بورتريه

عمر الشريف.. ساحر السينما

بقلم: رشا حسني

إن كان لكل إنسان نصيب من اسمه كما يقال فان الأسطورة الراحل "عمر الشريف Omar Sharif (10 أبريل 1932 – 10 يوليو 2015)" قد ناله نصيب كبير من معنى اسمه، فاسم عمر في المعاجم العربية يعني (ذو العمر الطويل والحياة المديدة) وهو ما حدث مع الفنان عمر الشريف ليس فقط على مستوى البقاء الجسدي في الدنيا حيث توفي عن عمرٍ ناهز 83 عاماً بل أيضاً على مستوى بقاء الأثرِ والسيرةِ والتأثيرِ الذي امتد منذ عرض فيلمه الأول صراع في الوادي للمخرج يوسف شاهين (1 مارس 1954) وحتى عرض آخر أفلامه الروائية الطويلة "روك القصبة Rock the Casbah 2013" للمخرجة المغربية ليلى مراكشي وآخر أفلامه الروائية القصيرة "ألف اختراع واختراع: الحسن ابن الهيثم 2015" للمخرج أحمد سليم والذي رحل "عمر" دون أن يشاهده حيث عُرض لأول مرة عالمياً في مسابقة المُهر العربي للأفلام القصيرة بمهرجان دبي السينمائي الدولي في ديسمبر 2015.

عمر الشريف من ضمن أهم وأكثر الفنانين تأثيراً في السينما المصرية والعربية، له مكانة قلّما أو لنكن أكثر دقة نادراً ما اقترب منها أحد، تلك المكانة التي دعت أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة "الأوسكار - OSCAR" في حفلتها 88 والتي أُقيمت في فبراير الماضي أن تضعه في مصاف النجوم الذين أحدث رحيلهم فقداً مؤثراً لعالم السينما نظراً لثراء مشوارهم السينمائي ولبصمتهم الواضحة، لتقف له جموع الفنانين والمبدعين محيين صورته وذكراه وتاريخه الإبداعي الحافل.

يمكننا وبكل أريحية أن نطلق على "عمر الشريف" فناناً استثنائياً على مدار مراحل حياته منذ طفولته وحتى بعد وفاته. يروي "عمر الشريف" أن والدته قررت بعد ولادته مباشرة أن يكون ابنها شخصاً استثنائياً ومشهوراً فاهتمت بتعليمه اللغات واهتمت أيضاً بمظهره لذلك أرسلته - بعد زيادة وزنه - إلى المدرسة الداخلية الإنجليزية "فيكتوريا" حيث الطعام الانجليزي السئ.
 

ثورة الظهور

كان ظهور "عمر الشريف "علي شاشة السينما للمرة الأولي بمثابة الثورة علي الشكل التقليدي لفتي الشاشة الأول، ذلك الشكل التحفظي الجامد الرتيب والذي عبر عنه ومثله لفترة طويلة أبطال  أمثال حسين صدقي، محسن سرحان، أنور وجدي وعماد حمدي، فشكل "عمر" وأبناء جيله عبد الحليم حافظ يشدو من ألحان كمال الطويل ومحمد الموجي ومنير مراد علي مستوي الغناء وأحمد رمزي ممثلاً ويوسف شاهين مخرجاً شكلاً جديداً لشباب تلك الفترة بالتزامن مع قيام ثورة يوليو 1952 وما حملته من آمال للمصريين وخاصة الشباب بالتحرر والنجاح، فكانت بمثابة الحجر الذي حرك المياه الراكدة لعقود طويلة، فقد مثل الفيلم صرخة في وجه الإقطاع والطبقية وانتصر للفلاحين وللعلم الذي مثله ظهور "أحمد " الشاب الصعيدي المتعلم والذي جعل محصول القصب الخاص بالفلاحين "درجة أولي" في حين جاء محصول قصب الباشا "درجة ثانية"، في حين انتصر للحب وجعله وسيلة اندماج المجتمع المصري في شكله الجديد الذي بدأ يتبلور في تلك الفترة حيث أحبت بنت الباشا "آمال" "أحمد" ابن الموظف والفلاح البسيط.


