بورتريه

ست شخصيات تبحث عن يوسف شاهين..

الراحل يوسف شاهين

فاطمة نبيل

هناك مثل شعبي مصري يقول (اللي بيخلف مابيموتش)، يقوله المصريون قاصدين رثاء موتاهم، والتعزية في رحيل أحبتهم بذريتهم التي تركوها من ورائهم، تحمل صفاتهم ومآثرهم.

وأما يوسف شاهين الذي ترك الحياة، وتوقف قلبه العليل عن النبض في 27 يوليو عام 2008، بعد حياة حافلة دامت إثنين وثمانين عاما، ورحلة طويلة بدأت من الإسكندرية وانتهت في الإسكندرية في قبر يحمل شاهده جملة "يهمني الإنسان ولو مالوش عنوان"، فصحيح لم ينجب أطفالا، يحملون اسمه ويرثون تركته، لكنه ترك وراءه خمسة وثلاثين فيلما روائيا طويلا، وعشرات التلاميذ، وملايين المحبين، ومئات الشخصيات التي تبحث عنه كما تبحث الرعية عن راعيها.

ست شخصيات منها هنا، بعضها الأهم والأفضل، وبعضها يحتل مكانته من ترتيبه المتأخر في حياة الأستاذ.

قناوي / باب الحديد

مشهد من فيلم "باب الحديد"، ويُظهر كل من فريد شوقي وهند رستم

في فيلمه الحادي عشر يقدم شاهين أول وأهم شخصياته السوداوية، قناوي المهمش والمثير للإشمئزاز والتقزز أكثر من إثارته للرثاء.

قناوي بائع الجرائد كأول نموذج للمثقف عند شاهين والذي سيتبلور لاحقا في أفلام مثل: (العصفور، الاختيار، الأرض).

قناوي الأعرج المحروم من كل حب، والواقع في غرام هنومة بائعة المشروبات الغازية التي يربطه بها نهم جنسي شديد، لكنه عاجز عن وصالها، ليست لإنها تحتقره فحسب، لكن لأنها أيضا غارقة لأذنيها في حب أبو سريع المناضل اليساري، والذي اختار النقابات طريقا لتحقيق أهدافه، في إشارة مبكرة لفكرة ستظهر في أعمال شاهين اللاحقة.

وكما يفشل قناوي في أن يجعل هنومة تحبه، فإنه يفشل كذلك في محاولة قتلها، وتكون النتيجة أن يودع مصحة الأمراض العقلية.

لا عجب أن الفيلم سيفشل عند عرضه فشلا سريعا، وسيقوم جمهور "فريد شوقي" الذي أعتاد أن يراه منتصرا دائما بتكسير صالة العرض هاتفا "سيما أونطة هاتوا فلوسنا".

أما شاهين فكان نصيبه من الفشل بصقة على وجهه من أحد المشاهدين الغاضبين، ستخل بثقته بنفسه، واعتقاده أنه مخرج جيد، ثقة يصمم أن يستعيدها قريبا جدا.

كان منتج الفيلم قد أصر على أن يضيف للفيلم لقطات مقربة جدا لعينين قناوي، ظنا منه أن ذلك سيساعد الجمهور على الاقتراب من الشخصية، لكن حتى هذا لم يشفع لقناوي لدى الجمهور الناقم على الفيلم، ولم يرض شاهين واعتبر رضوخه ذلك تنازلا فنيا صمم على عدم تكراره لاحقا أبدا.

صلاح الدين الأيوبي / الناصر صلاح الدين:

مشهد من فيلم "الناصر صلاح الدين"

شخصية استثنائية، تليق بفيلم تعبوي مقدم لتعزيز شخصية جمال عبد الناصر كزعيم موحد للعرب.

حيث يظهر صلاح الدين الأيوبي مؤسس الدولة الأيوبية كشخصية أحادية تتمتع بصفات ملائكية من الحق والعدل وإعطاء كل ذي حق حقه وإن كان عدو غازي.

في تلك المرحلة كان شاهين لايزال مشبعا بأفكار عبد الناصر، الأمر الذي جعله يقبل تنفيذ فيلم كان كل شيء فيه معد سلفا حتى الملابس والديكورات.

