بورتريه

سيد مكاوي.. شقاوة الموسيقى الشرقية

ياسر ثابت

تشبه ألحانه تلك "العين السحرية" التي نجدها أعلى الأبواب الخارجية للشقق والبيوت؛ إذ نطل منها على عالمٍ كامل كان خفيـًا عنا في هذه الحواجز، لولا تلك العين الزجاجية الساحرة. موسيقاه تُخرجك من عزلتك، وتقودك إلى فسحة رحبة تتأمل فيها ملامح مبهجة غابت عنك طويلًا. غير أن الذي يجعلك ترى ما لا يُرى، كان هذه المرة كفيفـًا. بابتسامته المتسعة، ونظارته السوداء المميزة، تداعب أنامله أوتار العود، لتبدأ تلك اللحظة السحرية التي تمتزج فيها الألحان بصوته، ليطيب لنا الوقت. ربما قطعت ألحانه الخفيفة الشجيّة نصف المسافة نحو السعادة، وربما منحتك لحظاتٍ تشبه الاستلقاء على أرجوحة معلقةٍ بين شجرتين، لكن إيقاع تلك الألحان هو كل الطريق إلى استكشاف ذلك الفراغ البهيّ. أما صوته فهو ذلك الذي يمسح الغبار عن نافذة الحياة، ويتنهد معك، ويسلي وحدتك، ويمنعك من أن تقضم أصابعك ندمـًا، قبل أن يوصيك بحنان مستفيض: لا بقايا لدموع جديدة.

إنه المطرب والملحن "سيد محمد سيد مكاوي"، الذي يلحن كشيخ ويغني كطفل يمد لك لسانه ساخرًا. لم تكن موسيقاه الرشيقة خيال مآتة في حقلٍ ما، بل كانت الحقل والمحصول الوفير.  يعجن التراب المتراكم حول ذاكرتك، قبل أن يدعوكِ للجلوس تحت ظلال سنديانة عتيقة اسمها: النغم الأصيل. ترك بصمة لا تُمحى في التراث الفني المصري؛ إذ تميز بأسلوب فريد لم ينافسه فيه مطرب آخر.  خليط من حس الدعابة عند المصريين، وبراءة صبي يلاحق الوهج المخاتل، وضحك رواد المقاهي الشعبية وأحزان رجلٍ تجلس مدنٌ قديمة فوق ظهره. لكنه في كل الأحوال، يتنقل في موسيقاه بخفة ما بين الوديان والدلتا، والحارة والموالد، كي يمد لك مائدة عامرة بالعذوبة الرائقة.

 

 

رُغم أنه عاصر عمالقة في مجال التلحين والغناء فإنه احتفظ بنكهته الخاصة التي جعلت من وفاته خسارة حقيقية بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ.  لحّن "الشيخ سيد" حياة الناس، ورسم صورًا اجتماعية تجسّد أيامهم مبرزة جماليات تنام وسط تفاصيل البحث عن الرزق، وبرع في استخدام عوده في غناء شعبيات البسطاء، مُرسخـًا مبدأ أن "الشعب" هو صاحب الفن الأصيل. وإذا كان قد حُرم مِن نعمة البصر، فإنه وُهِبَ نعمة البصيرة.

