بورتريه

مايك لي.. الاحتفاء بعاديّة الحياة

آية عبد الحكيم

في أحد لقاءاته أبدى المخرج البريطاني (مايك لي) اعتراضه على رأي المخرج (ألفريد هيتشكوك) الذي يرى أن المرأة التي تقضي يومها في إعداد الطعام وكيّ الملابس، لا تود أن تذهب للسينما لتشاهد امرأة أخرى تعد الطعام وتكوي الملابس. في رأي (لي) من حق ربة المنزل أن تذهب للسينما فتجد من يحتفي بها ويجسد شخصيتها بكل عاديتها أو صراعاتها، ولهذا يصنع الأفلام.

لم يولد (مايك لي) لأسرة عاملة فقيرة أو متوسطة الحال، لكن والده كان طبيبًا، واستطاع أن يقضي أوقاتًا طويلة في السينما يشاهد الأفلام الهوليوودية، ومن هنا بدأت تتنامى داخله الرغبة في صناعة أفلامٍ يتحدث أبطالها كما يتحدث الأشخاص العاديون، لا كما يتحدث نجوم السينما. سافر إلى لندن لدراسة المسرح، وهناك وجد الممثلين يؤدون أدوارهم بميكانيكية حيث لا يناقش أحد دوره أو شخصيته، بل يحفظ حواره ويؤديه ويرحل. لهذا قرر (لي) أن يعتمد عمله وبأكبر قدرٍ ممكن على الارتجال.

قد تكون لديه فكرة ما يود أن يصنع عنها فيلمًا، أو يكتفي بلمحة عن شخصية أوحدثٍ ما، فيبدأ بتطويرها مع ممثليه. يمكن بسهولة تمييز أفلامه، ليس فقط عبر الخط الدرامي المميز لها، لكن كذلك عبر عددٍ من الممثلين البريطانيين ممن وثقوا فيه ومشوا معه طريقه المميز لصنع الفيلم، والذي ربما يتشابه مع المخرج الأمريكي (جون كازافيتس). يجلس (لي) مع الممثل ويحكي له ما لديه –وهو القليل- ثم يستمع لمقترحه، ويبدأ الجميع جلسات مطولة من تطوير السيناريو وكتابته مشهداً مشهداً. قد يستمر الأمر لشهور من النقاشات والإعداد، ثم يبدأ التصوير ليخرج لنا في النهاية فيلمًا فنيًا واقعيًا، لا يشبه برامج تليفزيون الواقع، ولا يشبه السينما المصطنعة في شئ.

ينسج مايك لي شخصياته وأحداثه بتمهل منذ أول دقيقة، لا يتعجّل ذروة الأحداث، ولا يتصنّعها.

المرأة المطحونة

دور المرأة في أفلام (مايك لي) لا يقل عن الرجل في شئ، فالبطولة في النهاية للأسرة بأكملها. الأشخاص العاديون المطحونون بين رحى العمل والحياة اليومية الثقيلة. نساء تعملن في المصانع، وبائعات في المحال الضخمة، وشابات تنظفن دور رعاية المسنين أو تنظفن الشوارع. كل امرأة بينهن لديها أزماتها الخاصة، بعضهن أمهات تقمن على إعالة أسرهن وحدهن، وتواجهن العالم بطريقتهن أو تستسلمن له ولإحباطاته.

(سينثيا) في فيلم Secrets and Lies تعاني من حدة معاملة ابنتها الشابة وتجاهلها لها، ومن ابتعاد شقيقها الأصغر عنها وانشغاله بحياته. تعاني من الوحدة رغم أنها لازالت في أوائل أربعيناتها. لكن فجأة تظهر في حياتها من جديد تلك الابنة التي منحتها هي للتبني حين كانت في السادسة عشرة من عمرها. بعد صدمة اللقاء الأول واستعادة ذكريات الأمر بأكمله، ستجد في الابنة العائدة صديقة أقرب في السن، وامرأة ناضجة لا تطالبها بشئ، ولا تعاملها بقسوة، فترأب بها شروخ علاقتها بالابنة الصغرى.
ينسج (لي) شخصياته وأحداثه بتمهل منذ أول دقيقة، لا يتعجّل ذروة الأحداث، ولا يتصنّعها، ‏بل ‏يترك ‏الأمور تتحرك تصاعداً ويكشف أوراقه وشخصياته رويدًا رويدًا، مانحًا المشاهد كل ما لديه ‏عن ‏أبطاله، ‏ليتفاعل معهم ويتفهم دوافعهم.‏ يرفض أن يقولب شخصياته ما بين طيبٍ وشريرٍ، لكنه يستعرض حيواتهم واختياراتهم وحظوظهم في الحياة، دون أن يحكم عليهم أحكامًا مطلقة.

