بورتريه

فيدل كاسترو: عدو أمريكا اللدود

وثائقي عن الزعيم الكوبي السابق فيدل كاسترو، الذي وافته المنية يوم 25 نوفمبر 2016. يظهر في الصورة وهو يزفر دخان السيجار خلال مقابلة، مارس 1985، في قصر الرئاسة في هافانا

عدنان حسين أحمد

لا يميل المخرج تريستان كُوين إلى زجِّ آرائه في الأفلام الوثائقية التي ينهمك في إنجازها، تمامًا كما يفعل المخرجون الفرنسيون الذين يفضّلون الوقوف على الحياد مكتفين بعرض الحقائق كما هي، تاركين للمتلقي أن يقول الكلمة الفصل فيما يراه ببصره ويتمثّله ببصيرته. ويبدو أن كُوين قد ذهب أبعد من ذلك حينما استعار، بوعي أو من دون وعي، نظرية رولان بارت القائلة إنّ "ولادة القارئ" تقتضي بالضرورة "موت المؤلف" لكنه أبدلَ كلمة "القارئ" بالمُشاهِد، و"المُؤلف" بالمُخرِج فصارت "ولادة المُشاهد تقتضي بالضرورة موت المُخرِج". تُرى، كيف سنقيّم، نحن المُشاهدين، فيلم تريستان كُوين المُعنون "فيديل كاسترو: عدوّ أميركا"؟ وهل وقف المُخرج على الحياد فعلا ولم يدسّ أنفه في معترك القضايا الصغيرة والكبيرة التي أثّثت متن الفيلم، وشكّلت بنيته الداخلية العميقة؟

لا شكّ في أن كُوين، مثل أي مُخرج ناجح، يعوّل على الشكل والمضمون. وما نعنيه بالشكل هو الأسلوب الذي يتّبعهُ المُخرج في بناء فيلمه الوثائقي القائم في مجمله على تقنية "الرؤوس المتكلمة" التي تتحدث عن فيديل كاسترو، وتقيّم تجاربه النضالية والسياسية والفكرية. كما أفاد المخرج من الصور الأرشيفية التي تغطي حقبة قرن أو يزيد ليكشف لنا طفولة فيديل وصباه، وسنوات شبابه، ومراحل تطوره الفكري التي حوّلته من ابنٍ لعائلة ثرية إلى مناضل قوي لا يتورع عن مهاجمة الثُكنات العسكرية التي بثّها الدكتاتور باتيستا في عموم المدن الكوبية. أما المضمون فنعني به مجمل الثيمات الرئيسة والفرعية التي انتظمت في نسق بَصَري محبوك منذ مُفتتح الفيلم حتى منتهاه.

ظل فيدل ما زال يخيم على العاصمة الكوبية "هافانا"

وعلى الرغم من أنّ بعض المخرجين الوثائقيين يراهنون على جمالية الصورة، كما هو الحال في بعض أفلام الطبيعة، إلاّ أن البعض الآخر يعوّل على المضمون ويضعه في مقدمة اهتماماته الرئيسة، وكأنّ هذا النمط من المخرجين الوثائقيين يريدون القول بأنهم معنيّون بالفكرة قبل الصورة، وبالخطاب اللغوي قبل اللغة السينمائية. أما تريستان كُوين فهو يجمع بين الخطابين اللغوي والبصري في آنٍ معًا.

لا شك في أن مضمون هذا الفيلم واسع وعميق فهو لا يتمحور فقط على السيرة الذاتية لفيديل كاسترو وإنما يتشظّى باتجاهات مختلفة تلامس كل شيء تقريبًا بدءًا بالتاريخ، ومرورًا بالنواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وانتهاءً بالحروب المحلية والإقليمية والكونية.

منذ ثورة فيدل كاسترو منذ أكثر من 50 عاما، ظلت الولايات المتحدة وكوبا خصمين متعاديين

قد يبحث الناقد الحصيف عن عُقدة هذا الفيلم أو مُهيمنته النصيّة ولا يجد أفضل من جملة فيديل كاسترو: "أدينوني، لا يهمّ، فالتاريخ سوف يغفر لي". لعل أهمية هذه الجملة بوصفها "ثيمة أساسية" للفيلم تعالج الفرضية التي طرحناها في مستهل هذا المقال وتُثبت في خاتمة المطاف نظرية "ولادة المُشاهد" الذي سيحسم كل شيء ما إن ينتهي من مشاهدة هذا الفيلم الذي يرتقي إلى مستوى الوثيقة الدامغة فعلاً.

ربما ينطوي عنوان الفيلم Fidel Castro: America's Nemesis على ثيمة مهيمنة لا تقل أهمية عن سابقتها، فكاسترو ناصبَ الإدارة الأميركية عداءً مُستحكمًا ولم ينحنِ لكل العواصف الإمبريالية التي هبّت عليه على مدار خمسة عقود بينما كان الشعب الأميركي ينظر إلى كاسترو كبطل ومناضل ثوري قبل أن يتسلّم سُدّة الحُكم، بل أن ريتشارد نيكسون، نائب الرئيس الأميركي آنذاك كان يعتقد أيضًا أن كاسترو "قائد عظيم" لكن هذا الغزَل لم يدم طويلاً إذ سرعان ما حلّ محله عداء مقيت بلغ إلى مستوى التآمر، ومحاولات الاغتيال، والغزو المسلّح بغية الإطاحة بالدكتاتور الجديد الذي خطف الجزيرة بمن عليها في رابعة النهار.