وُلد "سيد مكاوي" في الثامن من مايو عام 1927 في حي الناصرية بالسيدة زينب بالقاهرة لأسرة بسيطة الحال عُنيت بنشأته الدينية، حيث وجهَّته لحفظ القرآن الكريم، وظل لفترة يقرأ القرآن ويؤذن للصلاة في مسجدي "أبو طبل" ومسجد "الحنفي" بحي الناصرية بالسيدة زينب، ثم حرص على متابعة أساطين الإنشاد والتلاوة وتعلم منهم وقلدهم. وكانت والدته تشتري له الأسطوانات القديمة من بائعي الروبابيكيا.  تطور بعد ذلك في مرحلة الشباب ليقتحم مجال الإنشاد الديني، وظهرت لديه ذاكرة موسيقية جبارة رشحته لدخول مجال الموسيقى، التي تعلمها -بإتقان باهر- من دون أن يدخل معهد موسيقى. حفظ الأدوار والموشحات وذخيرة كبيرة مِن الألحان وأمهات القصائد الّتي جادت بها قريحة فحول الشعراء العرب، كذلك أبرز مَا قيل فِي مِصْر مِن أدوار وموشحات مِن بداية القرن العشرين، خاصّة للفنّان "سيّد درويش" الّذِي يعتبر من رواد التجديد فِي الموسيقى العربيّة، والشّيخ "زكريا أحمَد"، خير مَنْ حافظ على الطابع الشرقي فِي موسيقاه، هو وآخرون مثل: "محَمّد القصبجي" و"داود حسني".

 

 

سرعان ما بدأ أولى خطواته الموسيقية من خلال التتلمذ على يد محمد العقاد الكبير، وتعلم العود من "أمين بك المهدي". تقدم للإذاعة مطربـًا واعتُمِد في بداية خمسينيات القرن العشرين للعمل كمطرب بها لغناء تراث الموسيقى الشرقية والموشحات، وأسندت إليه الأغاني الدينية مثل «حيارى على باب الغفران» و«آمين.. آمين» حتى توجها بأسماء الله الحسنى. وللحق، فقد امتلك صوتـًا تطريبيـًا مصحوبـًا بخفة الظل والرشاقة وطعَّم ألحانه أيضـًا بالبساطة والرشاقة، كما أن صوته تأثر بمدرسة المشايخ التي انتمى إليها وكان ذلك واضحـًا في قفلات الجمل الغنائية لديه. وربما جاز القول إن "مكاوي" يُعتبر امتدادًا للشيخ "زكريا أحمد" طربـًا وتلحينـًا؛ إذ عشق مدرسته الموسيقية، مدرسة المشايخ التي لا يستطيع أي أحد الانتماء إليها، لكن نشأة "مكاوي" دعمته في الانتماء لها بل والتميز أيضـًا.

 في منتصف الخمسينات بدأت الإذاعة في التعاون مع "مكاوي" كملحن مع استمرار التعاون معه كمطرب، وكانت أولى أغانيه ألحان الممثل والملحن "عبدالعظيم عبدالحق" وهي «محمد» والثانية "لأحمد صدقي" وهي أغنية «تونس الخضرا»، ثم قدم لـ "محمد عبدالمطلب" أغنيتي «اتوصى بيا» و«قلت لأبوكي عليكي وقالي» وكذلك أغنية «كل مرة لما أواعدك»، ولـ "شريفة فاضل" «مبروك عليك يا معجباني يا غالي» ولـ "محمد عبدالمطلب" «اسأل مرة علي»، ولحن للمطربة "ليلى مراد" «حكايتنا إحنا الاتنين» ولـ "شادية" «هوى يا هوى ياللي إنت طاير» ولـ "نجاة الصغيرة" «لو بتعزني»، ولـ "شهرزاد" «غيرك أنت ماليش»، ولـ "فايزة أحمد" «يا نسيم الفجر صبح» ولـ "صباح" «أنا هنا يا ابن الحلال».

