بورتريه

محمد ملص.. ظاهرة السينما السورية

بشار إبراهيم

المخرج السوري محمد ملص
بهدوء ودأب، استطاع المخرج محمد ملص خلق ظاهرته السينمائية، حتى بات من العصيّ الحديث عن السينما السورية، وملامسة ذراها الفنية العالية، من دون التوقّف مليّاً أمام تجربته السينمائية، تماماً كما لابد من المرور على أحد أفلامه، أحدها حتماً، لدى الحديث عن أفضل عشرة أفلام في تاريخ السينما العربية، عبر قرابة قرن من منجزها الإبداعي، داخلاً تاريخ السينما من أوسع أبوابه، تاركاً بصمته المتميزة والفريدة.
حكايته الشخصية، ورؤيته الذاتية، فضلاً عن موهبته الإبداعية، هذا مما جعله في طليعة المخرجين السينمائيين العرب، الفاعلين في سياق «سينما المؤلف»، آن عرف هذا التيار السينمائي صعوده الباهر عند نهاية السبعينيات ومطالع الثمانينيات من القرن العشرين، ليقدّم حينها تحفة سينمائية؛ فيلم «أحلام المدينة» (1983)، واحداً من أهم إنتاجات السينما العربية، سوف يبقى من الصعب على ملص نفسه تجاوزها، طيلة أكثر من ثلاثين عاماً تالية، وإن غازلها بمحاولات سينمائية مماثلة، لعل أبرزها «الليل» (1993)، بقيت دائماً أقلّ وهجاً وتميزاً، من تحفته تلك.

من بدايات باهرة جاء محمد ملص (القنيطرة 1945)، وصنع لنفسه، منذ الخطوة الأولى، طابقاً سينمائياً خاصاً به، تفرّد به على المستوى السينمائي السوري، وأمكنه من الانضمام إلى كبار السينمائيين العرب، وبقي خلال أربعة عقود تالية من تجربته السينمائية، محفوفاً بالتقدير الجماهيري، والاحتفاء النقدي، والعديد من الجوائز، التي لم تتردّد على أبواب أفلامه التي بات بعضها علامات في السينما السورية والعربية.
تأخّر محمد ملص في الوصول إلى السينما. تلوّت به دروب الحياة، وتعثّرت خطاها، قبل أن تقوده في النهاية إلى السينما، وسوف يحقّق أول أفلامه رسمياً، وهو على بوابة الثلاثين من العمر. كان فيلم «القنيطرة 74»، الروائي الوثائقي القصير الذي حققه في العام 1974، إعلاناً صريحاً عن ولادة مخرج سينمائي، ذي نكهة مختلفة، وصوت متفرّد. مخرج يمتلك دراسة سينمائية أكاديمية (معهد السينما في موسكو)، وثقافة واطّلاع سينمائيين واسعين، يمزجها في استلهام بديع، مستفيداً من ولعه الأدبي؛ روائياً أقرب إلى الشاعر.
في «القنيطرة 74» (20 دقيقة، 1974) أمكن لملص إنجاز فيلم على إيقاع حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وما تلاها من وقائع أفضت إلى استعادة أجزاء من مدينة القنيطرة (عاصمة الجولان السوري). لا يذهب ملص في النشيد، ولا يتغنّى، كما فعلت عشرات الأفلام السورية حينها، بما جرى. إنه يجعل مما تبقّى من مدينة القنيطرة فضاءً سينمائياً، في مسرحة حركية غنيّة، تتجوّل خلالها شخصية الفيلم الرئيسية (نائلة الأطرش)، هنا وهناك، باحثة عن صدى الناس الذين طُردوا قسراً من بيوتهم، وتلمّس آثار خطواتهم التي كانت، على الأرصفة المُدمّاة، المنهوشة بالدمار، محاولةً العثور على روح المدينة المقصوفة، الفارغة إلا القليل من سكانها، في مزج مبكّر، تماماً، ما بين الروائي والوثائقي، وفي نبرة لا تريد الانصياع إلى الشعار السياسي، بل الانحياز إلى الناس، والانتماء إلى المدينة (مسقط رأس المخرج) التي لن تكفّ عن الحضور في أفلامه اللاحقة، في استرجاعات ما بين الذاكرة الطفلية للمخرج، وحضور المدينة في الجغرافيا والتاريخ وأحداثه، في عقود متتالية من القرن العشرين.
سيحتاج ملص قرابة عشر سنوات بعد التخرّج، ثمة من يقول إنه حقق خلالها فيلمين قصيرين (الذاكرة 1975، فرات 1978)، قبل أن يطلّ بفيلمه الأهمّ؛ أول أفلامه الروائية الطويلة «أحلام المدينة» (120 دقيقة، 1983(. دهشةٌ أخّاذة لا تنطفئ، حتى بعد مرور ثلاثة وثلاثين عاماً، على تحقيق هذا الفيلم التحفة السينمائية العربية. يحشد ملص ما أمكنه على بوابة هذا الفيلم: تعاونٌ فنيٌ على صعيد كتابة السيناريو مع المخرج سمير ذكرى، صاحب رائعة «حادثة النصف متر» (1980). استعانةٌ بمصور تركي قدير؛ أردوغان أونجين، الذي تألّق بتصوير الفيلم الشهير «الطريق» للمخرج يلماز غوني (1982). بناءٌ سرديٌّ غير تقليديّ لحكاية تستلهم الذاكرة الطفلية، على إيقاع خمسينيات القرن العشرين، وما حبلت به من تحوّلات كبرى. إدارةٌ رائعةٌ للفتى ديب (باسل أبيض)، وتوظيفٌ استثنائيٌّ لإمكانات تمثيلية أخرجت الفنان رفيق سبيعي من ثوبه الشعبي (أبو صيّاح)، وأعادت تقديمه بحلّة درامية عميقة وراقية، كما قدّمت الروائية اللبنانية ياسمين خلاط، وأيمن زيدان، ونذير سرحان، وطلحت حمدي، وحسن دكاك، وأديب شحادة، في إطلالة العمر السينمائية.