في فيلمه Vera Drake وامتدادًا للدراما العائلية جسّد فكرة طالما راودته عن امرأة تساعد الفتيات الصغيرات في التخلص من حملهن غير المرغوب فيه، في وقتٍ كانت عمليات الإجهاض فيه غير قانونية. يورّط مشاهديه مع (فيرا) الطيبة التي تعمل في تنظيف المنازل وتقضي أغلب يومها إما في العمل، أو في التردد على بيوت أقاربها أو جيرانها ممن هم في حاجة إلى مساعدتها. وبالتوازي مع (فيرا) التي تؤدي عملية الإجهاض دون مقابل، وبأسلوب منزلي تحاول أن تجعله آمنًا ونظيفًا، مانحة جُلّ اهتمامها للمرأة التي طلبت مساعدتها، يتعرض (لي) لنموذج الطبيب الذي يجري ذات العملية –غير القانونية- بمبلغ طائل لمن تستطيع دفعه، مقابل اهتمامٍ ورعاية طبية ممتازة. الأمر في الحالتين غير قانوني. لكن طريقة (فيرا) تضعها في مأزق بعد أن كادت إحدى فتياتها تلقى مصرعها، وتضعها في مواجهة مع أسرتها البسيطة بين من يتقبل تصرفها، ومن يرفضه. يبدي البعض تعاطفه حتى بين رجال الشرطة، وقد يصعب على المشاهد –حتى الرافض للأمر- ألا يتعاطف مع تلك المرأة الطيبة التي تتحدث مع الجميع بحبٍ ورفق وتختم إجاباتها مع محقق الشرطة أو القاضي بكلمة "يا عزيزي" مع كل سؤال.

من فيلم الكل أو لا شيء All or Nothing

الرجل المهزوم

لا يختلف أبطال (مايك لي) الرجال كثيراً عن السيدات. طبقة عاملة مطحونة، يزداد عليها انسحاق الرجل تحت وطأة دخله القليل الذي لا يكفي المعيشة، أو فشله في احتواء أسرته أو التكفل بهم.
سائق التاكسي (فيل) في فيلم All or Nothing الذي يقضي يومه في توصيل زبائنه، لكنه في النهاية لا يملك المال الذي يدفعه لشركة الراديو التي تؤمن له الزبائن، فيتسول الجنيهات القليلة من ابنته وزوجته. في لحظة انهزام قصوى يغلق (فيل) هاتفه، وجهاز الراديو الخاص بالتاكسي، ويقود طويلاً هاربًا من كل شئ. لكن حين يعود يكشف لنا (لي) في مشهد ذروة متميز كعادته سبب هروبه الأساسي، حيث لا شئ يهمه أكثر من علاقة الحب التي تجمعه بزوجته، وظنونه أنها تحت ضيق الحياة اليومية قد توقفت عن حبه. حبهما هو كل ما يملكه (فيل)، لا يملك مهارة خاصة، أو ثروة مالية، أو عملٍ ناجح. كل ما لديه هو حب زوجه له، فإن شك في زواله، فلا مبرر للعيش.

في أفلامه الأولى كان الطابع العام هو دراما عائلية ذات حسٍ كوميدي بسيط. في الأغلب هناك حدث رئيسي، حتى لو كان الفيلم يدور بالأساس حول الشخصيات، لكن فيلم Naked جاء كنقطة مميزة في مسيرة (لي). كانت الفكرة التي راودته دافعها الأجواء العامة في لندن، سير الحياة وسوداويتها وضغطها. ليلة واحدة تدور فيها أحداث الفيلم حيث البطل الشاب (جوني) العدمي، المثقف البائس، يزور صديقته القديمة لأنه مفلس ولا مكان ليذهب إليه، ويقضي ليلته في الطرقات كاشفًا وجهًا قبيحًا للندن، ومتناقضًا مع خط الأحداث الذي تصنعه شخصية (سباستيان) الجامح المتسلط جنسيًا. ربما لم يقصد (مايك لي) بعنوان الفيلم عري أحد شخصياته، لكنه عري الواقع اللندني التعيس الذي رصده وقدمه في ساعتين من التوتر والقسوة مختلفين عن أغلب أفلامه.