شهد "صراع في الوادي 1954"  أول فيلم قام ببطولته "عمر الشريف" للمخرج المتمرد "يوسف شاهين – وربما لأول مرة علي شاشة السينما – إعدام الشخص البرئ والذي قام بدوره "عبد الوارث عسر" مع بقاء الجاني الحقيقي حراً طليقاً، وهو ما سبب صدمة لكل من شاهد الفيلم، فلقد كان طرحاً جديداً وجريئاً علي المجتمع المصري والميلودراما التي اعتاد الجمهور المصري مشاهدتها منذ عقود، ومن الجدير بالذكر أن فيلم "صراع في الوادي" قد حقق نجاحاً كبيراً علي مستوي الإيرادات نظراً للحدث الآخر وربما الأهم بالنسبة للجمهور المصري آنذاك والذي حمله الفيلم إلي جوار جرأة الطرح الدرامي ألا وهو القبلة التي طبعتها "فاتن حمامة" علي شفاه" عمر الشريف" داخل أحداث الفيلم، ذلك الحدث الجلل، فلم يسبق هذا الفيلم أن قبلت "فاتن" بطلاً أدي أمامها دور البطولة فكانت للجمهور بمثابة الفتاة الرقيقة المحافظة إلي أن جاء "عمر الشريف" واقتنص تلك القبلة والتي أصبحت مساراً للتحقيقات والحوارات علي المستويين الصحفي والمجتمعي.

 يذكر عمر الشريف في مذكراته التي صدرت في كتاب يحمل عنوان"الذكر الخالد... قصتي" والتي صدرت عام 1977 باللغة الفرنسية بأن المجتمع المصري كرهه في تلك الفترة، مُستنكراً علي هذا الوافد الجديد أن يُدنس صورة نجمتهم الأثيرة وقد أحجم الكثير من المخرجين والمنتجين عن إسناد الأدوار له خوفاً من رد فعل الجمهور، فأسند له يوسف شاهين بطولة فيلم شياطين الصحراء عام 1955، حتى أسند له المخرج حلمي حليم دوراً للبطولة في فيلم "أيامنا الحلوة" عام 1955 مع "عبد الحليم حافظ وأحمد رمزي وفاتن حمامة" لتبدأ من بعده انطلاقة عمر الحقيقية.
 

الموهبة وحدها لا تكفي..الاجتهاد

يتبادر إلي أذهان الكثيرين عند سماع اسم "عمر الشريف" أوصاف من نوعية الممثل الوسيم، الدونجوان، فالنتينو، المعجباني، الخواجة ولكني أراها مُجحفة ولا تعطي ممثلاً بحجم موهبة واجتهاد "عمر الشريف" قدره كما يجب، فلم يرتكن "عمر الشريف" طوال مشواره الفني سواء المصري أو العالمي علي وسامته وسحره ولو فعل لما استطاع أن يظل ملء السمع والبصر حتى فارق الحياة، ولكنه وعلي العكس لم يشعر بذلك السحر وتلك الوسامة ولكنه ارتكن فعلياً إلي موهبته وعمد إلي تنمية قدراته وإعمال ذكائه وهي المقومات التي دفعته وهو المصري العربي الشرقي الوافد إلي هوليود في أوج عصرها الذهبي أن تستعين به كنجم أول في إنتاجات ضخمة مثل "لورانس العربLawrence of Arabia 1962  "و"دكتور زيفاجوDoctor Zhivago196".

يصف الناقد الراحل سامي السلاموني في مقاله عن فيلم "صراع في النيل 1959"عمر الشريف" قائلاً "عمر الشريف الذي بدا فتي جميلاً شرقي السمات ثم تحول تدريجياً إلي ممثل حقيقي بارع.. في هذا الفيلم يدهشنا "عمر الشريف" الخواجة كما كانوا يقولون وخريج فيكتوريا حين يقنعنا تماما بأنه "محسب" الشاب الصعيدي البرئ شكلاً وأداء مما يؤكد أنه كان ممثلاً مصرياً كبيراً حقا قبل أن يصبح عالمياً".

سجل الناقد الكبير الراحل "أحمد صالح" للنجم "عمر الشريف" حورات تسجيلية قد أدلي من خلالها بمذكراته للمرة الأولي مصرياً وعالمياً بعد مغادرته لمصر لتكون سبقاً صحفياً انفردت به مجلة آخر ساعة ، والتي نُشرت أولي حلقاتها بالعدد رقم 1836 بتاريخ 31 ديسمبر 1969، ومن خلال تلك المذكرات يصف الناقد أحمد صالح عمر الشريف بأنه " رحل من أرض بلاده .. يحمل قلباً خائفاً.. وإرادة مترددة ورغبة في الاكتشاف..وطموحاً لا يملك أن يكبته.. وكلمات سحرية كثيرة تلاحقه.. لكنه يركب صاروخ التحدي.. ويقطع به رحلته بين استوديوهات السينما العالمية.. في فترة زمنية تثير الدهشة.. ثم يركب نفس الصاروخ.. ليقطع به دائرة الشهرة العالمية علي مرحلتين: الأولي بعد أول فيلم له في أمريكا "لورانس العرب" والثانية بعد سادس أفلامه"دكتور زيفاجو" ليصبح بعد ذلك من أكثر نجوم هوليود شهرة وصاحب أكبر رصيد لشباك التذاكر ويتمتع بلقب فالنتينو الجديد لدي قلوب النساء في العالم ويرتفع أجره من 8 آلاف دولار إلي مليون دولار عن الفيلم الواحد".

