بورتريه

رياض البندك.. معجزة بيت لحم

ياسر ثابت

استمرت ألحان رياض البندك تتناولها بالغناء حناجر المطربين والمطربات، وامتلأت الإذاعات العربية بها، ومن هؤلاء وديع الصافي.

أُعجِب بفنه الموسيقار محمد عبدالوهاب، ودفع لحنه «عيني عالصبر» الملحن رياض السنباطي إلى القول: «إن هذا اللحن مدرسة فنية كاملة». أسهم في إنشاء وتأسيس إذاعة «صوت العرب» في مصر وإدارة وتنظيم القسم الموسيقي في إذاعة لبنان وسوريا وتأسيس الأقسام الموسيقية في إذاعة وتليفزيون الإمارات العربية المتحدة.

إنه الملحن والموسيقار الفلسطيني رياض بن عيسى بن باسيل البندك، المعروف باسم رياض البندك. من مدينة بيت لحم، وُلِدَ في 4 يوليو عام 1924. نشأ في أسرة تهتم بالعمل السياسي والصحفي، والده عيسى البندك رئيس بلدية بيت لحم، وأبرز الشخصيات التي كانت لها أدوار مهمة في الحركة الوطنية الفلسطينية، وصاحب جريدة «صوت الشعب» التي كانت تصدر وقتها.

عُرِف عن رياض البندك حُبُّه للصحافة أيضًا وعمل فيها مع أخيه يوسف البندك، غير أن الموسيقى كانت حُبَّه الأول. لحَّن لكبار الفنانين مثل وديع الصافي، وماري جبران وربى الجمال، كما لحَّن لنصري شمس الدين، وملحم بركات، وجورج وسوف، ونهاد طربية وفهد بلان.

اكتشف صوت فاتن الحناوي شقيقة ميادة الحناوي؛ حيث لحن لها أغنية «يا من سقانا»، التي نالت الجائزة الأولى في مهرجان تونس الغنائي. وكان من أول من ساعد المطربة فايزة أحمد على تحقيق النجاح وكانت ألحانه الأولى لها «إيش غيّرك»، و«امسحوا عن ناظري» و«حنين قلبي».

تنقل رياض البندك في حياته منذ طفولته بين بيت لحم، مرورًا بدمشق وبيروت والقاهرة، حيث الانتشار والأضواء. كما ضمت مذكراته قصصًا ورواياتٍ وحكاياتٍ وتجاربَ مع فنانين وفنانات، منهم من لمع في عالم الشهرة والمجد، ومنهم من توارى بين طيات النسيان.. ومنهم من عصفت بهم يد القدر.

«بدأت حياتي الفنية عندما كنت في مدرسة بيت لحم الابتدائية، حيث كان مدير المدرسة الأستاذ فاضل النمر (من رام الله) الذي كان يعشق الموسيقى، كما كان يعزف على الكمان. أراد المدير إنشاء كورال في مدرسته من التلاميذ المحبين للموسيقى، وكنت أنا واحدًا منهم، فاختارني المدير وهو يعلم جيّدًا أنني كنت صغيرًا لم أتجاوز بعد 11 سنة. وتشاء الصدف أنني كنت الوحيد الذي يحفظ كل ما علمنا إياه المدير. فكان يطلب مني أن أغني يوميًّا نشيدًا في طابور الصباح، قبل دخول التلاميذ فصولهم»  .

واجه البندك معارضة شديدة من والده لكي يثنيه عن طريق الفن، ولكن دون فائدة، في طفولته كان يجمع أولاد الحارة ويجوبون البيوت؛ حيث كان يعزف ويغني ويساعده الأطفال في العزف والغناء مقابل قروش قليلة.

في المرحلة الثانوية، وفي كلية تراسانطة تتلمذ على يدي الموسيقار الفلسطيني يوسف بتروني، الذي يعتبر من أهم الموسيقيين في الوطن العربي .

ولحُبِّه وشغفه بالموسيقى، أرسل إلى مدير البرامج في الإذاعة الفلسطينية في ذلك الوقت يحيى اللبابيدي، أحد رواد الموسيقى المعروفين وملحن الأغنية الشهيرة «يا ريتني طير لأطير حواليك» التي تغنى بها فريد الأطرش، وفتحت له طريق الشهرة؛ إذ كانت سببًا في دخوله الإذاعة.

وكان الاختبار؛ حيث كتب ولحن أغنية مطلعها «مسكين الطير غنى»، ووجد فرقة موسيقية كبيرة بقيادة الفنان الكبير جميل عويس، وهو شخصية موسيقية شهيرة من مدينة حلب، وكان ذات يوم رئيسًا لفرقة الموسيقار محمد عبدالوهاب.

