعل المبرر الواضح لهذه المتاهة هو تلك الهزيمة النفسية التي لحقت بالشعب بعد النكسة.
 
وهكذا جاء موت عبد الناصر ليمثل بداية نهاية العندليب ورغم استمراره في الغناء وتمتعه بالنجومية إلا أن المتأمل لمسيرة عبد الحليم حافظ يتأكد أنه لم يكن ذات المطرب قبلها، حتى حين استدعي تلك القدرة المبهرة على الحشد وغني للسادات "عاش اللي قال للرجال عدوا القنال" فقط مقابل اثنتي عشرة أغنية غناها لناصر باسمه والعشرات التي غناها لمصر الشعب وللأمة.
 
وأجاد عبد الحليم طوال حياته تمثيل دور العاشق سواء في أغانيه أو أفلامه، كما أجاد تقديم دور الفتي الفقير الذي تدفعه موهبته إلى الغنى والشهرة والنجومية منذ قدم فيلمه "لحن الوفاء"، فالتصقت به تلك الصورة وتكررت في أكثر من فيلم بعد ذلك بقصص مختلفة ليكون ممثلا للغلابة الذين استطاعت ثورة يوليو أن تخلق في قلوبهم الأمل في حراك طبقي للأعلى بعد أن كان مستحيلا قبلها وهي رسالة كان النظام يودّ تعميق وجودها داخل الوجدان المصري.
ولعل التاريخ السياسي السينمائي المصري لم يتقاطع في مرحلة أخرى بالشكل الذي حدث في تلك المرحلة، إذ كان للسينما مساحة في بيان الرئيس الأول لمصر بعد الثورة وهو محمد نجيب ومن ثم جاء التركيز على السينما والغناء كأسلحة للتوجيه الوجداني وتمثل أكثر في تحويل السينما إلي صناعة مملوكة للدولة "مؤسسة السينما".
 
وكان العندليب الأسمر أشد جنود عبد الناصر التزاما وأكثرهم قدرة - رغم المرض - على البذل في هذا الاتجاه. ولم يكن تقديم حليم لدور اليتيم العاشق الفقير الذي يحلم بالتحقُّق تمثيلا كاملا، فهي حياته بالفعل حيث تربي في ملجأ للأيتام وعمل بالتدريس لفترة قصيرة، ثم قرر ألا يستسلم للمسار الذي ينبغي عليه السير فيه طبقا لظروفه العائلية والطبقية.
 
 ولد حليم بقرية "الحلوات" التابعة لمحافظة الشرقية لأسرة فقيرة وماتت والدته بعد ولادته ثم رحل والده فكانت بيوت الأقارب ملجأه، إلى أن أدخل بالفعل إلى ملجأ للأيتام، لكنه استطاع بقدرة جبارة على التحدّي أن يتجاوز الفقر والمناخ الذي كان يدعوه إلى اليأس والاكتفاء بالتدريس، أن يحقق ما لم يحققه غيره من الذين ولدوا في ظروف طبيعية وأكثر يسرا من ظروفه.

قد ينال إعجابكم