من خلال نفس المذكرات يقول الفنان "عمر الشريف" نفسه عدة عبارات يتضح منها مدي اهتمامه الشديد بعمله واجتهاده لتحقيق ما حلُم بتحقيقه عند بداية مشواره السينمائي ومنها ما ذكره في نفس الحلقة الأولي من مذكراته قائلاً " أقول إن الحظ الذي أتاح لي كل هذه الفرص لأصل إلي ما وصلت إليه.. أنا رجل يؤمن بالحظ..حياتي جعلتني أؤمن به..وفي اعتقادي أن الحظ يلتقي بكل إنسان ولكن علي الإنسان ألا يحييه ويمشي وإنما يجب عليه أن يستوقفه ويتعرف عليه ويصادقه حتى يمنحه الفرصة لأن يحقق ما يريد والذين لا يؤمنون بالحظ أناس لم يتمكنوا من أن يستوقفوه عندما التقي بهم حيوه وانصرفوا فتركهم إلي غيرهم، ولكن الحظ وحده لا يكفي ولابد أن تخدم الشخصية هذا الحظ حتى تخلق في النهاية النجاح، وأنا لا أعتقد أنني علي قدر غير طبيعي من الذكاء.. إنني فقط أحمل فهم الإنسان العادي.. ذلك الفهم الذي يمكن أن يجنبني كثير من الأخطاء" مُضيفاً " إرادتي القوية هي أول من ساندت طموحي الكبير فقد قمت بتطويع الفرص الرائعة لإرادتي واجتهادي"، فتأتي هذه الكلمات لتؤكد علي أن كل ما تحلي به عمر خلال مشواره هما الصبر والاجتهاد.

لم يقف اهتمام عمر الشريف عند حد التنوع في الأدوار والحرص علي انتقائها وهو الأمر الذي حرص عليه وبشدة فيما يخص عمله في السينما المصرية خاصة بعد عودته، بعد اختمار التجربة العملية وثقل الموهبة بالرصانة من خلال فيلم أيوب والأراجوز ثم المواطن مصري، العمل الذي تخوف منه كثيراً ومثل له مخاطرة علي مستوي الأداء التمثيلي وإتقان اللهجة والتعبير بها ثم التخوف من ردة فعل الجمهور تجاهه واستقبالهم له خاصة من خلال دور العمدة الجبار الفاسد المتسلط. كان "الشريف" أثناء فترة عمله في فيلم المواطن مصري يومياً يسأل المخرج صلاح أبو سيف عن مشاهده التي صورها في اليوم الذي سبقه هل كانت جيدة أم أنها غير مُرضية ويقف أمام أبو سيف كالتلميذ ينتظر منه إجابة تطمئنه وتعطيه دفعة لاستكمال بقية مشاهده في الفيلم، كان يفعل هذا وهو "عمر الشريف" بعد ما مر به من تجارب وأعمال وسفرات وخبرات، ولم يكن ذلك فقط من باب الاهتمام الزائد بالتفاصيل ولكنه عكس صفة أصيلة داخله ألا وهي الخوف، يقول"الشريف" في حوار له مع له مع الناقد "دسوقي علي" نُشر علي صفحات مجلة "فن" أثناء تصويره لدوره في فيلم "المواطن مصري"  "إن الخوف من علامات الصحة فإذا كنا لا نخاف فهذا يعني أن عملنا لا يهمنا.. من لا يخاف لا ينجح".
 

