بورتريه

على طريق "فيم فيندرز"

فيم فيندرز
 
آية عبد الحكيم
 
حين ولد (فيم فيندرز) Wim Wenders في مدينة دسلدورف الألمانية عام 1945 كانت الحرب بالكاد انتهت، وخلّفت وراءها المدينة أنقاضًا فوق أنقاض. وعى الطفل على مدينة محطمة كئيبة، إلا في منزله حيث علّق والداه نسخًا رخيصة للوحاتٍ شهيرة ملونة. كان هذا عالمه الحقيقي الذي اجتذبه وأراد أن يكون جزءاً منه، ذلك العالم الفني دقيق التفاصيل المحاط بأطرٍ جميلة. بعمر السادسة منحه والده كاميرا يلتقط بها ما شاء من الصور فتعرف على التصوير مبكراً، لكنه بعد المدرسة قرر أن يخطو خطى والده ويصبح طبيبًا، فدرس الطب عامًا، ثم الفلسفة عامًا، ثم أدرك أن لا مستقبل له مع أيهما فتحوّل لدراسة الرسم.
في أثناء دراسته للرسم في باريس بدأ الشاب في مشاهدة الأفلام بغزارة فقد معها قدرته على عدّ مشاهداته، لكنه يعترف أنه في بعض الأيام لم يكن ليترك صالة السينما إلا بعد مشاهدة خمسة أفلام. ومن مشاهدات السينما قرر أنها مبتغاه الحقيقي.
 
الرحلة تصنع الحكاية
 
"على الطريق يمكن أن تضع الكاميرا في السيارة وتترك لها اكتشاف العالم. كأنك تطوّر حركة الكاميرا بدلاً من التقاط مشاهدٍ ثابتة وإعادة لصقها، كما يسمح ذلك بصناعة فيلمٍ بتسلسله الزمني الطبيعي."
 
هكذا يرى (فيندرز) السفر كمزج مثالي بين العمل والإبداع، ولهذا فأول أفلامه كان على الطريق حيث يمسك بطله المقود، وتتحوّل الكاميرا لعيون المشاهد الفضولي المراقب للطبيعة حول السيارة. تصبح الرحلة جزءاً من الحكاية، لا تتطوّر الأحداث دونها، بل ربما يتمحوّر كل شيء حولها. وفي السفر يسكتشف الأبطال محيطهم ويكتشفون معه أنفسهم.
 
لقطة من "أليس في المدن"
 
يتتبع فيلم (أليس في المدن) Alice in the Cities كاتبا شابا يلتقط الكثير من الصور ليكتب، لكنه لا ينهي حكاياته في حين تأسره الصور. تجمعه الأحداث بالطفلة (أليس) بعد أن تركتها أمها في نيويورك قبيل سفر ثلاثتهم إلى أمستردام. يختلف الاثنان في كل شئ، لكنهما يجتمعان على البحث: تبحث هي عن جدتها، ويبحث هو عن حكايته. تخوض (أليس) بحثها بشجاعة وإصرار رغم أن كل ما تعرفه عن جدتها هو شكل منزلها الخارجي. يتنقل الاثنان بين المطارات والباصات والقطارات المعلقة والعربات المستأجرة وغرف الفنادق المختلفة، وفي ترحالهما يترابطان ويجد كل منهما شيئًا مما يبحث عنه.
 