ربما رأى في الفيلم فرصة للتعامل مع آلاف الكومبارس الذين وفرتهم القوات المسلحة مجانا، أو اختبار حركة الكاميرا في صحراء لا متناهية، أو إدارة العديد من الممثلين معظمهم من نجوم الصف الأول.

لكن المؤكد أن لجملة المخرج "عز الدين ذو الفقار" الذي رشحه بدلا منه لظروف مرضه لإخراج الفيلم وأقنع المنتجة أسيا به عندما قال لشاهين "كل مخرجين مصر يودون إخراج هذا الفيلم، لكني اخترتك بدلا مني لإني أراك أحسن مخرج في مصر".

في فيلمه الدعائي الثاني سيختلف الأمر تماما، وسيقسم شاهين على أن تكون شخصيات "الناس والنيل" إنسانية وليست ملائكية، تليق بفيلم ما بعد الهزيمة. 

إبراهيم / عودة الإبن الضال:

مشهد من فيلم "عودة الابن الشال"

الفيلم الأول بعد ثلاثية الهزيمة (الأرض، الاختيار، العصفور) التي يقر فيها شاهين أن الهزيمة حلت بنا يوم تواطء المثقفون مع السلطة بدلا من أن يكونوا على يسارها. 

"إبراهيم بينه وبين القمر باسبور" هكذا يرى شاهين بطله الذي لابد أن يبقى بعيدا عن كل صراع بين أفراد عائلته كما على الجيل الجديد أن يظل بعيدا عن الصراع الدائر في مصر بين زمن عبد الناصر السابق، وزمن السادات الحالي.

فليس بطل الفيلم – كما يوحي اسمه- هو علي العائد أخيرا والذي خرج من سجنه يوم مات عبد الناصر، والذي يمثل أمل أو خيبة أمل لكل أفراد عائلته، وإنما إبراهيم الذي يتمزق بين عمه العائد وبين تفيدة التي تدفعه دوما لترك كل صراعات عائلة طلبة، والمضي قدما في حياته والبحث عن الحلول داخله فحسب، وهي التي تأخذه في النهاية بعيدا عن العائلة التي تطحن ذاتها.

يحيى شكري مراد/ إسكندرية ليه

احمد زكى وعزت العلايلى كواليس فيلم "اسكندرية ليه" ليوسف شاهين

نحن هنا في إسكندرية الحرب العالمية الثانية، المدينة الكوزموبولوتينية التي تعج بالأطياف والأديان المختلفة، لكننا لا نراها بعين يحيى (كان هنا لازال يحيى قدري) قدر ما نراها بعيني شاهين نفسه صاحب الثلاثة وخمسين عاما في 1979.

أما فضيلة الفيلم الأساسية أنه بداية رحلة تعري سينمائية خاضها شاهين قل إن توجد مثلها، اللهم إلا لدى فيلليني الذي قد ظهر تأثر شاهين به بشدة.

ويحيى هنا عنصر بين عناصر كثيرة، فالعالم لا يدور في رحابه، حتى أن حكاية مثل حب إبراهيم المسلم لسارة اليهودية تشغل شاهين ربما أكثر من يحيى قدري الذي يتابعه في الربع الأخير من الفيلم حتى رحلته إلى الولايات المتحدة لدراسة السينما، تاركا المشاهد في حيرة عن ما الذي قد حدث ليحيى جعله يرى تمثال الحرية القابع في مدخل مدينة نيويورك يبدو في عينيه كامرأة عاهرة، في سؤال معلق لم يجاوبه إلا عام 2004 بفيلم "إسكندرية نيويورك". 

حدودتة مصرية: يخوض شاهين رحلة داخل ذاته بعد أن اقترب من الموت ورأه، وخلفه 56 عاما، و25 فيلما. 

الفيلم الذي عُرض خارج مصر باسم "الذاكرة" يروي بشكل خيالي غير مباشر انقسام يوسف شاهين بين اثنين، الأول هو يحيى شكري مراد المخرج المعروف والذي تصيبه نوبة قلبية في أثناء تصويره أحد أفلامه، ومهدي صديقه الذي يمثل الجزء المثقف والفنان الثوري في شخصية يحيى.

هنا صراعا يخوضه يحيى للتوفيق بين جانبي شخصيته، وبين يحيى الحالي ويحيى الطفل الذي يحاول أن يسكته دوما. 