الذكاء والقدرة على اكتشاف قدرات الذات

تميز "عمر الشريف" في فترة تواجده في مصر قبل الانطلاقة العالمية بذكاء ودقة في اختياره لأدواره وحرصه علي التنوع وعدم التكرار، هذا الذكاء الذي جعله يصنع تاريخاً سينمائياً حافلاً من خلال فترة عمل تمتد فقط لسبع سنوات هي الفترة التي قضاها منذ أن قدمه يوسف شاهين لأول مرة عام 1954 وحتى آخر أعماله في مصر والتي كانت عام 1961، وبشئ من التدقيق نجد أنه قد نوع من أدواره في تلك الفترة القصيرة ما بين العامل، الفلاح، الصعيدي قليل الخبرة، الموظف البسيط، الثري المستهتر، الضابط، الطالب والمناضل حتى وان كرر أداء نفس الشخصية مرتين مثل شخصية الطالب مثلاً، فنجد أن طالب صراع في الوادي وأيامنا الحلوة يختلف تمام الاختلاف عن طالب بداية ونهاية كما يختلف ضابط بداية ونهاية عن ضابط نهر الحب، فإن كان "عمر" قد هادن الجمهور والمنتجين من خلال دور "أحمد" في فيلم أيامنا الحلوة وكان جزءاً من قصة ميلودرامية تقليدية تقدمت عشرات المرات علي شاشة السينما، فسرعان ما بحث بعدها عن اللامألوف والجديد بداية من فيلم "صراع في الميناء 1956"، والذي جسد من خلاله "رجب" عامل الميناء المتمرد علي واقعه الاجتماعي الذي يعتقد بأنه يقف حائلاً يفصله عن حبيبته وابنة خالته "حميدة" حتى توالت الأعمال وصولاً إلي فيلم "في بيتنا رجل 1961" آخر أعماله في مصر.

حاول "الشريف" أن يتعرف علي مواطن قوته ومكامن قدراته والتي ساعدته للوصول إلي العالمية والاستمرار علي القمة لوقت طويل، فيقول في الحلقة الثانية من مذكراته بمجلة آخر ساعة " أنا لم أمنع خيالي أبداً من أن يتسلق بعيداً ليرسم لي صوراً رائعة عن مستقبلي كنت في أحيان كثيرة أسخر منها في قرارة نفسي ولكن اليوم ما عُدت أسخر بعد أن اكتشفت في نفسي عدة أشياء أساسية ساعدتني علي تحقيق طموحي ربما القدرة علي مواجهة الفشل هي أول هذه الأشياء وربما القدرة علي المواصلة المستمرة وبدون فترة راحة".

من هو الممثل من وجهة نظر عمر الشريف؟!
تُري كيف كان عمر الشريف ينظر لمهنة التمثيل ولطبيعة الممثل، ما هو الفهم الذي قاده لأداء ذلك الكم من الأدوار علي تنوعها واختلافها بقدر عال من الدقة والفهم. يطرح الناقد أحمد صالح السؤال علي "الشريف" ويجيب عليه أيضاً في أولي حلقات مذكراته لمجلة آخر ساعة قائلاً" الممثل في اعتقادي ليس هو الشخص الذي يستطيع أن يلعب شخصية غير شخصيته الحقيقية ليس مجرد من يستطيع أن يؤدي دور طبيب أو مهندس أو رسام أو عامل أو تاجر وإنما الممثل هو من له المقدرة علي أن يستوعب ثم يتحول ثم يتعايش.. وكلما استطاع الممثل أن يخرج من شخصيته الحقيقية ويستوعب الشخصية الجديدة استيعاباً كاملاً يؤدي به إلي أن يحقق نوعاً من التحول في أحاسيسه نحو تلك الشخصية الجديدة والتعايش مع بيئتها وظروفها وأبعادها والتحدث بأسلوبها ومنطقها كلما استطاع أن يصبح فناناً حقيقياً.. إنني أشعر باستمرار بمدي حاجتي لمزيد من الدراسة الفنية والخبرة والتجربة ومازالت تلميذاً صغيراً في مدرسة يديرها عشرات من المخرجين الكبار".

لماذا لم يحصل عمر الشريف على الأوسكار؟!
ترشح "عمر الشريف" لجائزة الأوسكار عن أول أعماله العالمية "لورانس العرب" الأمر الذي اعتبره ممثل بقيمة وقامة النجم العالمي"جريجوري بيك Gregory Peck " بمثابة المعجزة حيث قال له في ليلة حفل توزيع جوائز الأوسكار ولم يكن "عمر" واحداً ممن تسلموها" لا تحزن كثيراً..فأنا لم أحصل هذا العام علي الأوسكار إلا بعد أن رُشحت لنيله من قبل 9 مرة كانت الأولي منها بعد عملي 10 سنوات في السينما وعليك أن تحمد الله أنك رُشحت منذ فيلمك الأول"، ولكن يبقى السؤال لماذا لم يحصل الشريف على الأوسكار والإجابة ببساطة تكمن في أنه مصري عربي تواجد في قلب هوليود الذي كان يُسيطر عليها رأس المال الصهيوني آنذاك والذي مول بعض أهم الصحف الأجنبية للهجوم علي عمر الشريف بشكل يومي قبل حفل توزيع الجوائز بحوالي شهر ففي عدد مارس 1963 كتب صحفي بجريدة "الفارايتي" يقول" إن عمر الشريف الذي يبدو أنه يستعد للفوز بالأوسكار منذ إعلان ترشيحه يجب ألا ننسي أبداً أنه جندي سابق في الجيش المصري الذي خاض الحرب ضد إسرائيل" وهذا بعد أن نشرت تلك الجالية الصهيونية صوراً لعمر الشريف كان قد أدي من خلالها أدوار الضابط مثل فيلم حبي الوحيد ونهر الحب علي أنها صور حقيقية.