أحدث فيلم «أحلام المدينة» انقلاباً في السينما السورية، وانتقل بها إلى مستوى جديد، فصنع عتبة فنية عالية، بات من العسير تجاوزها. لا يُفلت ملص واقعية الحكاية، ويمضي بها نحو صياغات سينمائية جمالية، حافلة بالشعر والدلالات، التي تمنح الفيلم حياة وحيوية، تأخذ بوجدان المشاهد إلى مناطق يتعلّق بها، حتى لو لم يعايشها بنفسه، ويتلظّى بها، في مزج مُحكم ما بين التوق العظيم إلى الأحلام الكبرى، وقسوة الخيبات المؤسفة في الواقع السياسي والاجتماعي والنفسي، تلك التي تنكشف عن القمع والقهر وقلّة الحيلة، في مشاهد رائعة باتت أيقونات سينمائية، سنجد ملص نفسه سيلجأ إلى محاكاتها، أو إعادة تنفيذها، في أحدث أفلامه «سلّم إلى دمشق» (2013).
أما فيلمه «المنام» (45 دقيقة، 1988)، الوثائقي المتوسط الطول، بإنتاج مشترك بين «دائرة الثقافة والإعلام» في منظمة التحرير الفلسطينية، وشركته الإنتاجية الخاصة «مرام للسينما والتلفزيون»، فهو نتاج جهد أخذ سنوات، ما بين العمل والتوقّف، إذ بدأ محمد ملص تصويره قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت (صيف 1982)، وعاد لاستكماله في سنوات تلك، في تغييرات واضحة على مستوى الواقع الفلسطيني في لبنان، وعلى مستوى فريق العمل، بما فيها انتقال مهمة إدارة التصوير من حازم بياعة إلى حنا ورد.
 فيلم «المنام» سينمائي وثائقي ممتاز، مهمّ بفكرته وتنفيذه، على المستويين المضموني والفني، يبحث المخرج محمد ملص فيه بفنية صافية عن الأحلام التي تغزو الفلسطينيين في نومهم؛ فمن خلال أحلام الليل عندهم، نكتشف أو نستقرئ أحلام النهار، في فيلم متماسك مؤثّر، يُحسن توظيف الكلمة، والصورة، والموسيقى، والأغنية، والقصيدة، والنصوص القرآنية.
فيلم «المنام» محاولة سينمائية، واقتراح جديد، لتبيان ملامح من صورة الفلسطيني، التي تبدو مترعة بأحلام أكبر من الواقع الذي يعيشه، وفي واقع أقلّ من التضحيات التي يقدّمها، ليتحرك الفيلم في مساحة بعيداً عن اللافتات العالية والشعارات الكبرى المُوحية بانتصارات عارمة، لكنها سرعان ما تهاوت تحت أقدام الاجتياح الصهيوني للبنان، بعد أقل من عام، وتحوّلت الأحلام جثثاً لرجال ونساء وأطفال، تحت ركام صبرا وشاتيلا، وارثة لمأساة تل الزعتر.
وسيحمل فيلم محمد ملص «الليل» (1993)، المتحقق بتعاون فني مع عمر أميرلاي وأسامة محمد وقيس الزبيدي، طموحاً سينمائياً كبيراً، إلى درجة أرهقت الفيلم. استلهام إبداعي من مرجعية سينمائية عالمية (أندريه تاركوفسكي)، وغوص في ثنائية الواقعي والحُلُمي، الحاضر والمُشتهى، الحكائي والرؤيوي، وكسر نادر للسياقات السردية المُعتادة، مع حشد بصري باذخ، أفضى إلى فيلم خاص، يحتاج مشاهد من طراز أكثر خصوصية، يمكن إعادة اكتشاف الفيلم مرة بعد أخرى.
يقدّم فيلم «الليل» مدينة القنيطرة بحبّ كبير، وذاكرة فياضة. القنيطرة في ثلاثينيات القرن العشرين، الملأى بالناس الطيبين، كما بالملوثين بالطمع والجشع، بالأمكنة الودود. القنيطرة التي باتت محطّ قوافل المتطوعين الذاهبين إلى فلسطين، ستكون الإطار الذهبي لذاكرة الإنسان، وذاكرة المكان، وذاكرة الحدث. هذا الذي يأتي استمراراً لنظرة ملص في فيلم «أحلام المدينة»، عندما توغّل في أحياء دمشق القديمة وحاراتها الشعبية، مرافقاً الفتى النازح برفقة والدته من القنيطرة، وليشهد على براعة العين السينمائية، التي تأخذ تشكيلاتها طعماً حلواً حيناً، مرّ المذاق حيناً آخر، اتكاء على فرحنا وحزننا، انتصارنا أو هزيمتنا.

