بورتريه

فريد الأطرش.. أيقونة الفيلم الغنائي

نقل فريد الأطرش الأغنية السينمائية إلى مستوى غير مسبوق

ياسر ثابت

كانت روحه تغني أولًا.. تسبقه مع العود الذي ينام في حضنه إلى عالم من النغم الشرقي الذي هز يومـًا السينما العربية، وأهداها مفهومـًا له رونقه الخاص لما يسمى "الفيلم الغنائي".

صنع فريد الأطرش العديد من الأفلام أو أسهم فيها بأعمال غنائية، ليقدم مشهدًا مجسمـًا لعالم الغناء المصري والعربي في عصره الذهبي الأخير. وإذا كان "فريد الأطرش أعطى الموسيقى الشرقية أفكارًا جديدة ومتطورة وممتازة وجريئة لم يعطها أي ملحن معاصر له" كما يقول بليغ حمدي (بليغ حمدي، "دفاع عن الضياع الحضاري"؛ في "فريد الأطرش بين الفن والحياة" دار المعارف، القاهرة، 1975، ص 65-66)، فإن بصمات فريد تبدو أوضح ما تكون في الفيلم الغنائي.

إن قصيدة "عُدت يا يوم مولدي" التي توّج بها فريد فيلمه الخامس والعشرين "يوم بلا غد" (إخراج هنري بركات، 1962) وما أحدثته من أثر في تاريخ الغناء العربي، تعد مصداقــًا لما قاله الموسيقار بليغ حمدي، وكذلك لما ذكره الناقد اللبناني أنطوان بارودي حين تساءل "من كان يتوقع أن يضع فنانٌ لحنـًا مثل "ليالي الأنس" في العهد الذي ظهرت فيه؟، هذا اللحن الذي خلّد فريد وأسمهان والفالس العربي" (أنطوان بارودي، فريد الأطرش تغنى بالموت، مجلة "الشبكة"، بيروت، 6 يناير 1975، ص 22-23).

 

 

 

 

شارك فريد بسهم فيما تحقق للغناء آنذاك من ازدهار عظيم، ما يؤكد صدق مقولة الباحثة الأميركية فرجينيا دانيلسون التي تقول: «فعلت أم كلثوم للإذاعة ما فعله فريد الأطرش للسينما، فصناعة السينما ما كان يمكن أن تكون كما هي الآن لولا أن أسهم فريد في بنائها» .

أنتجت السينما المصرية في فترات مبكرة من عمرها العديد من التجارب الغنائية والاستعراضية، لكنها ظلت تتلمس الخطى بحثـًا عن سمت خاص يميز هذا اللون من الفن. ويرجع الفضل إلى الموسيقار فريد الأطرش في تشكيل هوية الفيلم الغنائي في مصر، بالإضافة لدوره البارز فى التلحين والغناء.

عقب انهيار المسرح الغنائي في مصر  وحدوث الأزمة الاقتصادية عام 1930 وفي 14 إبريل 1932 قدم أول فيلم غنائي مصري وهو فيلم "أنشودة الفؤاد " الذي قام بالتمثيل فيه (جورج أبيض – عبدالرحمن رشدي – نادرة – زكريا أحمد) إخراج ماريو فولبي، سيناريو: استيفان روستي وإدمون نحاس، حوار: خليل مطران، تأليف: ن لازار وإنتاج نحاس "سيفنكس فيلم".

بعد نحو 20 شهرًا وفي 4 ديسمبر 1933، عرض فيلم محمد عبدالوهاب الأول "الوردة البيضاء" إخراج محمد كريم. ونظرًا لأن محمد عبدالوهاب كان في ذلك الوقت مطربـًا ناجحـًا ومحبوبـًا، فقد تدفقت الجماهير على دور السينما لمشاهدته والاستمتاع بأغانيه وبفن السينما الجديد الذي سحر الجماهير آنذاك .  بعد ذلك توالت أفلام عبدالوهاب الغنائية وهي: "دموع الحب" (1935) – "يحيا الحـــب" (1937) – "بورسعيد" (1939) – "ممنوع الحب" (1943) – "رصاصة في القلب" (1944) – "لست ملاكـًا" ( 1946 ) . شاركته بطولة أفلامه من المطربات: نجاة علي – ليلى مراد – رجاء عبده – نور الهدى.

