بورتريه

روبرت ألتمان .. رائد السينما المستقلّة

روبرت ألتمان

 محمد رُضــا

مثل سواها من المدن في كل مكان، يلتقي القديم في مدينة كنساس سيتي مع الجديد والمعاصر. لكن في حين أن هذا اللقاء يشكل في معظم المدن الأخرى، أميركية أو عربية أو آسيوية وأوروبية، تناقضاً ويُجسِّد أحياناً تشتتاً في الهوية الأصلية وتلك المستحدثة، فإن كنساس سيتي، التي تقع في ولاية ميسوري، هي أكثر وداعة من سواها. مبانيها القديمة. ساحاتها الخضراء. الراحة التي يشعر بها المرء حين يحطّ رحاه هناك، كله يتجانس مع عمارات شاهقة وأساليب تقدُّم عصري بات معهوداً.

‫في العشرينات من القرن الماضي، كانت المدينة كلها جديدة بمعايير ذلك الحين. المخرج الأميركي "روبرت ألتمان" Robert Altman وُلد هناك في العشرين من شهر شباط/ فبراير سنة 1925، واحد من عدة مخرجين وُلدوا في ذلك العقد وشقوا طريقهم صوب التميّـز والشهرة. من هؤلاء ستانلي كوبريك (1928)، جون كازافيتيز (1929) وقبلهما سيدني لوميت (1924) وآرثر بن (1922).

في الستينات، شكل ألتمان مع أبناء جيله من المخرجين ما عُـرف بـ «هوليوود الجديدة». كان مفهوم هذه الدلالة أن هوليوود جديدة أكثر احتراماً لإبداع المخرجين قد وُلدت وإن لم تلغِ تلك القديمة، تماماً كما حال كنساس سيتي اليوم.

هذا التعايش لم يمتدّ لفترة طويلة جداً، لكنه ساد الستينات والسبعينات قبل أن يندثر، بالنسبة لمعظم المخرجين، في الثمانينات. لكن العقدين المذكورين كان كل ما يحتاجه ألتمان وسواه لترك بصمته، لأن هوليوود، المستقلة وغير المستقلة على حد سواء، كانت وضعت في الحسبان المتغيرات الثقافية الشابة التي كانت بدأت. سمحت لجيل جديد من المخرجين أن يعمل (كوبولا، سكورسيزي، ألتمان، دي بالما) وفتحت الأبواب لممثلين غير معروفين لتبوُّأ بطولات (روبرت ردفورد، دستين هوفمان، وورن بيتي الخ…) بجانب الكتاب والمصوّرين والموسيقيين. كان هذا العقد المزدوج (الستينات والسبعينات) أهم تغيير طرأ على هوليوود منذ قيامها في العقد الثاني من القرن الماضي.

 

بداية ناجحة

ألتمان كان في وسط هذا التغيير ..

‫وُلد كاثوليكياً وإن توقف عن أَمّ الكنيسة في أواخر العقد الثاني من عمره. الفترة التي انضمّ فيها للجيش، حين كانت خدمة العلم إجبارية، كان في عداد القوات الجوية وشارك في طلعات مختلفة خلال الحرب العالمية الثانية إلى حين عودته من الحرب وتركه الخدمة سنة 1946. انتقل إلى لوس أنجيلوس وقرر أن يقتحم مجال العمل السينمائي‪. وضع سيناريو فيلم بوليسي بعنوان «الحارس الشخصي» (Bodyguard) سنة 1947 واستطاع بيعه إلى شركة RKO النشطة آنذاك وتم تحقيقه على يدي المخرج رتشارد فلايشر في العام التالي‪.

أحدهم نصح ألتمان بأنه إذا ما أراد مهنة الكتابة لنفسه فإن مدينة نيويورك هي المكان الأنسب. شدّ الرحال إليها وحط سنة 1949 لكنه لم يحقق فيها أي اختراق. في العام ذاته عاد إلى مدينة كانساس سيتي ليجد عملاً في شركة أرادت تحقيق أفلام صناعية/دعائية. ألتمان عمل على الكتابة والإخراج حتى منتصف الخمسينات عندما أخرج فيلمه الروائي الطويل الأول «الجانحون» (The Delinquents).