ومساهمةً في الاحتفالات بمئوية السينما، أنجز محمد ملص الفيلم الوثائقي «نور وظلال» (42 دقيقة، 1994) بالاشتراك مع المخرجين عمر أميرلاي وأسامة محمد، وفيه يتناولون بشكل إبداعي تجربة الرائد السينمائي السوري نزيه الشهبندر، الذي حقق فيلمه «نور وظلام» (1947)، الذي يعدّه البعض أول الأفلام السورية الناطقة، وشارك في إنتاجه أحمد الركابي، من تأليف اللبناني محمد شامل، والسوري علي الأرناؤوط، ومن تمثيل المطرب السوري رفيق شكري، والممثلة اللبنانية إيفيت فغالي، مما شجّع على إعلانه الفيلم السوري اللبناني الأول.
يتحوّل وثائقي «نور وظلال» من حالة التكريم والتبجيل للرائد السينمائي نزيه الشهبندر (1913 – 1996)، إلى موقف الرثاء لحاله الذي انتهى إليه، وهو في أواخر العمر، وما بات يلقاه من عزلة وصدود وتجاهل ونكران، من أهله ومن بلده، فيكون مآله الشخصي، ومصيره الفردي، صورة عن المآل والمصير الذي يراه صنّاع الفيلم، ويعزّزون إبرازه، في نقدهم لواقع السينما السورية، قبيل نهاية القرن العشرين. هنا ثمة رائد سينمائي يتداعى في قبضة الهرم والعجز والموات، وثمة سينما رائدة تعاني من مشاكل تبدو مستعصية على الحلّ، إلى درجة تكاد تكتم أنفاسها.
وبالاشتراك مع عمر أميرلاي وأسامة محمد، أيضاً، يحقق محمد ملص وثائقي «مدرّس» (46 دقيقة، 1995) الذي يتناول سيرة الفنان التشكيلي فاتح المدرس (1922 – 1999)، أحد أهمّ أعلام الفن التشكيلي السوري والعربي، والمساهم الكبير في الحركة الثقافية السورية، خلال النصف الثاني من القرن العشرين، دون أن ننسى أن ثمة أفلاما سينمائية سورية اتكأت على قصص قصيرة له، كما في ثلاثية «العار» (1974)، بتوقيع كلّ من بشير صافيه، ووديع يوسف، وبلال الصابوني.
لا يتوقف فيلم «مدرّس» عند مهمة التسجيل والتوثيق للفنان التشكيلي فاتح المدرّس، وتجربته ومسيرته وإنجازاته وإبداعاته، بل يسلّط الضوء على فلسفته ورؤيته للفن والتشكيل والحياة والألوان وموسيقاها ولغتها ومعانيها، مقترباً من عالم مدرّس بما فيه من مواقف إنسانية وفنية وحياتية مميزة، جعلت منه مدرسة ذات خصوصية وتميّز وفرادة.
وبإنتاج محمد أحمد السويدي، يقدّم المخرج محمد ملص الفيلم الوثائقي «حلب... مقامات المسرّة» (52 دقيقة، 1998)، الذي رصده للمنشد السوري الحلبي الشهير صبري مدلّل، الذي عُرف بتجربته الموسيقية الغنائية الفريدة، بخاصة في مدينة حلب (شمال سورية) التي حظيت بمكانة متميزة في فنون الغناء والموشّح والأداء الصوتي والموسيقى (القدود الحلبية). بعد أحاديث تمهيدية لكل من الممثل عمر حجو، والملحن محمد رجب، يذهب المخرج في حوار مع المنشد، فيجولان في الذاكرة ومحطات الحياة وسيرة العلاقة الفريدة ما بين مدلّل والأداء العذب، بدءاً من رفع الأذان إلى الأناشيد وصولاً إلى الغناء والموشحات.