ربما يعرف القرّاء أشياء كثيرة عن فيديل كاسترو، فقد قرأوا سيرته الذاتية، وشاهدوا كل الأفلام الوثائقية التي أُنجزت عنه، لكنهم يبحثون دائمًا عن المعلومات المثيرة التي حُجِبت عنهم طوال خمسين عامًا، وربما يوفر الفيلم جانبًا من هذه المعلومات المُغيّبة التي تتعلق به شخصيًا "كثمرة لزواجٍ غير شرعي" أول الأمر لكن والديه تداركا الأمر وعززاه لاحقًا بأوراق رسمية، وكذلك حياته العاطفية التي تُوجت بزيجة واحدة من مارتا دياز-بارلات التي أنجبت له فيديليتو لكنه طلّقها وهو في السجن حينما أيقن أنها كانت على علاقة بنظام الدكتاتور باتيستا. أما علاقته الثانية فهي مع سيليا سانشيز التي كانت ذراعه اليمنى، وسكرتيرته، وأمينة سرّه لكن الساردة الصوتية في هذا الفيلم تصف هذه العلاقة بـ "الشبيهة بالزواج". وفي السياق ذاته يدعونا المخرج كمتلقين عضويين أن نبحث عن طبيعة العلاقة التي ربطت كاسترو بعشيقته ناتاليا التي أنجبت له ابنته "ألينا" التي هربت من كوبا بسبب دكتاتورية الوالد وقمعه لمعارضي نظامه الاستبدادي.

مع زوجته ميرتا دياز بالارت التي طلقت منه في عام 1955

يبدو السياق السردي- البصري مهمًا لجهة نسيج القصة بثيماتها الرئيسة والمؤازرة ولا أجد ضرورة في تتبعها جميعًا لأنها معروفة للغالبية العظمى من القرّاء لكننا سنتوقف عند بعض المحطات التي تسلّط الضوء على شخصية كاسترو كإنسان من جهة، وكدكتاتور من جهة أخرى.

شكّلت الدراسة بكل مراحلها الابتدائية والثانوية والجامعية شخصية كاسترو الثقافية. فمن مدرسة الجزويت اليسوعية في سانتياغو تعلّم الشدّة والانضباط وقرر أن يقود كوبا مثل مدير مدرسة أو ناظر صارم في أقل تقدير. وفي مدرسة "بيلان" الخاصة في هافانا أدرك الفوارق الطبقية وكان يزدري الأغنياء الذين يرون فيه ريفيًا فظًا يرتدي ملابس باهضة الثمن فلاغرابة أن يستهدف هذه الطبقة ويشرّد أبناءها في المنافي الأميركية. وفي الجامعة تعلّم فن الخطابة، وتعمّق في دراسة القانون، وحوّل بعض مرافعاته إلى كرّاس شبه مقدّس في صفوف الثوار والمناهضين لنظام باتيستا الاستبدادي.

يستمتع المُشاهد بمتابعة شخصية شديدة المراس مثل كاسترو الذي يتنقل بين ميامي وبنسلفينيا والمكسيك ليعود إلى بلده بعد أن تعرف على الطبيب الأرجنتيني تشي غيفارا الذي سيلعب دورًا محوريًا في الثورة لكنه يواجه مصيره المحتوم بعد أن يسقط في كمين نصبته المخابرات المركزية الأميركية في بوليفيا ليُقتل في اليوم الثاني وتظهر جثته المسجّاة في مختلف الوسائل الإعلامية المحلية والعالمية. لا يقف المخرج إلى جانب هذه الشخصية أو ضدها، كما يفعل مع مجمل شخصيات الفيلم، ولكنه يترك لنا حرية الحكم فيما إذا كان غيفارا ثائرًا حقيقيًا أم مُتهمًا بإبادة المُعارضين، وتصفية المناوئين للثورة؟

أمر الرئيس ايزنهاور بعملية لإسقاط حكومة كاسترو في عام 1960. الرئيس كينيدي سيشرف على عملية غزو "خليج الخنازير" (نسبة إلى خليج يقع جنوبي كوبا ويسميه الكوبيون أيضا "بلايا خيرون") وذلك بعد تنصيبه عام 1961. فيدل كاسترو، أسفل يمين الصورة، يجلس داخل دبابة بالقرب من بلايا خيرون، أثناء الغزو./ أ ف ب

يؤرِّخ هذا الفيلم للثورة الكوبية، ويصوِّر الذهنية التي قادَ بها كاسترو البلاد. فعلى الرغم من انتصاره في معركة "خليج الخنازير" إلا أنه لم ينتصر على الحصار الاقتصادي الذي فرضته الإدارة الأميركية على الجزيرة الكوبية، كما أنه شعر بالتهميش حينما قرر الاتحاد السوفييتي سحب صواريخه المحملة بالرؤوس النووية من كوبا مقابل أن تسحب الولايات المتحدة صواريخها من تركيا.