كتب ألتمان الفيلم بنفسه وقام بإنتاجه واستعان بممثل غير معروف اسمه توم لفلن (لاحقاً ما اشتهر بلقب «بيلي جاك» عندما تحوّل إلى مخرج وممثل - أيقونة شبابية) ليجسد دور شاب تركته صديقته واحتضنته شلة من الشباب العابث. آنذاك كانت أفلام الشبيبة قد بدأت تلقى رواجاً بين جمهور الشباب أنفسهم، هذا على الرغم من أن معظمها كان منتقداً لهم، كما حال «الجانحون»، لكن الفيلم أنجز نجاحاً مقبولاً وتميّـز بجديّـة طرح مشاكل المراهقة والناتج عنها.

بهذا الفيلم عاد أدراجه إلى هوليوود حيث اشتغل على «قصة جيمس دين»، فيلم تسجيلي حول حياة الممثل المذكور الذي كان مات بحادثة سيارة سنة 1955. المخرج ألتمان وشريكه في المهمة جورج و. جورج منحا الممثل التقدير المناسب إذ عرضا قصّـة حياته القصيرة وأعماله وقاموا بإجراء مقابلات مع عدد من الممثلين الذين عملوا معه في أفلامه الثلاث «شرقي عدن» (إيليا كازان، 1955) و«متمرّد بلا قضية» (نيكولاس راي، 1955) و«عملاق» (جورج ستيفنز، وهو الفيلم الذي ظهر بعد عام من مقتل دين).

لم يؤدِ «قصة جيمس دين» إلى عروض سينمائية فورية، فانصرف ألتمان لكتابة وإخراج العديد من المسلسلات التلفزيونية وبنجاح مهني جيد شأنه في ذلك شأن أكثر من مخرج آخر بدأ طريقه في تلك المسلسلات (مثل سام بكنباه وسيدني لوميت). من المسلسلات الكثيرة التي عمل ألتمان عليها «شريف كوتشيز» و«بونانزا» و«ألفرد هيتشكوك يقدّم» و«كومبات» و«لومان» الخ…

هذه الحقبة علّـمته الانضباط والانخراط في العمل المبرمج. لكن روح المخرج كانت وثّـابة لتحقيق أفلام سينمائية خارجة عن الشروط التقليدية. هذا ما دفعه للعودة إلى السينما ولو على دفعات.

أول فيلمين

في العام 1966 تقدم المنتج وليام كونراد باقتراحين لشركة وورنر. الأول مشروع فيلم حول الهبوط على سطح القمر عنوانه «العدّ التنازلي» (Countdown)  والثاني أن يقوم روبرت ألتمان بإخراجه. في العام نفسه بوشر تصوير الفيلم وانتهى بخلاف بين ألتمان والشركة التي طلبت منه إعادة توليف الفيلم من ساعتين وعشر دقائق إلى نحو تسعين دقيقة. برفض ألتمان الخضوع لطلب الشركة مارس حقه كمخرج له وجهة نظر عليها أن تسود العلاقة بين الفيلم والجمهور. هذا الكلام لم يعن شيئاً لوورنر فقامت هي بالإشراف على مونتاجه وقلّـصته بالفعل إلى 101 دقيقة.

عُـرض في مدن قليلة حول العالم حينها. في أميركا استقبلته نيويورك وبعد أشهر لوس أنجيلوس ذاتها. في بيروت تم عرض الفيلم في العام التالي لإنتاجه. كذلك في ألمانيا وبريطانيا في عداد حفنة بلدان أجنبية قامت بتوزيعه.

أهمية الفيلم، بجانب رغبة ألتمان وضع بصمته كمخرج مستقل الإرادة، هي أنه سبق قيام ناسا بالهبوط على سطح القمر لأول مرّة بعامين. ثم كون دار، ولو في جزء منه، حول ملّاح منفرد يدرك أنه لن يغادر سطح القمر إلا إذا استطاعت المركبة التي أقلّـته أن تعيده إلى الأرض. سنوات كثيرة قبل أن يقوم "ريدلي سكوت" في أواخر العام الماضي بعرض جديده «المريخي» حول الملّاح الذي عاش وحده فوق سطح المريخ.

أتبع ألتمان هذا الفيلم بدراما عاطفية مختلفة تماماً عنوانها «ذلك اليوم البارد في الحديقة» The Cold Day in the Park مع مايكل بيرنز وساندي دنيس التي عادت ومثلّت معه في أفلام لاحقة.