ما بين التحية لمدينة حلب، التي سيعود إليها ملص في فيلمه الروائي «باب المقام»، والتكريم للفن والفنانين وبخاصة في مجال الغناء، يبقى فيلم «حلب... مقامات المسرّة» وثيقة سمعية بصرية يمكن العودة إليها في كل وقت للإطلالة على العالم الإنشادي والغنائي البديع الذي حققه المنشد صبري مدلّل (1918 – 2006)، على مدى عقود، وبات جزءا أساسياً في تراث حلب الغنائي، وجوهر الفن الأصيل.
 في «فوق الرمل تحت الشمس» (34 دقيقة، 1998)، يعود محمد ملص مرة أخرى إلى صناعة الفيلم الوثائقي، بالتعاون مع المخرجة السورية هالة العبدالله. «فوق الرمل تحت الشمس»، الذي حُقّق بمناسبة الذكرى الخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1998)، بقي فيلماً محدود المشاهدة، خاصة في سورية، إلى درجة تداوله على هيئة منشور سينمائي سرّي، وهو يتناول واقع معتقلي الرأي في سورية، ومعاناتهم وأهاليهم بسبب التغييب القسري، خلف قضبان الاعتقال السياسي. حكايات مريرة يتناوب على قولها بعض من خاضوا هذه التجربة القاسية، وفي مقدّمتهم غسان جباعي وعلي كردي، في صياغات سينمائية تنفر من الواقعية، وتقترب من الشاعرية، على رغم المأساة الطافحة التي ينثرها الفيلم في وجوه مشاهديه.
وتبقى تجربة الفيلم الروائي الطويل الثالث لمحمد ملص، الذي جاء بعنوان «باب المقام» (100 دقيقة، 2005)، ذات خصوصية على المستوى التقني لتصويره بكاميرا ديجيتال، وعلى المستوى الإنتاجي لتحقيقه بعيداً عن «المؤسسة العامة للسينما» في سورية، وعلى المستوى الفني لميله إلى السينما المستقلة، وعلى مستوى المضمون لمقاربته الراهن السوري، في بادرة سينمائية سورية نادرة. «باب المقام»، الذي استعان بكتابة السيناريو مع الروائي المتميز خالد خليفة، أرهقته النمذجة والتنميط، على رغم نباهة الفكرة، وحُسن التقاطها، والسعي إلى توظيفها، على صدى قرع طبول الحرب الأمريكية على العراق، في ربيع العام 2003، وخلفية انتخابات مجلس الشعب السوري، في وقت موازٍ.
وُوجه «المهد» (120 دقيقة، 2007)، الفيلم الروائي الطويل الذي أُريد منه أن يكون ملحمة تاريخية، بقرار الاغتيال قبل الوصول إلى شاشات العرض. أراد المنتج الإماراتي، مُمثلاً بـ«شركة الريف»، من هذا الفيلم أن يكون خطاباً ورسالة تحمل التقدير والاعتبار للأجداد الأوائل، وإعادة إحياء سيرتهم، سينمائياً، عبر فيلم من طراز الإنتاجات الضخمة، كما أراد فيلماً يحمل رسالة ذات مغزى لراهن الأمة العربية وواقعها، فأخطأ الفيلم الهدف مرتين. وأراد ملص، مستعيناً بسيناريو كتبه رياض نعسان آغا، إنجاز فيلم تاريخي، يحمل إسقاطات راهنة، فلم ينجح. وبين هذا وذاك كان قرار المنتج إعدام الفيلم.