ارتبط كاسترو بعلاقات شخصية حميمة مع بعض الأصدقاء نذكر منهم الكاتب والصحفي نوربيرتو فوينتس الذي عُرف بنتاجاته الأدبية المتعددة من بينها "همنغواي في كوبا" و "السيرة الذاتية لفيديل كاسترو". وعلى الرغم من قوة الصداقة التي ربطت بينهما إلاّ أن فوينتس حُوكم، وسُجن، لكنه امتنع عن الطعام فسمح له بمغادرة البلاد وهو يعيش في أميركا الآن من دون أن ينتقد صديقه العزيز كاسترو أو يشجب سياسته المتطرفة التي أفضت بالنتيجة إلى مغادرة سدس سكّان الجزيرة إلى أميركا بمجرد أن سمح لهم بالهجرة مُحطمًا القيود الحديدية التي فرضها بنفسه على أبناء جلدته.

صورة من مقتنيات المؤلف نوربيرتو فوينتيس، كما هو موضح مع فيدل كاسترو

لم تشمل التصفيات الجسدية خصومه ومعارضيه فقط وإنما امتدت إلى بعض مؤازريه من الضباط الكبار أمثال الجنرال أرنالدو أوتشوا الذي أُلصقت به تهمتي الخيانة وتهريب المخدرات بينما يعرف الكوبيون أجمعهم أن هذا الجنرال البطل هو قائد كوبا المُرتقب الذي وضع له حدًا قبل فوات الأوان.

وبما أن دوام الحال من المُحال فقد تدهورت صحة كاسترو عام 2006 وأُجبر على إجراء عملية جراحية في أمعائه أعاقته عن أداء مهامه الاعتيادية وبدأ يفقد طاقته يومًا بعد يوم إلى أن وافق على تسليم السلطة إلى أخيه راؤول في فبراير 2008 لتنطوي صفحة هذا الرجل بعد خمسين عاما من العداء للإدارة الأميركية.

وقع الزعيم الكوبي فيدل كاسترو استقالة مؤقتة في يوليو 2006

لم يزجّ المخرج تريستان كُوين آراءه الشخصية في الفيلم وإنما ترك لبضعة مُحاوَرين أن يرسموا النهاية المفتوحة، ويصرِّحوا بآرائهم وأفكارهم الشخصية من دون أية ضغوط خارجية. أما الجواب الحاسم والأخير فهو من حصة المتلقي الذي يشاهد الفيلم ويستطيع أن يقول فيما إذا فيديل كاسترو قائدًا وطنيًا أم دكتاتورًا مُستبدًا؟

لنأخذ نماذج لبعض الاستنتاجات التي توصل إليها بعض المشاركين في هذا الفيلم وهم 17 شخصية من بينهم روبرت باستور، مستشار الأمن الوطني الأميركي الذي قال: "التاريخ سيغفر له لكن ملف حقوق الإنسان هو الوحيد الذي سيعترضه". وبما أنه سجنَ الآلاف، وهجّرَ سدس شعبه، وارتكب فظاعات لا يجرؤ أحد على ارتكابها فإن باستور يقول بالفم الملآن "أنا لا أغفر له، ولا أعتقد أن التاريخ سيغفر له." ثم يمضي في تعزيز هذا الرأي بالقول: "إن الناس سيذكرون ما فعله في التعليم، والصحة، والاقتصاد، وصراعه الطويل مع أميركا. التاريخ سيقول إنه أنقذ كوبا من الدكتاتورية ولكن الشعب لن يغفر له دكتاتوريته".

المتحدثون في الفيلم، من اليمين، روبرت باستور مستشار الأمن الوطني الأمريكي، الكاتب والصحفي البريطاني طارق علي، المخرج الأمريكي أوليفر ستون

أما طارق علي، الكاتب والصحفي البريطاني من أصول باكستانية، فقد قال عن كاسترو: "إنه واحد من عمالقة القرن العشرين، وشخصية رئيسة في أميركا الجنوبية وبقية أنحاء العالم". فيما ذهب المخرج الأميركي أوليفر ستون إلى القول بأن كاسترو: "قد ربح، وهو يعرف أنه قد ربح. فهم لم يقتلوه، ولم يُرهبوه. لم ينحنِ أبدًا. لقد صمد، وماتَ واقفًا على قدميه من دون أن يركع على ركبتيه". أما مسك الختام فهو لنوربيرتو فوينتس، صديقه الحميم الذي قال: "أنا لست عدوًا للثورة. كيف يمكنك أن تكون عدوًا لهزة أرضية؟".

تكمن أهمية هذا الفيلم بكل تأكيد في النهاية المفتوحة التي تخلى عنها المخرج بإرادته وقَبِل بـ "الموت" مقابل "ولادة" المُشاهِد العضوي الذي يتفاعل مع تفاصيل الفيلم ويصل إلى الخلاصة التي يراها مناسبة وهو يستمتع بالخطابين اللغوي والبَصَري في آنٍ واحد.

 

قد ينال إعجابكم