لفت نظر الموسيقيين أنه دخل الاستوديو من دون خوف أو ارتباك، وبمنتهى الجرأة وقف أمام اللجنة وغنى مطلع أغنيته. أُعجِب الموسيقي الكبير يحيى اللبابيدي بلحنه، وطلب منه أن يحضر في الأيام المقبلة إلى الاستوديو لتدريب الفرقة على لحنه، وحتى تستمع اللجنة للعمل بأكمله غناءً وعزفًا.

«وكانت هذه الخطوة مفاجأة لعائلتي.. وعليه قام والدي بالاتصال باللبابيدي وهدده بهذه الكلمات:

-    لو أدخلت ابني طريق الفن فسأكسر لك رجلك التانية. (فـ«اللبابيدي» كان أعرج).

«ولن أنسى اليوم التالي عندما توجهت إلى الإذاعة.. وفوجئت بالحراس يمنعونني من الدخول بأوامر المدير.. وبالطبع كانت هي أوامر والدي. فرجعت مكتئبًا إلى بيت لحم.. لأكمل نشاطي الموسيقي في السهرات والأعراس والحفلات أغني، إلى أن حدثت المعجزة. وكان ذلك في شهر أغسطس سنة 1938.. عندما طوَّق الجيش البريطاني مدينة بيت لحم، واعتقلوا والدي ونفوه إلى اليونان.. لن أنسى هذا اليوم.. حيث كانت البلدة تعيش في ثورة بعد اعتقال زعيمها.. بينما كان هذا أسعد يوم في حياتي»!

يتابع البندك: «وفي غياب والدي بدأ نشاطي في الإذاعة الفلسطينية، وأصبحت أحد فنانيها المرموقين. وبعد الحرب العالمية الثانية أُفرِج عن والدي وعاد إلى بيت لحم سنة 1947 حيث عُيِّن رئيسًا للجنة القومية لمنطقة بيت لحم، وكان مسئولاً عن كل العمليات التي يقوم بها المقاتلون في تلك المنطقة ضد الاستعمار البريطاني والعصابات الصهيونية. وصدر قرار التقسيم، وبدأت الحرب، وفوجئت بوالدي يأمرني بالاشتراك في التدريبات العسكرية مع الشباب، خاصة أن شقيقيّ يوسف ومازن كانا من بين المقاتلين.. فقررت الهرب وذهبت إلى دمشق. وعند وصولي إلى الإذاعة السورية في شارع بغداد، فوجئت باسمي يتردد بين العاملين في الإذاعة؛ لأن إذاعة القدس كانت تسمع في دمشق ليلاً ونهارًا. أول حفلة قدمتها في سوريا كانت في مدينة دمشق، حيث غنيت أغنية (آه من عينيك)».

 

 

وحدثت المعجزة الثانية، فبعد أن انتهى من حفلته أخبروه بأن هناك سيدة تريد أن تتحدث معه على الهاتف. وكانت السيدة هي المطربة السورية «ماري جبران» التي كانوا يطلقون عليها اسم «أم كلثوم سوريا».

دعته المطربة إلى منزلها، وهناك فوجئ بعدد من الشعراء والأدباء والفنانين.. فرح وحيث إنه فنان هاوٍ طلبت منه غناء اللحن الذي أداه في الحفل، بحجة أنها تريد أن تحفظه لتؤدي الأغنية في حفلاتها الغنائية. وطوال الليلة والمطربة تردد معه اللحن، حتى حفظته. وأصبح هذا اللحن فيما بعد من أشهر الأغاني التي غنتها هذه المطربة الكبيرة.

كان مدير الإذاعة السورية في ذلك الوقت فؤاد الشايب، الذي ألح عليه أن يبقى في دمشق ليعاونه في إقامة نهضة فنية.. فوافق بالطبع.

فوجئ رياض البندك بالمطربة ماري جبران تعتزم السفر إلى بيروت في رحلة فنية، وكانت ذات شخصية قوية ونفوذ، وأصرت على اصطحابه معها في رحلتها.. وأخذته إلى مكتب مدير الإذاعة السورية، لتعلمه أن رياض سيذهب معها إلى بيروت.. ليس في صيغة استئذان، وإنما أمر مفروغ منه.

وفي بيروت، وفي منطقة البرج تحديدًا، كانت توجد صالة غناء تعرف باسم «صالة عويس» وكانت أكبر صالة في ذلك الوقت. ولدى وصوله إلى بيروت فوجئ بإعلانات كبيرة معلقة في الشوارع كُتِب عليها:

«المفاجأة الفنية الكبرى.. المطربة الكبيرة ماري جبران مع ألحان رياض البندك».