جاءت الأغنية السينمائية قصيرة حتى لا تعوق التدفق الدرامي لأحداث الفيلم. هكذا خدمت السينما الموسيقى والغناء، وفي المقابل أفادت الموسيقى والغناء فن السينما عندما حققت أفلام محمد عبدالوهاب نجاحـًا تجاريـًا ساحقـًا كان له أكبر الأثر فى تشجيع المنتجين السينمائيين على إنتاج أفلام غنائية لكبار المطربين و المطربات، فقدمت "كوكب الشرق" أم كلثوم فيلمها الأول "وداد" عام 1935 من إنتاج استوديو مصر، ثم توالت أفلامها "نشيد الأمل" عام 1937 – " دنانير" عام 1940 – "عايدة" عام 1942- "سلامة" عام 1945 – "فاطمة" عام 1947.

الشاهد أنه حينما أهلّ عقد الأربعينيات من القرن العشرين، ودخلت الحرب العالمية الثانية مراحلها الأخيرة.. كانت السينما المصرية قطعت شوطــًا كبيرًا في طريقها لأن تكون أداة التعبير الفني الأشهر، لتزاحم بذلك الإذاعة، وتقلص كثيرًا من دور المسرح، فجذبت السينما اهتمام أقطاب الغناء في تلك الحقبة. وبتتابع الأفلام الغنائية، فإن شكل الأغنية تطور ليلائم وسيلة الانتشار الجديدة.

غير أن أغنيات محمد عبدالوهاب وأم كلثوم وغيرهما في أفلام الثلاثينيات والأربعينيات لم تكن سينمائية بمعنى ما تحمله الكلمة من أسس ومفاهيم، ولكن مفهوم الأغنية السينمائية ترسّخ وأصبح واضحـًا عندما قدم فريد الأطرش وشقيقته أسمهان فيلمهما الأول «انتصار الشباب»، الذي أخرجه أحمد بدرخان وعُرِض في دار سينما استوديو مصر في 24 مارس 1941.

جاء نجاح «انتصار الشباب» كاسحـًا وناسخـًا لكل ما تقدمه من نجاح لقيه أي فيلم غنائي قبله، حيث استمر عرضه الأول سبعة أسابيع كاملة العدد في حفلات اليوم الأربعة. في «انتصار الشباب»، قدم فريد 13 عملًا غنائيـًا وموسيقيـًا، شملت قوالب عدة تضمنت الموال والطقطوقة والثنائية الغنائية "الدويتو"، والثلاثي الغنائي "التريالوغ"، والأوبريت والمقطوعة الموسيقية. ومن ينسى هنا أغنية "يا بدع الورد" بكل رقتها ورومانسيتها؟!

 

 

في مرحلة البحث عن هوية، جاء فيلم «أحلام الشباب» كاستثمار لنجاح الفيلم الأول، وربما لا يعرف الكثيرون أن مخرج هذا الفيلم هو كمال سليم صاحب فيلم «العزيمة»، وكتب له الحوار بديع خيري، وكان الفيلم الأول الذي تقوم ببطولته مديحة يسري وحقق نجاحـًا ليؤكد صواب الرهان على فريد الأطرش. وجاء الفيلم الرابع في هذه المرحلة «جمال ودلال» عام 1945 كمفاجأة غير سارة لفريد الأطرش فكان أول فيلم يفشل تجاريـًا لفريد. الطريف أن الفيلم كتب له السيناريو وأخرجه الممثل استيفان روستي، وكان أول تجاربه في إخراج الأفلام الغنائية، وفشل الفيلم على الرغم من استخدام طريقة مبتكرة للدعاية لأول مرة، وهي توزيع إعلانات الفيلم عن طريق طائرة.