هذا إلي جانب تبني بعض الفنانين الموالين لإسرائيل حملة تحت عنوان "أعط صوتك للفنانين الأمريكيين فقط" وهو الأمر الذي دعا إلي نشر ما يشبه بيان مُصغر علي صفحات مجلة "سيتزين نيوز" في عددها الصادر في 9 أبريل 1963 يوم حفل توزيع جوائز الأوسكار يقول" لقد تعرضت أكاديمية الفنون هذا العام للضغط كما لم تتعرض له من قبل حتى ساد مبدأ أعط صوتك للأمريكيين وحقق لهم أكبر نجاح بالنسبة للجوائز وتوزيعها بعد أن خاضت شركات هوليود وجمعياتها الفنية واتحاداتها معركة رابحة في حملتها وهددت باستعمال سلاح المقاطعة لكل الأفلام التي تُنتج خارج هوليود ورغم هذا فقد فاز فيلم لورانس العرب وهو من الأفلام التي أنتجت خارج هوليود بسبع جوائز..

حقيقة أن عمر الشريف وهو مصري الجنسية وليس أمريكياً لم يفز بالجائزة إلا أن مجرد وصوله إلي الترشيحات النهائية مكسب كبير له وإذا كان قد خسر الجائزة هذه المرة فليس معني هذا أنه فشل إلي الحد الذي يدعو إلي الشماتة"، ذاك الموقف الذي تكرر فيما بعد عند ترشيحه للجائزة مرة أخري عن فيلم دكتور زيفاجو وبالرغم من هذا فلم يخطر ببال عمر الشريف في أي وقت أو مرحلة من مراحل حياته أن يتخلى أو يتنازل أو يحمل جنسية أخري غير الجنسية المصرية أو أن يحمل جواز سفر آخر غير الجواز المصري.

في نفس الوقت التي انهالت عليه الاتهامات من بعض الصحف الفنية في القاهرة مُطالبة بسحب الجنسية المصرية منه بعد انتشار صورة له مع الممثلة الأمريكية الأصل يهودية الديانة "باربرا سترايسند Barbra Streisand " أثناء مشهد يجمعهما سوياً من فيلم "فتاة مرحة Funny Girl 1968"، وبالرغم من حزنه الشديد لتلك الاتهامات والمطالبات إلا أنه لم يعرها اهتماماً بل ظل يحارب على الجبهتين داخلياً حيث يؤكد على ولائه لوطنه وعروبته مؤكداً على تبنيه لقضية بلاده وإيمانه بها خاصة بعد هزيمة 1967 وخارجياً في محاولة للتصدي للوبي الصهيوني المسيطر على شركات إنتاج هوليود الكبرى آنذاك، فالشريف لم يكن فقط يحب مصر ويعشقها بل كانت تسكنه، تسكن ملامحه، تسكن نظراته، فقد كان يحمل مصريته معه عابراً بها الحدود والبلاد دون ادعاءات زائفة أو مغالاة مُفتعلة.
 

الصدق والتلقائية
كانتا أهم صفتين تمتع بهما النجم الراحل، هاتان الصفتان هما من فتح له أبواب الشهرة في أول مشواره وهما من أمدتاه بحب الناس وتقديرها له حتى آخر أيام حياته وبعد مماته. سيظل عمر الشريف نجماً يتربع علي عرش قلوب الملايين من محبيه وعشاقه، سيظل عمر الشريف مفخرة  وإنجازاً حقيقياً لمصر وللعالم العربي علي المستوى الفني، سيظل رمزاً لا لسينما وأفلام جميلة تعلقنا بها وعشقناها فحسب، بل لزمن جميل نفتقده بكل تفاصيله، سيظل علامة مميزة من الصعب محوها أو الاقتراب منها لحفر أخرى بجوارها.

قد ينال إعجابكم