لاقت أغنيته في أول حفل للمطربة الكبيرة ماري جبران نجاحًا كبيرًا.

 

 

صعد رياض إلى المسرح لتهنئتها على نجاح حفلها؛ وإذ بالفنان الكبير فريد الأطرش يقف إلى جانبها بين كواليس المسرح، جاء أيضًا لتقديم تهانيه لهذه الفنانة الكبيرة، وكان «فريد» من أقرب الأصدقاء لماري جبران. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يلتقي فيها مع فريد الأطرش.

وفي اليوم التالي جاء فريد إلى المسرح وحجز طاولة كبيرة له ولأصدقائه احتفاءً بماري جبران ورياض البندك. وكتبت الصحف اللبنانية تمتدح الأغنية. ودعاهما مدير الإذاعة اللبنانية الشيخ فريد مكاري لتسجيل الأغنية في الإذاعة. وفي أثناء البروفات حضر المدير للاستماع إلى الأغنية، وكان رياض يقود الفرقة الموسيقية. ولاحظ أنه كان يتابع إشاراته باهتمام كبير.

وبعد البروفة، استدعاه المدير إلى مكتبه وقال له:    لن ندعك تسافر.. أريدك أن تنظم وتشرف على قسم الموسيقى في الإذاعة اللبنانية.

وفعلًا أصدر قرارًا بتعيينه رئيسًا لقسم الموسيقى في الإذاعة اللبنانية، ولم يعد إلى دمشق إلا بعد سنتين؛ حيث عُيِّن فيما بعد مراقبًا للموسيقى في الإذاعة السورية.

ذات يوم أخبره عازف الإيقاع بفرقة الإذاعة، محمد العاقل، أنه سمع في مسرح سوريا صوت فتاة يعتبره هو من أجمل ما سمع من أصوات.. وكان هذا المسرح من مسارح الدرجة العاشرة، تؤمّه طبقات شعبية. ذهب رياض في إحدى الليالي ليستمع لهذا الصوت.. قدمها ليلتها مذيع الحفل باسم «فايزة أحمد».

غنت الفتاة النحيلة البسيطة أغنية أم كلثوم «ظلموني الناس» وشعر رياض منذ الوهلة الأولى أنه يقف أمام مطربة ممتازة وواعدة.

وبعد الانتهاء من غنائها أرسل في طلبها، فجاءت مسرعة، واتفق معها على أن تنتظره صباح اليوم التالي عند باب الإذاعة. وفي العاشرة من صباح اليوم التالي وجدها تنتظره أمام باب الإذاعة. تولى البندك تعريفها إلى المدير العام أحمد عسة، وأفهمه أنها موهبة كبيرة، تحتاج إلى رعاية.

يقول البندك في مذكراته: «وأخذت على نفسي عهدًا بأن أتولى العناية بمظهرها، والأخذ بيدها. حيث كانت حالتها المادية سيئة للغاية.. كانت تسكن في غرفة بأحد الفنادق الرخيصة.. وكانت في الثامنة عشرة من عمرها.. واستطعت أن أنقل هذا الصوت والشكل من إنسانة فقيرة إلى فنانة قديرة. اخترت لها موشحًا أندلسيًّا من شعر ابن هانئ الأندلسي وقمت بتلحينه.

«وفوجئت وأنا أقوم بتحفيظها للموشح بأن فايزة أمية لا تقرأ ولا تكتب، مما زاد في تصميمي على تبنيها. فبقيت معها نحو شهر كامل حتى حفظت كلمات الشعر.. وسامحني الله كم أنّبتها وقسوتُ عليها حتى حفظت هذه الأبيات. وعندما أدت اللحن تأكدت أنها ستكون يومًا ما من أعظم مطربات العصر. وذهبنا للاستوديو لإجراء البروفات قبل التسجيل».

تم تسجيل الموشح وأذيع، لتنهال المكالمات الهاتفية على فايزة من جميع أنحاء سوريا.

 

 

بعد نجاح لحنه الأول لها، لحَّن لها موشحًا آخر من نظم الشاعر الفلسطيني حسن البحيري، يقول مطلعه:

أنت طيف أحسه في الأماني

يا بعيدًا وأنت في وجداني.

وجاءت اتصالات من عمان وبغداد وبيروت تطلب تسجيل الموشحين في إذاعات هذه البلدان.

في عام 1953، أيْ بعد عام واحد على قيام ثورة 23 يوليو 1952، تلقى رياض البندك دعوة من القاهرة للسفر إليها والاشتراك في تأسيس إذاعة «صوت العرب»، فتقدم باستقالته من الإذاعة السورية التي رفضت قبوله، فتسلل إلى بيروت، ومنها سافر إلى القاهرة حيث بدأ العمل بها بأن سجل نشيدين، أولهما من شعر حسين طنطاوي، ويقول فيه:

هلموا هلموا شباب العرب

إلى المجد والمجد للأقوياء

إذا ما اتحدنا بلغنا الإرب

وعند السماء رفعنا اللواء.