تمتع "مكاوي" بحسٍ شرقي لا يُجارى في الأداء، وعبَّر بألحانه -التي بلغت نحو 1500 لحن- وصوته عن صور الحياة الشعبية في مصر في كثير من الأعمال للمسرح الغنائي والمسرح الإذاعي والأغنية الفردية. ألحانه راقيّة وعذبة، لا يوجد فيها تلك الضوضاء، وليست مِن الألحان الصعبة والضخمة، بل السهلة والسلسة القريبة إِلى القلب. وأغلب ألحانه مِن مقامات شرقيّة بحتة مثل الراست والسيكا الّتي كان يُكثر منها، ولذلك صبغت ألحانه بصبغة شرقيّة أصيلة.
كان أول من لحن مقدمات غنائية للمسلسلات الإذاعية والتليفزيونية، وكان له الفضل في الأغاني الجماعية بالإذاعة فهو أول من لحن أغاني المجاميع فقدم للشاعر "محمود حسن إسماعيل" أغنية «آمين آمين يارب الناس»، وفي حلقات «المسحراتي» الإذاعية كانت الإذاعة تعهد لأكثر من ملحن بالمشاركة في الثلاثين حلقة، وأسندت له الإذاعة تلحين ٣ حلقات فقدمها على الطبلة فقط ولاقت إقبالًا كبيرًا، ما حدا بالإذاعة في العام التالي إلى إسناد العمل كاملًا له.

 

 

كانت هُناك محطتان مهمتان فِي أعماله الإذاعيّة، الأولى مع أشعار “صلاح جاهين" (1930 – 21 إبريل 1986)، والثانيّة مع الدّيوان الكامل للشّاعر “فؤاد حداد" (1928– 1 نوفمبر 1985). يجدر التوقف عند هاتين المحطتين فِي حياته نظرًا لأهميتهما الكبرى، وكان يجب إدخالهما المعاهد الموسيقيّة لاحتوائهما على الكثير مِن بديع موسيقانا الشرقيّة. الأولى: «الرباعيات» الّتي قدمها فِي برنامج في حلقات يوميّة مِن خلال إذاعة "صوت العرب" فِي نهاية ستينيات القرن العشرين، شعر "صلاح جاهين"، وإخراج "أنور عبد العزيز"، وقد حققت شهرةً واسعةً وشيوعـًا كبيرًا، ممّا حدا بالمطرب "علي الحجار " إِلى استئذان "سيّد مكاوي" فِي إعادة تقديمها؛ وقد وافق "سيّد مكاوي" وأعيد التسجيل بصوت "علي الحجار". المحطّة الثانيّة: برنامج مِن ثلاثين حلقة «نور الخيال وصنع الأجيال»، قدمه مِن خلال إذاعة البرنامج العام، فِي شهر رمضان من العام 1968، شعر “فؤاد حداد"، وإخراج "فتح الله الصفتي". وصف الشّاعر القاهرة العظيمة ومَا مر بها مِن أحداث عبر التاريخ، وقام "سيّد مكاوي" بتلحين الأشعار وقدمها فِي شكل الشّاعر الراوي وقدم خلال الحلقات الثلاثين العديد مِن الأصوات الجديدة والمواهب الشابة آنذاك والّتي شاركته فِي الغناء. كانت لهذا البرنامج المقدمة الغنائيّة الشهيرة «أوَّل كلامي سلام» وكانت أغنيّة «الأرض بتتكلم عربي» مِن أشهر أغاني سيّد فِي هذا البرنامج، ويعتبر هذا العمل عملًا ملحميـًا مليئـًا بالتراكيب اللحنيّة الشيقة والمعقدة والمركبة، ومرجعـًا مهمـًا لكافة الملحنين الجدد للاستفادة منه فِي كيفية التسلسل اللحني وحسن النقلات الغنائيّة.

 

 

صنع "سيد مكاوي" مع الشّاعر "صلاح جاهين" صديقه ورفيق دربه، أنجح ثنائي فنيّ، وكان عملهما: أوبريت «الليلة الكبيرة» لمسرح العرائس مِن أنجح الأعمال. ويُعد هذا العمل الأشهر فِي تاريخ الفنّ المصري والعربي؛ إذ يصور ليلة من ليالي الموالد الشعبية المنتشرة في مدن مصر وقراها منذ مئات السنين تحتوي مضمونـًا يقترب كثيرًا من الفولكلور الشعبي. تظهر بصمة "سيد مكاوي" واضحة جلية في كل لحن له، دائمًا هناك نوعٌ من "الدلال" الخفي، "شقاوة" مراهق في تغزله، "روح حية" دفعت "أم كلثوم" أن تتأسى بها، وتسير على خطاها تمامـًا حين لحن لها "مكاوي" أغنية «يا مسهرني»، التي دفعت "أم كلثوم" إلى أن تطلب منه تلحين أغنية «أوقاتي بتحلو» لها بنفس القدر من الدلال والروح الطفولية بعد ذلك بأعوامٍ عدة، ولكن وفاتها حالت دون ذلك، لتغنيها "وردة الجزائرية" بعد ذلك بأعوام.