أما ثاني المراحل فهي مرحلة الأفلام الاستعراضية. اللافت للانتباه أن فيلم «حبيب العمر»، وهو واحد من أنجح أفلام هذه المرحلة ومن أنجح أفلام فريد على الإطلاق وباكورة إنتاجه. كانت سبقته فكرة اختيار رواية «دعاء الكروان» من أجل أن ينتجها فريد، وقام بالفعل بشرائها من د.طه حسين بعد أن التقى به بصحبة المخرج هنري بركات وذلك بمبلغ 600 جنيه بعد مفاوضات بدأت بـ1000 جنيه طلبها الأديب المعروف، ولكن بعد الشراء وجد بركات أنه من المستحيل تحويل هذه القصة إلى سيناريو يناسب وجود أغانٍ متعددة لفريد الأطرش، فتم تأجيل الفيلم وتكليف بديع خيري بكتابة قصة تصلح لفريد، ليظهر فيلم «حبيب العمر»، الذي كان بليغ حمدي يضرب به المثل كنموذج للفيلم الغنائي الناجح.

 

 

ويتوقف كثيرون عند أوبريت «بساط الريح» في فيلم «آخر كدبة» (إخراج أحمد بدرخان، 1950) الذي «يجمع بين فنون البلاد العربية كلها من العراق إلى مراكش بفلكلورها، الذي كان محببـًا جدًا للجمهور المصري في الأربعينيات والخمسينيات» كما يقول الناقد سامي السلاموني، كما أن هذا العمل الغنائي «تحول إلى أغنية عربية شمولية تدعو إلى الوحدة» على حد وصف الموسيقار سليم سحاب (سليم سحاب، أعلام موسيقية، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2014، ص 171- 172).

أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة الأفلام الغنائية وشملت 13 فيلمـًا، وبدأ فريد فيها الاستعانة بقصص وروايات من الأدب العالمي والمصري، مثل فيلم «عهد الهوى» عن رواية «غادة الكاميليا»، الذي غنى فيه «حبني قد ما تقدر»  و«أنا وأنت لوحدنا»، وفيلم «الخروج من الجنة» عن قصة لتوفيق الحكيم، وهي المرحلة التي بدأ فيها فريد الأفلام والشخصيات ذات الطابع التراجيدي، وهو ما انتقده الناقد سامي السلاموني بقوله إن فريد يكون في أفضل حالاته كممثل في الأدوار الكوميدية و«أنه خسر كثيرًا من موهبته هذه عندما جنح في أفلامه الأخيرة إلى لعب دور العاشق الرومانسي الولهان، الذي يستعذب النكد وظلم الأحباء والأقدار، فبدأ النواح بأشياء من نوع «يا قلبي يا مجروح» و«بنادي عليك»».

في هذه المرحلة يأتي الفيلم الثاني الذي فشل تجاريـًا لفريد وهو فيلم «ودعت حبك»، وهو أول تعاون لفريد مع شادية ومع المخرج يوسف شاهين. كان السببان الرئيسيان للفشل هما وقوع العدوان الثلاثي خلال الأسبوع الأول لعرض الفيلم، ما أدى إلى إغلاق دور السينما، ولم يُقبِل الجمهور على مشاهدة الفيلم بعد إعادة عرضه وذلك لأن نهاية الفيلم كانت وفاة فريد، وهو ما لم يتقبله الجمهور.

حقق فيلم «لحن الخلود» نجاحـًا كبيرًا في عرضه الأول، وتذكر الجمهور أغنيات مثل «جميل جمال»، التي يقول الناقد مجدي الطيب عنها: «لكن المؤكد أن أغنية «جميل جمال»، التي شارك بالغناء فيها فاتن وماجدة، تحولت إلى أيقونة، ليس فقط بسبب جمال اللحن والأداء والكلمات، وإنما بقدرة بركات على تكوين (كادر) ينطق بالسحر، ويقول المعنى دون الحاجة إلى جملة جوار واحدة» (مجدي الطيب، بركات: زعيم المحافظين في السينما المصرية، مطبوعات الدورة 36 لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، القاهرة، 9- 18 نوفمبر 2014، ص 40).

 

 

جاء فيلم «من أجل حبي» ليحمل معركة من نوع آخر؛ إذ استقبله محرر الصفحة الأخيرة في «الأهرام» بنقد حاد بطريقة غير معتادة في أيام عرض الفيلم الأولى، وهو ما أرجع البعض أسبابه للمنافسة الشرسة التي كانت تدور بين فريد وعبدالحليم حافظ وعبدالوهاب وأم كلثوم، والتي كانت تُستخدم فيها أسلحة متعددة. كان سلاح فريد في الرد هو صلاح سالم عضو مجلس قيادة ثورة يوليو 1952، والذي كان يشغل منصب رئيس تحرير جريدة «الجمهورية»، والذي تصدرت صورته الصفحة الثالثة وهو واقف بين فريد وماجدة (بطلة الفيلم) في حفل افتتاح العرض الأول، وكتب سالم مقالة عن الفيلم بعنوان «من أجل حُبي.. الفيلم الغنائي العربي كما يجب أن يكون».