إسكندرية كمان وكمان: في إسكندرية كمان وكمان يخوض شاهين رحلة تعري كاملة، حتى إنه يقدم شخصية يحيى شكري مراد بنفسه، ويحاول أن يكون الفيلم بمثابة علاج له، بعد أن هجره ممثله المفضل "محسن محيي الدين" وقد تمرد عليه كما تمرد تمثال بيجماليون على صانعه.

لكن كيف له أن ينجز فيلما عن آلامه الشخصية بمعزل عن ما كان يدور حوله في تلك الفترة، وتحديدا عن أهم معركة خاضها الوسط السينمائي ضد قانون النقابات الفنية. 

إسكندرية نيويورك: آخر أفلام رباعية السيرة الذاتية عرضا، والثاني من حيث الترتيب زمنيا.

نحن هنا أمام يحيى ضئيل الحجم والعمر، واسع الأحلام الذي قطع المحيط سفرا من إسكندرية حتى الولايات المتحدة كي يدرس السينما في معهد باسادينا بكاليفورنيا.

هناك يقع في حب الصغيرة جنجر، ويمتد حبه عبر الأزمنة، وعندما يعود مجددا وقد أصبح مخرجا شهيرا في بلده، يجدد حبه القديم لليلة واحدة سيكون ثمرتها ابنا يدعى إسكندر.

لكن إسكندر يختلف عن أبيه يحيى ويرفضه ويفضل عليه عالمه الجديد ونيويورك الجديدة، لا التي عرفها يحيى في الماضي.

وفيه يقارن شاهين بين أمريكا الخمسينات، حيث فريد آستير وسينما الاستعراضات البديعة والتسامح السائد، وبين أمريكا الجديدة وبطلها الجديد سيلفستر ستالوني وأفلام السوبر مان الأمريكي الذي يغزو العالم حاسما المعركة لصالح أمريكا الجديدة.

كما يصبح شاهين أكثر تقديرا لذاته، وأكثر نرجسية عما كان في إسكندرية ليه مثلا، وبعد أن كان يحيى جزءً من المدينة، تصبح المدينة وسكانها عناصر في حياة يحيى. 

عوكة / اليوم السادس:

مشهد من فيلم "اليوم السادس"

تأتي شخصية عوكة كجزء ثالث لشخصية يحيى في "إسكندرية ليه"، وعلي في "الوداع يا بونابرت"، وكلهم قدمه ممثله الأثير "محسن محيي الدين".

أما عوكة فهو شاهين ذاته في عالم موازي، فاهتماماته هي السينما، والرقص، والحب، والنساء، وحب جين كيلي الذي يوجه له الفيلم باستعراض "حدودتة حتتنا".

وفي حبه لكل هذه الأشياء انتصار للحياة في مواجهة الموت الذي تمثله الشخصية المضادة له شخصية "صديقة" التي تعيش حياة صعبة مع زوج عاجز وحفيد تحاول إنقاذه من موت محقق. 

حاتم / هي فوضى؟:

آخر أفلام شاهين“هي فوضى؟” الذي شاركه في إخراجه خالد يوسف، والذي تنبأ من خلاله بالثورة التي سيقوم بها الشعب المصري ضد النظام

كما حمل الفيلم اسم خالد يوسف كمخرج بجانب اسم يوسف شاهين، حمل الفيلم رؤيتين مغايرتين تماما.

فبينما حملت تقديم طريقة الشخصيات والتركيز على الأبعاد السياسية والاجتماعية التي تدور فيها أحداث الفيلم ملامح سينما يوسف شاهين، أما النصف الآخر فهو فيلم من إخراج خالد يوسف تماما.

وبينما رعى نصف الفيلم الأول نمو شاعري لعلاقة حب بين نور ووكيل النيابة، تابع نصفه الثاني إصرار حاتم على أن ينال نور بأي ثمن حتى لو اغتصبها.

وظل حاتم محاولة غير ناجحة لخلق شخصية شاهينية أخيرة. 

قد ينال إعجابكم

متابعات

عشاق بلا أمل

يختلف أنواع العشاق في السينما المصرية ولكن أشهرهم المصابون بالهوس العاطفي الذين يعشقون بلا أمل