بورتريه

فيدريكو فيلليني.. سينمائي تجاوز السينما

عبد الكريم قادري

يحتفل العالم يوم 20 يناير/كانون الثاني بالذكرى الـ99 لميلاد المخرج الإيطالي المختلف فيدريكو فيلليني، والذي وُلد في التاريخ المذكور سنة 1920 بمدينة ريميني الإيطالية، وغادرها يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول 1993 عن عمر ناهز 73 عاما، بعد أن ملأ ذكرُه مشارق الأرض ومغاربها، وبات من بين أهم المخرجين الذين كتبوا أسماءهم بالحبر المُخلّد لسيرة العباقرة، وأصبح مرجعا مهما لعشاق السينما ودارسيها، وذلك لاختلافه وتميزه بعد كسر خطّ وقواعد المدارس والتيارات السينمائية التي كانت سائدة في وقته، وصنع لنفسه نهجا خاصا تميّز به عن غيره، بعد أن عكس ذكرياته التي كانت مجرد خيال وحوّلها إلى مشاهد حقيقية مُقيّدة ومترابطة في كل أفلامه.

"إن كنت سأصنع فيلماً حول حياة شخص ما، فهي بالمحصلة ستكون حياتي".. هكذا كان يقول، ويضيف "أعتقد أنني حتى لو عملت فيلما عن كلب أو كرسي، لكان سيرة ذاتية إلى حد ما"، ويدعم أيضا هذا القول الكاتب الكبير ألبرتو مورافيا "إن هذا المخرج  يصور أحلامه".

اختصر فيدريكو فيلليني الحياة التي عاشها في أشرطة الأفلام، إذ بات يراها تتحرك أمامه كحلم حقيقي عانق الواقع، يُعايش فيه شخصياته الجديدة والمتعددة في مراحلها العمرية المختلفة، ويُعيد اكتشاف نظرة طفولته لوالديه وأقاربه وأقرانه ومَن عاشوا وعايشوا مرحلته، والأشياء التي كانت تحيط به وسجلها عقله الواعي، لدرجة أن كل من له علاقة بهذا المخرج بات يهرول إلى قاعات السينما مع عرض كل فيلم جديد، عسى أن يرى نفسه فيه، وفي الوقت نفسه ليكتشف كيف كان هذا المخرج ينظر لهم ويتصورهم.

نقل فيدريكو سيرته الذاتية إلى السينما بنوع من النرجسية المستحبة والتكبر الجميل، لأنه كان يعتقد أن حياته تحمل أهمية كبرى، لهذا حوّلها إلى أفلام، وكان من الممكن أن لا تهمّ كل من يشاهدها، لكنه كان محقا في نرجسيته وتكبره، لأن الإعجاب العالمي الذي حققه والالتفاف الكبير الذي أُحيط بأفلامه؛ يجعلنا نتأكد بأن هذا المخرج العبقري كان محقا في أن يحوّل هذه المحطات إلى سينما، والدليل هو اهتمام العالم بها.

تواصل فيدريكو تعاونه مع روسيليني في أعمال أخرى قبل أن يبدأ مغامرته الإخراجية الأولى مع المخرج ألبيرتو لاتودو في فيلم يحمل عنوان "أضواء حفل المنوعات"

عين ترى في كل الاتجاهات

"أعرف فقط ما سوف لن أكونه".. لطالما استشهد فيدريكو بمقولة الفيلسوف الصيني "لاو تسي" مؤسس الماوية، وهذا حينما يتم سؤاله عن الأحلام التي كانت تراوده في الصغر، فوالده كان يريد منه أن يصبح طبيبا، وأمه تريده أن يكون محاميا، لكن هو لم يكن يعلم ما كان يريده، حتى عندما قرر الدخول للجامعة لم يحسم خياره في الاتجاه الذي ينوي دراسته، وهذا لتداخل أحلام الطفولة والمراهقة في خياراته المستقبلية وحياته كلها، وقد كان مولعا بعوالم العرض وفنونها، بالضبط بعالم السيرك الذي تشتهر به إيطاليا، حيث قال في مذكراته التي ترجمها للعربية عارف حذيفة: "عندما كنت في السابعة أخذني أبواي إلى السيرك، صدمتني رؤية المهرجين حقا، ولم أعرف إن كانوا حيوانات أم أشباحا، لم أجدهم مضحكين، لكنني أحسست إحساسا غريبا، إحساسا بأن حضوري متوقع. في تلك الليلة وفيما تلاها على مدى أعوام كنت أحلم بالسيرك، وخلال أحلام السيرك تلك شعرت أنني عثرت على المكان الذي أنتمي إليه، وفي تلك الأحلام كنت أرى فيلاً عادة".