تأتي المرحلة الرابعة والأخيرة من مراحل أفلام فريد بعنوان "المرحلة اللبنانية"، وهي التي قدم فيها أفلامه الثلاثة الأخيرة «الحب الكبير» و«زمان يا حب» و«نغم في حياتي».

هناك أكثر من سبب لمغادرة فريد مصر إلى لبنان، منها المشكلات الإنتاجية التي واجهها فيلم «الخروج من الجنة»، ومنها المضايقات الأمنية في تلك الفترة؛ إذ نشر الصحفي ضياء الدين بيبرس مقالة عام 1993 بعنوان «المخابرات طلبت من بنك القاهرة عام 1961 معلومات عن مصادر إنفاق فريد الأطرش».

جاء الفيلم الأخير لفريد «نغم في حياتي» (إخراج هنري بركات، 1975) وسط ظروف صعبة؛ إذ قامت مصلحة الضرائب في مصر بتقدير ضرائب متأخرة عليه بقيمة 120 ألف جنيه، مما أدى إلى الحجز على إيرادات أفلامه وأسطواناته، فبادر إلى افتتاح ملهى ليلي في بيروت باسمه. في تلك الفترة، تدهورت صحته لدرجة أنه لم يقدر على حضور العرض الخاص لفيلمه «نغم في حياتي»، الذي غنى فيه أغنية «حبينا»، وأرسل شقيقه فؤاد الأطرش لحضور العرض الخاص في يوم الخميس 26 ديسمبر 1974 ليفارق الحياة في هذا اليوم، من دون أن يشاهد فيلمه الأخير.

 

 

 

فريد الذي نعرفه عن طريق التمثيل والغناء والتلحين لنفسه لم يكتف بذلك، ولكنه قدم الموسيقى التصويرية لـ20 فيلمـًا روائيـًا وأربع مقطوعات موسيقية، وتعاون مع أبرز الموزعين الموسيقيين مثل فؤاد الظاهري وأندريا رايدر وعزيز صادق، بالإضافة إلى تقديمه مجموعة من أشهر وأنجح الأوبريتات الغنائية السينمائية، التي أصبحت من العلامات التي لا تنسى.

أما القضايا الفنية التي عالجها فريد الأطرش في أفلامه السينمائية، وتمثلت فيها وجهة نظره وخلاصة تجاربه، فهي تتمحور في عشق الموّال وانحيازه لصيغة الموال في معظم أغانيه، بين الأصالة والمعاصرة. أسهمت أفكاره في تطوير الأغنية السينمائية، وصنع مجد الأوبريت السينمائي, بما قدمه من أوبريتات غنائية، وبذل جهودًا كبيرة في وضع موسيقى تصويرية عربية.

إن رصد بيانات أعمال فريد الأطرش السينمائية، وأعماله الغنائية والموسيقية التي ظهرت في الأفلام بأنواعها المختلفة، ومنها «انتصار الشباب»، و«ما اقدرش» (1946)، و«حبيب العمر» (1947)، و«بلبل أفندي» (1948) ، و«عفريتة هانم» (1949)، و«آخر كدبة» (1950)، و«تعالى سلم» (1951)، و«عايز اتجوز» (1952)، و«لحن الخلود» (1952)، و«أنت حبيبي» (1957)، و«ماليش غيرك» ( 1958) ، و«حكاية العمر كله» (1965) و«نغم في حياتي» (1975)، وغيرها، يعطينا فكرة واضحة عن مدى إسهام فريد في تحقيق مجد الفيلم الغنائي العربي.

قد ينال إعجابكم

أخبار

عودة "كوكب الشرق"

بعد أكثر من أربعة عقود على رحيل "كوكب الشرق" المصرية أم كلثوم، برزت نجومية الفتاة سناء نبيل، وهي إحدى قريبات سيدة...