من الصعب أن يُطلق على إحدى شخصيات (لي) مصطلح (شخصية ثانوية)، فالعمل جماعي، وكل ‏شخص هو مركز لحكاية، حتى لو لم تكن حكايته مؤثرة تمامًا في الأحداث الرئيسية للفيلم، لكنه بالنهاية ‏عنصرٍ فارق ومشاهده مؤثرة. الأبناء في الدراما العائلية بأزماتهم وأحبائهم، العابرون في الأفلام الأخرى، ككل الشخصيات التي قابلها (جوني) في لندن متجولاً في الشوارع. لكلٍ منهم حكايته بثرائها ودرامايتها.

في فيلم Happy- Go – Lucky نجد (بوبي) معلمة الأطفال الثلاثينية التي ترتدي ألوانًا مبهجة وتواجه الحياة بالتفاؤل والسعادة طوال الوقت

السعادة وجهة نظر

في فيلم Happy- Go – Lucky يبتعد (مايك لي) قليلاً عن العائلات وكبار السن ويقدم وجهًا آخر للشباب الذي قدمه قبل ذلك بأكثر من عشر سنوات في فيلمه Naked، حيث على النقيض التام من (جوني) نجد (بوبي) معلمة الأطفال الثلاثينية التي ترتدي ألوانًا مبهجة وتواجه الحياة بالتفاؤل والسعادة طوال الوقت. تُسرق دراجتها بأول الفيلم، فلا تركل الأرض غضبًا، تتعلم قيادة السيارة على يد شخصٍ حانق مكفهر الوجه أغلب الوقت، لكن سلوكها تجاهه وتجاه الحياة لا يتأثر بغضبه أو ضيقه. لقد اختارت (بوبي) أن تكون سعيدة. لكن هل السعادة اختيار؟

في فيلم ‏Another Year‏ حيث يعرض )لي( –على غير عادته- زوجين سعيدين، متفاهمين، تخطيا ‏الستين من عمريهما لكنهما مازالا على تفاهمٍ ووفاق، حتى أنهما محط أنظار جميع أصدقائهما. لكنه ‏سريعًا ما يقدم صديقتهما (ماري). امرأة وحيدة ‏تلجأ إلى الكحول هربًا من حزنها ووحدتها، وتداوم على زيارة الزوجين بحثًا عن سر سعادتهما.
إن كانت (بوبي) متفائلة وسعيدة فتمنحها الحياة سعادة أكثر، أو ربما تتعامل مع مشاكلها بطريقة مختلفة تخفف من حدة الأمور، فإن (ماري) على النقيض حزينة وتعيسة وتزداد تعاستها باختياراتها السيئة، وبالرغم من ذلك لا يحكم (لي) على (ماري) بأنها امرأة سيئة، أو يلومها على تعاستها، لكنه يرى السعادة والتعاسة مزيجًا من القدر، واختيارات المرء. (بوبي) و(ماري) كلتاهما نتاج بيئتها وظروفها وحظها، مع بعض الفروق الشخصية بينهما التي تجعل تصرفاتهما مختلفة تمامًا ومردودها كذلك.

على قلة أعمال (مايك لي) إلا أنه يبذل أقصى جهده ليجعل أفلامه مميزة، وجبة درامية فنيّة ذات طابعٍ خاص، ولا تحمل أي ملل رغم كونها دراما عائلية، لكنه يستطيع أن يربط مشاهديه بشخصيات أفلامه، ليرى كل مشاهد جانبًا من شخصيته فيما يشاهده. قد تبدو أفلامه متشابهة، لكنه فقط الخط العام الذي أخذ على عاتقه تقديمه: الاحتفاء بالحياة اليومية العادية وأبطالها البسطاء. دون بهرجة ودون إدعاءاتٍ زائفة، واستطاع رغم ذلك أن يجعل كل فيلمٍ منها مختلفًا عن الآخر بثراء شخصياته وبخصوصيتها.

قد ينال إعجابكم

أخبار

عودة "سنودن" إلى الأضواء

عاد "إدوارد سنودن" إلى بؤرة الاهتمام مرة أخرى، ولكن عن طريق هوليوود هذه المرة مع بدء نشر دعاية فيلم (سنودن) للمخرج...