لكن الوضع لم يكن سهلاً مع (ترافيس) الذي يبدأ فيلم (باريس .. تكساس) Paris, Texas به سائراً وسط صحراء الغرب الأمريكي متجرعًا آخر رشفة ماء معه، ثم يكمل طريقه بتماسك حتى يسقط من الإعياء. كل ما يذكره (ترافيس) أنه يريد الذهاب إلى مدينة باريس بولاية تكساس دون حتى أن يذكر السبب لذلك. يترك السيارة ويسير بمحاذاة شريط القطار موقنًا من وصوله، وكلما تقدّم في طريقه عرفنا أكثر عن حكايته، وعرف هو عن نفسه وأصبح سعيّه هذه المرة للوصول إلى زوجته التي اختفت بعد رحيله ليترك الاثنان طفلهما الصغير في رعاية عمه. هذه المرة لدى (فيندرز) حكاية متماسكة، ولديه الكثير من الطرق، ومعه (روبي مولر) مدير تصويره البارع ليصنعا سويًا صورة سينمائية بديعة وثرية بالتفاصيل الدرامية.
 
لاحقًا ترك الطرق والسفر وصنع فيلم (أجنحة الرغبة) Wings of Desire عن برلين قبيل سقوط الحائط بعامين. مدينة كمدينة طفولته هدّتها الحرب، وأرهق كاهل سكانها ما تلاها من حواجز وحدود وأنقاض وتيه. أرهقهم الزمن وكيف توقف عند مدينتهم وماذا صنع بهم، وماذا يصنعون به. يُسمعنا (فيندرز) أفكار العابرين في المدينة عبر الملاك (داميل) المغرم بمراقبة البشر وتفاصيلهم اليومية الصغيرة، والاستماع لخواطرهم ومآسيهم وأسئلتهم الوجودية. الملاك المصاب بالملل من حياة الملائكة وأبديتها، الباحث عن معنى للزمن، والواقع في حب (ماريون) لاعبة الأكروبات وتحت سحر أفكارها، يقرر أن يخطو لعالم البشر. يقفز من موقع المراقبة للحياة الفعلية، وينتقل من عالم الأبيض والأسود الملائكي إلى الألوان البشرية التي تسحره. إلى ضجة البشر ومشاعرهم واضطراباتهم ومستقبلهم المجهول.
 
لقطة من "أجنحة الرغبة"
 
توثيق الدهشة
 
يكره (فيندرز) الأفلام الوثائقية بصورتها التقليدية، لذا يصنع وثائقياته – وأفلامه الدرامية كذلك - وفقًا للسير الطبيعي للزمن. تلتقط الكاميرا كل ما يحدث دون تدخلٍ منه، ثم يجمع مشاهداته فيصنع منها فيلمًا. قدّم عدداً من الوثائقيات قبل رحلته إلى كوبا لتوثيق عملية إنتاج ألبوم غنائي يجمع فناني كوبا وموسيقاها ليقدمها في فيلم (نادي بونا فيستا الاجتماعي). 
 
كانت الفكرة لصديقه (راي كوبر) صاحب موسيقى فيلم (باريس .. تكساس) والذي كُلف بمهمة جمع بعض مطربي (كوبا) ممن اختفوا عقب تولي (فيدل كاسترو) زمام الحكم. موسيقيو الفيلم، والألبوم الغنائي الذي يوثقّه بلغوا من العمر مبلغًا، ولم يمسّ بعضهم آلته منذ عقدٍ أو أكثر، لكنهم إذ يبدأون في الحديث أمام الكاميرا تُردّ إليهم أعوامهم المفقودة دون غناء أو عزف، وتعود طاقاتهم الفياضة إلى أحاديثهم وحركتهم ويرتعشون بالبهجة حين يصفق لهم جمهور لم يعرفهم حتى إنتاج الألبوم الغنائي، ولم يعرفوه حتى وقفوا على مسرح قاعة (كارنجي) بنيويورك ومسارح لاس فيجاس. تسجل كاميرا (روبي مولر) بتوجيهات (فيندرز) كل لحظاتهم بثرائها ومشاعرها المختلطة، وفي الخلفية تتردد أغانيهم باختلافها وتميزها ليتحوّل الفيلم إلى حالةٍ متكاملة من المتعة والبهجة.
 