وبمناسبة اليوم العالمي للطفولة، وضمن مشروع فيلمي طموح، أُنجز في إطاره 7 أفلام موجّهة للأطفال، بتوقيع مجموعة من أشهر المخرجين العرب: التونسي نوري بوزيد، واللبناني برهان علوية، والمصري أسامة فوزي، والجزائري أحمد راشدي، والمغربي محمد إسماعيل، والفلسطيني إيزودور مسلم، كانت مشاركة محمد ملص من خلال فيلم «محارم» (27 دقيقة، 2008). في «محارم»، الروائي الوثائقي القصير، لم يفارق ملص الإطار العام لسينماه، على مستويي الشكل والمضمون، إذ حافظ على الحديث عن الجولان، والفقراء، والأطفال، والقهر، والمعاناة، والأحلام... وهي العناوين الحاضرة بدأب في سينما محمد ملص.
في «سلّم إلى دمشق» (97 دقيقة، 2013)، التجربة السينمائية الأحدث للمخرج محمد ملص، التي تعاون فيها مع السيناريست سامر محمد إسماعيل، تتكثّف الخلاصة السينمائية التي أرادها ملص. عودة إلى تناول الراهن، منظوراً إليه من خلال رؤية ملص للأحداث، وموقفه منها، وعبوراً لأفلامه جميعها، في استعانات مشهدية وبصرية واضحة، تعيدنا إلى غير فيلم حققه محمد ملص، من قبل.
على إيقاع ما يدور في سوريا الآن، يلتقط ملص شخصياته، من شباب وصبايا، ويضعهم في بيت واحد، واضح الدلالة، عليه أن يقبلهم ويضمّهم جميعاً، على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم وأهوائهم وهواياتهم، كما على اختلاف مرجعياتهم ومصائرهم وأقدارهم. تدور الحرب على حافة البيت، الذي نعيش جلّ الفيلم فيه، متنقلين ما بين غرفه، والمقيمين فيه. تتصادى الحرب في الأسماع، دون أن نراها. حرب نعيشها، وتتهدّد مصائرنا جميعاً، والكارثة بالانتظار.
لم يصنع محمد ملص أفلاماً سياسية، على رغم أن أحاديث السياسة عابقة في أفلامه، ولم يصنع أفلاماً حربية، على رغم أن أفلامه كافة، ترنّ على إيقاع الحروب، وتتقرّر مصائر شخصياته، وتتقلّى على نيرانها. بين هذه وتلك، شاء المخرج محمد ملص الانحياز إلى حكايات الناس العاديين، متكئاً على حكايته الشخصية، ورؤيته الذاتية، ومنطلقاً منها، في سبيل إعادة صوغ الحكايات اليومية، والمصائر التراجيدية، لبشر مأخوذين من عمق الواقع الشعبي السوري، وتقديمهم في نصوص سينمائية، تتألّق هنا، وتخبو هناك، صنعت بمجموعها علامة فارقة في السينما السورية والعربية اسمها محمد ملص.

قد ينال إعجابكم

متابعات

العرب في قلب "إدفا"

تنوعت موضوعات الأفلام المشاركة في مهرجان "إدفا" بين الربيع العربي، والحرب السورية، وداعش، واللاجئين، والقضية الفلسطينية...
أخبار

سينما من أجل التنمية

على هامش مهرجان "كام" السينمائي الدولي،بمصر، عقدت ندوة بعنوان "سينما من أجل التنمية"، تناولت كيفية استخدام السينما في...