وفي نفس المرجع يقول فيدريكو "كنت في التاسعة عندما بدأت أصنع الدُمى وأقيم العروض، كنت أرسم دُمى مسرحي قبل أن أصنعها من الورق المقوَّى والصلصال، كان يعيش على الجانب الآخر من الشارع نحَّات، ولما رأى دُماي شجعني، وقال إنني موهوب، وكان هذا تشجيعا، ليس هناك أثمن من التشجيع المبكر، وخاصة عندما لا يكون استحسانا عاما، بل على أمر معين، علَّمني ذلك النحَّات كيف أستخدم الجصَّ للرؤوس، أقمت عروضاً وأديت كل الأدوار، وهكذا تعودت تأدية كل الأدوار وطورت -في اعتقادي- الأسلوب الذي استخدمته فيما بعد كمخرج، لأوضح للممثلين كيف أرى كل شخصية، وبالطبع كنت أنا الكاتب أيضاً".

مع بداية دراسة فيدريكو في الجامعة وجد عملا في إحد المجلات الهزلية في روما، وكان الهزل والاستعراض من بين الخيارات التي كان يحبها ويعشقها

الخطوات الأولى إلى السينما

مع بداية دراسة فيدريكو في الجامعة وجد عملا في إحد المجلات الهزلية في روما، وكان الهزل والاستعراض من بين الخيارات التي كان يحبها ويعشقها، إذ أصبح يرسم الكاريكاتير، ناهيك عن عمله كصحفي جرائم.

وقد فتنه هذا العالم طويلا ودفع به كي يفتح محلا رفقة بعض الأصدقاء يختص في رسم البورتريه وبيع اللوحات الفنية، ناهيك عن عمله ككاتب نصوص هزلية لفائدة الممثل ألدو فايريزي، ليدخل بعدها تجربة أخرى، وهي الخطوة الأولى التي أدخلته عالم السينما بعد الدعوة التي تلقاها للمشاركة في كتابة سيناريو للمخرج روبيرتو روسيليني لفيلم بعنوان "روما مدينة مفتوحة" سنة 1945، ناهيك عن اشتغاله كممثل أيضا في هذا الفيلم.

وقد تواصل تعاونه مع روسيليني في أعمال أخرى قبل أن يبدأ مغامرته الإخراجية الأولى مع المخرج ألبيرتو لاتودو في فيلم يحمل عنوان "أضواء حفل المنوعات" 1950، ليستقل بنفسه بعد سنتين ويقوم بمحاولته الإخراجية الأولى لفيلم "الشيخ الأبيض" 1952، وبعدها بسنة قام بإخراج فيلم آخر تحت عنوان "فيتلوني" 1953، لكن إلى هنا لم يلفت الأنظار إليه، ولم يحقق فيدريكو ما كان يطمح إليه ويفكر فيه، لكن سرعان ما زال هذا الشعور بعد صور فيلمه الخالد "الطريق" 1954، والذي وضع فيدريكو في مصاف المخرجين الكبار.

فيدريكو تزوج من الممثلة جيوليتا ماسينا وقال "إنها المرأة الأكثر إلهاما في أعماله"

"الطريق" إلى العالمية

تزوج فيدريكو من الممثلة جيوليتا ماسينا سنة 1943، وقد تعاونت معه في العديد من الأعمال، كما وقفت معه في محطات حياتية كثيرة، إذ قال فيها "إنها المرأة الأكثر إلهاما في أعماله"، ولقد لعبت دور البطولة في فيلم لاسترادا (الطريق) مناصفة مع الممثل الكبير أنطوني كوين.

تدور قصة الفيلم حسب ما جاء في ملخصه حول "جيلسومينا اللقيطة التي باعتها أمها بمبلغ زهيد وبعض السلع الغذائية إلى حاوٍ متجول على الطريق يدعى زامبانو، والذي يقدم عروضه في ميادين القرية، حيث يقوم المتفرجون بتقييده بسلسلة حديدية ويحاول هو فكها، وأصبحت تساعده جيلسومينا في العرض، لكنه يعاملها بسوء وقسوة، وحينما تحاول الهرب يضربها. ينضم زامبانو إلى سيرك صغير متنقل، حيث يلتقيان مع بلياتشو المضحك، والذي ينبه جيلسومينا لأهمية تحديد اختياراتها، حيث يبدو أنه قد وقع في حبها".