تعاون (فيندرز) مرة أخرى مع صديق ليصنعا فيلمًا وثائقيًا جديداً. هذه المرة كانت (بينا بوش) Pina. لعشرين عامًا كان الثنائي يحاول صناعة فيلم عن رقصات (بينا) وتصميماتها المختلفة، لكن الفنان داخل (فيندرز) لم يكن قد وجد بعد الصورة المثالية التي يقدم عبرها ما فعلته (بينا) بالرقص، حتى ظهر التصوير ثلاثي الأبعاد.
 
الاثنان يرفضان الأفلام الوثائقية التقليدية، فكان طبيعيًا أن يخرج فيلم (بينا) بعيداً عن التقليدية. لا يقدم الفيلم تفاصيل عن حياتها، لكنه قُسّم إلى أربعة عروضٍ راقصة صممتها (بينا)، قُدمت في مساحاتٍ مفتوحة تحرك فيها الراقصون بحرية وأتاحت لـ (فيندرز) تصميم لوحاته الفنية المتحركة. هكذا ظهر ما تفعله (بينا) وما تكونه، دون أن يكون الفيلم عن شخصها، حتى وإن حمل اسمها.
 
لقطة من "بينا"
 
الفوتوغرافيا
 
في سفر (فيندرز) الطويل كانت تثيره الطبيعة والمساحات الواسعة أكثر من أي شئ. إذا كانت الصورة عن منزل، فهي تحكي قصته، لكن إن وجد خيال شخص بها، صارت الحكاية عنه، وهو وإن حكى عن البشر في أفلامه، كان بقية العالم محور حكاياته المصورة.
 
في سفره للولايات المتحدة وقبل أن يبدأ في صناعة أفلامه هناك كان يتعرف على العالم من حوله عبر عدسة كاميرته. التقط مئاتٍ من الصور التي لم يستخدمها على الإطلاق في الأفلام، ولم يعرها الاهتمام لاحقًا إلا مصادفة. روح المصوّر الفوتوغرافي داخله بالإضافة إلى ولعه بتصوير (سباستياو سالجادو) منذ الثمانينيات هو ما جعله يقدّم فيلمًا وثائقيًا مدهشًا عن المصور البرازيلي الذي تحوّل من العمل كمصرفي وخبير اقتصاد إلى التصوير، واضعًا كل موهبته لنقلٍ صادق لحيوات البشر - (ملح الأرض) The Salt of the Earth كعنوان الفيلم - وسط واقعهم ومعاناتهم. يصنع (فيندرز) متعاونًا مع ابن المصوّر (خوليانو سالجادو) فيلمًا عن رحلات (سالجادو) الأب بين مناجم أمريكا الجنوبية، حقول الغاز المشتعلة بالكويت أثناء حرب الخليج، ولاجئي رواندا، ثم العودة إلى البرازيل التي كان منفيًا منها ليبحث عما بقي من عائلته وإرثه. يحافظ الثنائي بقدرة ساحرة على التوازن بين تقديم فن الرجل بكل المعاني المتضمنة، وحياته بخسائره وإنجازاته، وتحويل كليهما إلى صورة سينمائية فنية جذابة.
 
صنع (فيندرز) فيلمه الأول القصير منذ ما يقارب الخمسين عامًا، ومازال يصنع الأفلام على طريقته الخاصة: وثائقياتٍ عن فنانين متفردّين قدموا إبداعاتهم بحب، أو دراما سينمائية على الطريق وعن التائهين فيه والباحثين عن أنفسهم. ولا زال يصوّر فوتوغرافيًا ويقيم المعارض. ربما ترك الرسم، لكن الرسم لم يتركه، بل ترك آثاره على جميع أفلامه، بشاعرية وحساسية ومتعة بصرية لا تنتهي.

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

القتل من السماء

بعد أن ظل توم يمارس هذا العمل لفترة، أصبح يرى أن ما يقوم به من قتل هو عمل جبان، غير أخلاقي، وأصيب بنوبات قلق واكتئاب...