أما النشيد الثاني فهو من كلمات د. عبدالسلام العجيلي ومطلعه:

السهول والربا رددت ندانا

حين جردنا الظبى نفتدي حمانا.

لم تنقطع صلة رياض البندك بجوهرته التي اكتشفها فايزة أحمد.

ودرءًا للنّهايات الدّرامية، التقى معها في فندق «العتبة الخضراء»، وتحدث مع أحمد سعيد، مدير إذاعة «صوت العرب»، عنها وعن صوتها، فرحب بها في «صوت العرب» التي كان من أهدافها الأولى تقديم الفنانين العرب. وهنا ساعد فايزة أحمد على أن تشق حياتها الفنية بأن أحضر لها أقوى فرقة موسيقية ألا وهي «الفرقة الماسية» بقيادة أحمد فؤاد حسن، وكانت البروفات في حجرة من حجرات معهد الموسيقى العربية (النادي الشرقي) بشارع رمسيس.

حضر كمال الطويل وبليغ حمدي، ليستمعا إلى صوت فايزة أحمد. والتقى مع الموسيقار رياض السنباطي، الذي بادره بحديثه عن فايزة أحمد وقال له: «دا صوت الواحد يتمنى يلحن له».. وبدأت فايزة تتنقل بصوتها بين كبار الملحنين.

وفي القاهرة بدأ نشاط رياض البندك الفني، وبدأ تعاونه مع أكبر المطربين والمطربات من بينهم: شهرزاد، كارم محمود، محمد قنديل، فايدة كامل، ونور الهدى وغيرهم. غنت بديعة صادق من ألحانه «شوف آيات الجمال» من كلمات السيد ذكري، أما سعاد محمد فقد غنت من ألحانه «إمتى الهوى ينصف حبيبين» نظم زوجها محمد علي فتوح، وغنى كارم محمود «زي الطير» من ألحان البندك وكلمات بخيت بيومي. ولحن «وحدة العرب» من كلمات يوسف بدروس، أما لور دكاش فقد غنت من ألحانه «طلعت ليلى» من نظم يوسف الخطيب، وغنى محرم فؤاد لحنه «لموا الصف» من كلمات عبدالرحمن الأبنودي.

وفي عام 1957 عندما بدأت الجهود لإقامة الوحدة بين مصر وسوريا، عاد رياض البندك إلى دمشق بدافع من واجبه القومي، لكن الفرحة لم تدم طويلاً، فقد حدث الانفصال سنة 1961، فعاد إلى بيروت للإقامة بها والعمل في إذاعتها. وكان مدير برامجها آنذاك نبيل خوري (رئيس تحرير مجلة «المستقبل» سابقـًا)، الذي عيَّن في عام 1962 رياض البندك قائدًا لأوركسترا الإذاعة اللبنانية في بيروت.

وفي عام 1967 وبعدما وقعت هزيمة يونيو، أصيب البندك بضربة قاتلة، وقرر ترك العمل في بيروت واللجوء إلى مصر مرة أخرى، واستعاد نشاطه من جديد في «صوت العرب» والإذاعة المصرية.

ولدى وصول المطرب اللبناني وديع الصافي إلى القاهرة، لحَّن له البندك أغنيته الشهيرة «يا عيني ع الصبر» وهي من كلمات نجيب نجم، لتصبح تحفة فنية.

لحَّن أيضًا للمطربة علية التونسية أغنيتها الشهيرة «لا ملامة»، ومن فلسطين لحَّن لفهد نجار وماري عكاوي وفاطمة محمد ورجاء وعامر فراج وكاظم الساسي، وقدم عملاً موسيقيًّا ضخمًا بعنوان «فلسطين» والذي يعتبر أول عمل في تاريخ الموسيقى يقدم مع أوركسترا عربية، ووضع رياض البندك في هذا العمل خلاصة خبرته وتجربته الفنية ليُظهِر عظمة الموسيقى العربية.

استمرت ألحان رياض البندك تتناولها بالغناء حناجر المطربين والمطربات، وامتلأت الإذاعات العربية بها، ومن هؤلاء وديع الصافي الذي غنى من ألحانه وكلمات نجيب نجم «غلاب الهوى»، وجورج وسوف، الذي غنى من ألحان البندك وكلماته أغنية «حُبّك يا جميل»، حتى وافاه الأجل المحتوم في دمشق في 7 فبراير 1992.

 

 

 

قد ينال إعجابكم