هذا الفيلم (يحكي عن امرأة وحيدة استرعى انتباهها شاب أصغر منها وحيداً في الحديقة فتدعوه ليعيش معها) كان آخر فيلمين يمكن القول فيهما أنهما، في نهاية المطاف، ورغم حرص المخرج على بصمته، ليسا بالأهمية ذاتها بالنسبة إليه من فيلمه المقبل وصاعداً، وليسا كذلك من تلك الأعمال التي لفتت الأنظار إليه وألهبته بسياط النجاح نقدياً أو تجارياً.

لقطة من فيلم ماش M*A*S*H

‫الفيلم هو «ماش» M*A*S*H سنة 1970 والكلمة هي الأحرف الأولى من «المستشفى الجراحي العسكري المتحرك» Mobile Army Surgical Hospital  وهو التجسيد الأول لأسلوب روبرت ألتمان الفريد في صياغة أعماله وإدارة ممثلِّيه: كوميديا هازئة من الحياة العسكرية الأميركية وجبهات القتال (تقع أحداثها خلال الحرب الكورية) بطلها ثلة من الأطباء العسكريين غير المكترثين كثيراً لواجباتهم.

الحكاية هنا، كما في أفلام لاحقة لألتمان سنمر عليها، لا فصولاً سردية لها. لا تمهيد وحبكة وسيناريو مؤلف من الفصول الكلاسيكية الثلاث. بل أرض مستشفى عسكري نصبت فيها الخيم وقام الأطباء (دونالد سذرلاند وإليوت غولد وتوم سكيريت وسالي كيلرمان) بممارسة مهامهم بكثير من المفارقات المبعثرة مع كم كبير من الحوار. ألتمان، كما في باقي أفلامه، يعمد إلى منح العمل مرجعيته الواقعية بجعل الشخصيات تؤم تمثيلاً طبيعياً وتتكلم في الوقت نفسه (تماماً كما يقع في الحياة العادية). هذا أثار أعصاب ممثليه فلجأ سكيريت وسذرلاند وغولد إلى شركة فوكس طالبين منها استبدال المخرج. فوكس كانت مشغولة بفيلمين كبيري الحجم هما «باتون» (إخراج فرانكلين شافنر) و«تورا.. تورا… تورا» (رتشارد فلايشر وكينجي فوكاساكو) ولم يكن يهمها فيلم صغير الحجم بالمقارنة فرفضت الشكوى. عندما علم ألتمان بالوشاية (صارحه غولد) صرف النظر عن العمل مع توم سكيريت ودونالد سذرلاند للأبد. أما غولد فمنحه لاحقاً بطولة فيلم «الوداع الطويل» (1973).

هذا الحوار المتداخل  والمنطوق فوق بعضه البعض لم يكن الأمر الوحيد الذي تبلور كأسلوب معالجة لتدمير السرد التقليدي وإعلاء شأن دراما الحداثة، بل كذلك كل منواله من تلك المشاهد الطويلة تماماً معتبراً أن ما يثير اهتمامه هو شرائح الشخصيات ومنوال الحياة كما يقعان في «اللحظة التي تدور فيها الأحداث» كما قال.

لكن هناك بعداً ثالثاً لهذا الموضوع لا يقل أهمية.

سنة 1970 كانت الحرب الفيتنامية لا زالت مستعرة (كان الرئيس رتشارد نيكسون صرّح بأنه سيخفف من حجم الوجود الأميركي في تلك البلاد وتم سحب بعضها بالفعل، لكن القتال كان لا يزال حاداً وانتهى بالانسحاب الكامل سنة 1973. لكن خلال تلك الفترة (وعملياً منذ أواخر الستينات) أقدم مخرجون عديدون على تناول الحرب الفيتنامية مباشرة أو مغلّـفة. في الحالتين فإن معظم هذه الأفلام كانت ضد الحرب. وغير المباشر منها ارتدى أردية مختلفة (وسترن، بوليسي وكوميدي). «ماش» كان الساخر الكوميدي الأول من الحرب. على إثره، وفي العام ذاته قدّم المخرج مايك نيكولز فيلمه الكوميدي الساخر أيضاً «كاتش 22». كلاهما عن روايتين سابقتين («ماش» من كتابة رتشارد هوكر و«كاتش 22» لجوزف هَـل). لكن «ماش» هو الذي عنى بأن يدور في رحى الحرب الكورية ليوحي بالحرب الفيتنامية وبمجرد السخرية من العسكر والجهود والعلاقة بين القادة والجنود كما يرد في «ماش».