خلطة "الشباب والروح" مع "السلطنة" في أغاني "مكاوي" مثل "أنا هنا يا ابن الحلال" و"الورد جميل" و"ليلة امبارح"، تجعلك لا تتخيل أن هذا الرجل قد خُلِق لفعل أي شيء سوى إضفاء البهجة على حياة مستمعيه.
يقول في أغنية لحنها وغناها هي "حلوين من يومنا والله":
"حلوين من يومنا والله وقلوبنا كويسة
وبقدم أحلى فرحة ومعاها ميت مسا
يا ليل طول شوية ... ع الصحبة الحلوة ديه
الغالي علينا غالي ... ولا عمره بيتنسى
حلوين من يومنا والله والله وقلوبنا كويسة
ياليل ابعت سلامي للناس الطيبة
فكرهم بالمحبة وبأيام الصبا
وابدر أفراحي غنوة.. يجعل أيامنا حلوة
وتعيش الفرحة دايمـًا في قلوبنا قريبة"

 

 

لم تقتصر ألحانه على الأغاني العاطفية فقط، ولكنه كان يتفاعل مع كل ما يمر به وطنه بداية من عام 1956 والعدوان على بورسعيد فقدم أغاني المعركة «ها نحارب» و«ازرع كل الأرض مقاومة» وعام 1967 قدم أغنية «الدرس انتهي لموا الكراريس» للفنانة "شادية" عقب قصف مدرسة «بحر البقر» وأغنية «إحنا العمال اللي اتقتلوا» عقب قصف مصنع أبو زعبل وغنى «الأرض بتتكلم عربي» كما أسلفنا. لم يكتفِ هذا الفنان الموهوب بما حققه بل اجتذبه المسرح الغنائي فاشترك في أوبريت «القاهرة في ألف عام، الذي قدمه على مسرح البالون من خلال الفرقة الغنائية الاستعراضية. بقي "سيد مكاوي" عنوان البساطة المبهجة في حياته ولقاءاته التليفزيونية.

(سيادتك، تحب أناديك بـ "أستاذ سيد" ولا "الشيخ سيد")؟
– والله في كتير بيقولوا أستاذ وبيقولوا الشيخ، إنما أنا بفضل "أبو السيِد".

*من لقاء "مكاوي" مع "طارق حبيب" في برنامج اتنين على الهواء – التليفزيون المصري – ١٩٧٠.

توفي مكاوي في 21 إبريل 1997، بعدما أثرى المكتبة الموسيقية بألحان لكبار المطربين والمطربات المصريين والعرب، واختير عضوًا في لجنة الاستماع بالإذاعة المصرية، وحصل على وسام العلوم والفنون من الدرجة الأولى، ووسام صدام للفنون من الدرجة الأولى، كما حصل على شهادات تقدير من جهات فنية عديدة كالإذاعة المصرية، وإذاعة الإسكندرية، وشهادات خاصة بالمناسبات كأعياد الطفولة والمسرح. اختار "سيد مكاوي" ارتياد أماكن جديدة في الموسيقى الشرقية، لتصبح أكثر شقاوة، وأجلس المناطق الشعبية على ركبتيه، حتى صارت بيوتُها جزءًا من مفاصله، التي تؤنس وحشتنا.. ووحشته.

 

 

قد ينال إعجابكم