شارك الفيلم في العديد من المهرجانات والفعاليات السينمائية العالمية وقتها، وحصد العديد من الجوائز المهمة أبرزها؛ أوسكار أفضل فيلم أجنبي، ناهيك عن النجاح الجماهيري والنقدي الذي حققه بعد أن تحولت أسماء شخصيات الفيلم إلى علامات تجارية وصناعية.

 

"الحياة حلوة".. تحفة فيدريكو العبقرية

بعد النجاح الرهيب الذي حققه فيلم "الطريق"، أخرج فيدريكو فيلم "المحتالون "1955، وبعده بسنتين فيلم "ليالي كابيريا "1957، وحقق الفيلمان أيضا نجاحهما، وأثبت مرة أخرى بأنه مخرج مقتدر، ليأتي بعدها فيلمه التحفة "الحياة حلوة "1960، ليقول من خلاله للعالم بأنه تعدى صفة المخرج العادي ودخل إلى خانة العبقرية، وأن نجاح فيلم "الطريق" لم يكن صدفة، والدليل ما أتى بعده وثبّته في هذا الفيلم.

وتدور أحداث فيلم "الحياة حلوة" حسب ما جاء في ملخصه "حول (مارسيلو) الصحفي الذي يكافح من أجل إثبات مكانه في هذا العالم، فهو مشتت بين الصورة الاجتماعية الراقية الأخاذة لطبقة النُخبة في مجتمع روما، وبين العلاقة المتوترة التي تشاركه إياها صديقته ومحبوبته، كل هذا بينما يحاول قطع سبيله ليصبح كاتبًا ناجحًا، فيقوم في رحلة سعيه تلك بالعديد من اللقاءات اليومية والمقابلات، ليلتقي خلال إحدى جولاته بإحدى الفتيات العاهرات، والتي تُحدث تغيرات كبيرة في حياته، منها التسبب بانتحار صديقته".

شارك في كتابة سيناريو الفيلم المخرج والكاتب الإيطالي الكبير بير باولو بازوليني، ولعب دور البطولة فيه مارسيلو ماستروياني الذي يُعد وقتها نجم إيطاليا الأول، وقاسمته البطولة الممثلة أنيتا أكبرج، وصادفت الفيلم العديد من المطبّات قبل إخراجه أهمها انسحاب المنتج دينو دو لورانتيس من الفيلم، وذلك بعد أن رفض فيديريكو طلبه بأن يقوم الممثل بول نيومان بلعب دور البطولة مكان مارسيلو، لكن بعد الانتهاء من الفيلم، عُرض وحقق نجاحا عالميا ساحقا بعد الإشادة العالمية به، وحصل على "السعفة الذهبية" من مهرجان كان السينمائي.

 

ترشيح للأوسكار 12 مرة

أخرج بعدها فيديركو العديد من الأفلام، وحقق معظمها -إن لم نقل كلها- نجاحات كبيرة، وخلقت حوله صدى عالميا لم يعرفه أيّ مخرج إيطالي قبله أو بعده، وقد كُلّلت مسيرته بقائمة طويلة من النجاحات والجوائز، من بينها ترشحه 12 مرة للأوسكار منذ فيلمه الأول "مدينة مفتوحة"، وحتى "كازانوفا فيلليني" في 1976، كما فازت أربعة من أفلامه بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، وهي "الطريق" و"ليالي كابريا" و"ثمانية ونصف" و"أماركورد".

وفي مارس/آذار 1993 تلقى تكريما من الأكاديمية على مجمل أعماله وإنجازاته السينمائية، وهذا اعتراف منها بعبقرية هذا المخرج، وهي السنة التي توفي فيها. وكان يقول دائما "إذا كنت أعرف شيئاً، فإنني أعرف أنني لا يمكن أن أكون شخصاً آخر، كل إنسان يعيش في عالمه المتخيَّل، لكن معظم الناس لا يَعُون ذلك، لا أحد يدرك عالم الواقع، وكل واحد يعتبر بأن تخيلاته الشخصية هي الحقيقة، الفرق بين الآخرين وبيني هي أنني أعرف بأنني أعيش في عالم متخيَّل، وأفضله على هذا النحو، وأستاء من أيّ شيء يشوِّش رؤياي".

قد ينال إعجابكم