 

نقد الثوابت

بعد ذلك، أفلام ألتمان على نوعين غالباً ..

الأول يعني بالمكان والشخصيات المتكاثرة من دون تمهيد حدثي لتعريف المشاهد بتلك الشخصيات ومن دون ذروة ملموسة للحكاية (شأن «ماش» وأفلام أخرى سنعرضها) وأخرى تحوي الحكاية ولو دائما مع معالجة مختلفة بحيث لا يشكل منوالها أي اختلاف جذري عن خطّـة المخرج العامة وأسلوب عمله.

بداية، «العد التنازلي» و«ذلك اليوم البارد في الحديقة» ينتميان إلى باتمان السردي على النحو الذي اعتاد المشاهدون متابعة الأفلام وحكاياتها. «ماش» ينتمي إلى تلك التي لا تقدم حكاية بل مواقف وشخصيات. لكننا سنجد قدرة المخرج على تطويع الحكاية لأسلوب ملاحظاته حول الناس والعالم في كل ما يقوم به. المثال الأوضح على ذلك هو فيلمه العملاق الأول «ماكاب ومسز ميلر»  (1971).

هي حكاية مختلفة للغرب الأميركي على أكثر من وجه. الموقع هو الشمال الأميركي البعيد (كما هو حال فيلم «العائد» لأليخاندرو غونزاليس إيناريتو) المغطى بالثلوج. يصل ماكاب (وورن بيتي) إلى بلدة مبنية على الطمي وبين الأشجار الكثيفة والمطر، ويبدأ بتأسيس جذوره. إنه الرأسمالي الذي يرى في الناس والأشياء سبيلاً للحياة. حياته هو. هناك في تلك البلدة تعيش مسز ميلر (جولي كريستي) التي تدير حانة بغاء والفيلم هو كيف سيتنافس كل منهما على استحواذ الآخر. هو يريدها العشيقة ويريد «البزنس» التي تعمل فيه، وهي تريده عاطفياً لكنها تتمنع في التسليم لتسلّله. الفيلم يقول الكثير عن الرأسمالية وارتباطها بالأميركي كما بالغرب، وربع الساعة الأخيرة وحدها، بكل متاهاتها الأسلوبية والتصويرية وكيف يخسر بطل هذه الدراما كل شيء سعى لأجله من بين أفضل ما شهدته السينما في السبعينات من أعمال.

بعده بعامين أخرج «الوداع الطويل»: اقتباس لرواية من تأليف الكاتب البوليسي رايموند تشاندلر وبطولة شخصيته الخيالية التحري فيليب مارلو (يقوم بها هنا إليوت غولد). وأول ردّة فعل للعارفين بأسلوب الكاتب شاندلر وبصياغته لشخصيته، الطريقة الساخرة والمنتقدة التي عامل بها المخرج تلك الشخصية. أخرجها من كلاسيكيتها ومارس عليها ترجمته الخاصّـة فإذا به، عبر ذلك، ينتقد أميركا من خلالها كما فعل في «ماكاب ومسز ميلر» إنما في نوع سينمائي مختلف.

هذا النقد مارسه فيما بعد في كل أفلامه وعبر قراءته المختلفة للشخصيات التي تم للأميركيين تأليهها واعتبارها نماذج لا يُـقترب منها.

علي سبيل المثال، لدينا «بافالو بِـل والهنود، أو كيف دراسة سيتينغ بول للتاريخ» Buffallo Bill and the Indians‪, or Sitting Bull‪'s History Lesson

هذا فيلم خاص في زمانه (1976) بقي خاصّـاً إلى اليوم وفيه تناول أسطورة محارب الهنود الحمر بافالو بل  (قام بدوره بول نيومان) بتشريح سياسي لا اهتزاز فيه. فالصورة التقليدية الآتية مع الزمن بأنه كان مقاتلاً شجاعاً ضد مواطني أميركا الأصليين. ألتمان يكشف عن إنه لم يكن أكثر من قاتل عنصري التبعية حشد له الأميركيون عواطف في غير مكانها.

الأمر نفسه لاحقاً مع الشخصية الكرتونية المعروفة «بوباي» (قام به روبين وليامز) سنة 1980. بدورها شخصية أميركية محبوبة قام ألتمان بنزع التلوين عنها ليظهرها بحقيقة قاتمة ومختلفة.

لقطة من فيلم ماكاب ومسز ميلر McCabe & Mrs. Miller

الرئيس وحيداً

خلال تلك الفترة وما بعد لم يتوقف عن تحقيق أفلام ذات مكان واحد وشخصيات متعددة. «بافالو بل» كان من هذا النوع (ورد فعل الجمهور تسبب في سقوط الفيلم تجارياً). من الأفلام الأخرى في هذا المنوال «صور» (1972) و«ناشفيل» (1975) و«3 نساء» (1977) و«عرس» (1978) من بين أفلام عديدة أخرى.

في الواقع، وضمن هذا السياق، فإن «شرف سري» (1984) لا يتضمن أكثر من شخصية واحدة هي شخصية الرئيس رتشارد نيكسون (فيليب بايكر هول). ساعة ونصف من التصوير داخل غرفة الرئيس مع شخص واحد يتحدث مع نفسه أو يتحدث كما لو أن أحداً آخر في الغرفة يستمع إليه،  أو يجيب على الهاتف. يرغي ويزبد حول فضيحة ووترغيت التي كان بطلها.

ضمن هذه المجموعة المحبوسة ضمن جدران المكان، وإلى جانب «صور» و«3 نساء» و«عرس»، لديه تجربة رائعة قام بها مباشرة قبل «شرف سري» تحت عنوان «عد إلى (حانة) الخمس والعشر سنتات، جيمي دين، جيمي دين» (Come Back to the 5 ‪& Dime‪, Jimmy Dean‪, Jimmy Dean) عن عدد من النساء (من بينهن ساندي دنيس، شير، كارن بلاك وكاثي بايتس) يعملون في مطعم (داينر) يقع خارج البلدة التكساسية.

جوانا (بلاك) كانت تعمل هناك والآن تعود في زيارة في اليوم ذاته الذي مات فيه الممثل جيمس دين بحادثة سيارة (في الثلاثين من أيلول/ سبتمبر، 1955). وقع الخبر (الكاميرا لا تخرج من المكان ولا يوجد من يلعب شخصية الممثل) يحتل الدقائق الأخيرة من الفيلم فقط لأن غالبه هو عن حال النساء الصديقات ومنوال من الأحاديث الكاشفة عن شخصية مختلفة لكل منهن.

تلتقي كل هذه الأفلام وسواها (بصرف النظر عما إذا كانت مسرودة كقصص متنقلة أو كمواقع منفردة مع شخصيات عدّة) بانتمائها إلى معالجة ألتمان المختلفة عن كل ما عداه. نراه يسعى، حتى في أعماله الأخيرة مثل «دكتور ت والنساء» أو «حظ الحلوى» و«غوسفورد بارك» (في أواخر التسعينات ومطلع القرن الحادي والعشرين) لتقديم صورة أخرى (لا تخلو مطلقاً من الصدق) لأميركا ومن يعيش فوقها وكيف تشرّب ثقافة (كالعنف، العنصرية، مفهوم البطولة) مناوئة للثقافة التي كان يجب أن تسود (كالسلام الاجتماعي والتقارب والثقافة). لكي يوصل هذه الفكرة كان لابد لألتمان من أن ينجز أعماله من منظور فني وثقافي. هذا تبدّى في كل فيلم من أفلامه مهما اختلفت المواضيع وأنواع الأفلام. يتبدّى من خلال الصورة، كما من استخدامه الموسيقى والغناء، ولديه أفلامه الباحثة في الموسيقى والغناء (مثل «كانساس سيتي» و«ناشفيل» وآخر أفلامه «مصاحب البيت الريفي» سنة 2006، (السنة التي توفي فيها).

حتى عندما لا تكون أفلامه على علاقة مباشرة بالغناء والموسيقى، تستخدم أحياناً الغناء للإدلاء بشهادة كما الحال في أغنية مطلع فيلم «ماكاب ومسز ميلر».

سينما ألتمان عرفت كل الأنواع الممكنة: الوسترن، التشويقي، البوليسي، الخيال العلمي والكوميدي كما تلك الدراميات المبنية على الشخصيات المنفردة، لكن المرء يجد أنه ألتمان واحداً في كل نوع من هذه الأنواع.

لا يعيبه مطلقاً أن القليل من أفلامه نجح تجارياً، أو أن عدداً غير قليل منها، كان من تمويل شركات هوليوود الرئيسية. ألتمان بقي محافظا على ألتمان ذاته في كل عمل حققه ولم يتنازل.

 

قد ينال إعجابكم