بورتريه

"ناصر الخمير" .. السينما في لوحات

المخرج التونسي "ناصر الخمير"

يمنى طاهر

حين قدِم الجمهور إلى مسرح شايلوه الوطني بفرنسا عام 1982 للاستماع لهذا التونسي القادم من المشرق كي يروي لهم حكايات ألف ليلة وليلة، لساعات متواصلة وهو يغزل من خياله بلغة ممتعة وشيقة، لم يُدركوا أن في جعبة هذا الحكّاء، الذي يعرف جيدا كيف تُروى القصص، أفلاما استثنائية ستخرج إلى النور بعد سنوات قليلة لتعيد رسم التراث العربي القديم على شاشة السينما.

ناصر الخمير هو مخرج تونسي، فنان تشكيلي، ونحّات. مهتم بشكل خاص بالتصوّف والتراث العربي والإسلامي. لأفلامه جمالية خاصة، على مستوى البناء الحكائي واللغة البصرية المتفردة.

قام بعمل ثلاثية أفلام روائية: "الهائمون", "طوق الحمامة المفقود"، "بابا عزيز" .. يستحضر فيهم التاريخ وسحر الأساطير والموروثات الشعبية، يقدمها برؤية خاصة للواقع، تنظر لروح الحضارة العربية القديمة والدين، عابرا فوق خلاف التشريعات والمذاهب، طارحا الصوفية كطريقة للمس المطلق والشعور بالجمال.

يتبنى ناصر الخمير تيمات رئيسية في كل أعماله، وينطلق منها نحو فضاءات للمعنى لا حدود لها. منها  "الصحراء"، "السر"، "البحث" و "الأساطير".

الصحراء: عنها يقول "إحساسي أن الصحراء هي اللغة" .. ولدى الطوارق مثل يقول "ثمّة بلاد ملآى بالماء لراحة الجسد، وثمة بلاد ملآى بالرمال لراحة الروح". يستخدم الخمير الصحراء كتيمة أساسية في أعماله الروائية، يرمز بها أحيانا للرحلة والطريق كما في فيلم "بابا عزيز"، وأحيانا كمستودع للأسرار ومحاولة اكتشاف الحب كما في فيلم "طوق الحمامة المفقود" أو كرمز للتيه وفقدان الهوية والجذور بمزيد من اللهاث وراء السراب ثم التلاشي في الأفق كما في فيلم "الهائمون".

الصحراء في أفلامه هي الكون، والإنسان هو النقطة التي ما إن تظهر حتى تتلاشى، مسرح الحكايات ومستودعها.

الأساطير: منها يستمد خيوط أفلامه، مسقطا إياها على الواقع من طرف خفيّ. أسطورة جنيّ البئر الذي يكلمه "حسين" الحفيد في فيلم الهائمون، ويطلب من الصغير أن يقوم بتكسير كل المرايا الثمينة التي يحتفظ بها الكبار في القرية. وحين يطيعه حسين ويكسرها كلها يخرج له الجنيّ، يطلب حسين مساعدته في إنقاذ جدّته من الموت، لكنه يخبره أن الموت إذا جاء ليس ثمة من يقدر على إيقافه ولا حتى الجن. الماضي الذي يجب أن يظل ماضيا، لا يُعلّق كمرايا حاجبا المستقبل الذي لا يأتي من تلقاء نفسه.

لقطة من فيلم "طوق الحمامة المفقود"

أسطورة أميرة سمرقند التي وجد "حسن" إشارة عن وجودها في صفحة أنقذها من كتاب يحترق .. "الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد .." ليخرج كالمجنون باحثا عن الأميرة، التي لا هي ذكر ولا هي أنثى، رمز الحب الذي يتماسّ مع المطلق فتضيق الحياة عن احتوائه، ليبقى ألم الفقد دافعا لمزيد من البحث عن نهاية تطيب بها الروح ولا تأتي أبدا.

حكاية الأمير السابح في روحه من فيلم "بابا عزيز". اللوحة الكلاسيكية الشهيرة التي تُجسِّد رحلة الإنسان للبحث عما يملأ فراغ وجوده، حين يكون بركة مشوشة فلا يرى شيئا، ليأتي الرحيل والصمت والعزلة، باعثا الهدوء الأبدي في الماء، فتتجلّى صورة الذات نقية، كانعكاس واضح لله المتجلِّي في البشر.

"السر": ثمة سر يجب أن يبقى مخفيّا في أفلام ناصر الخمير، تاركا الأفق مفتوحا لمزيد من الاحتمالات، عابرا فوق اليوميّ الذي يحجب رؤية الأشياء على حقيقتها أحيانا. ومُغذِّيا الحكاية بمزيد من الغموض الساحر.

في فيلم "الهائمون" لا نعرف أبدا ما السبب الذي يدفع الشباب في سن معين لهجرة القرية، ولا نعرف عن ماذا تحديدا يهيمون بحثا. يمرّون كل عام في موعد محدد، في لقطة واسعة وبعيدة للصحراء، محاطون بالضباب وخيالات الغبار الناعم، شاحبون كخيال، يرتفع صوتهم بأهازيج حزينة بلغة غير واضحة ولا مفهومة. وحولهم يدور المعنى.

في فيلم "طوق الحمامة المفقود" بالكاد يمكننا معرفة أميرة سمرقند، التي لا يظهر وجهها (الذي لا هو ذكر ولا أنثى) إلا في لقطات مكثفة وعابرة، هويتها غائبة، لا تتحدث إلا بإشارات غير مفهومة، تماما كأميرة تخرج من الحكايات دون أن تبوح بقولها، وتمضي دون أن نعرف، تاركة خلفها حسن العاشق يلهث محاولا معرفتها والاقتراب من خيالها الجميل.

لقطة من فيلم "بابا عزيز"

أما في فيلم "بابا عزيز" فتبدو الحكاية أكثر تماسكا في بنائها الخارجي، مترامية في داخلها. الجدّ يصحب حفيدته في رحلة بصحراء إيران الشاسعة، لحضور مهرجان إنشاد صوفي، يأتي إليه الدراويش من كل مكان. لا نعرف ما الذي سيحدث أو من أين أتى الجد وحفيدته "عشتار" التي يخرج وجهها الجميل بعينيها المكحولتين اليقظتين من بين الرمال في أول مشهد يطالعنا، لا نعرف كيف يقطعان الصحراء مشيا على الأقدام دون طعام أو ماء، تتماسّ الحكاية مع المقولة الصوفية "الطريق هو الوصول" حيث يتحول الطريق من مجرد معبر إلى مقصود لذاته. وحين تسأل الصغيرة عن طريقة الوصول دون معرفة الاتجاه يجيبها الجد "الطريق سيجدنا".

السر مخبوء في كل حكاية يقابلونها في طريقهم. الرجل الذي ألقى نفسه في البئر وكاد أن يموت لولا أن أمسك به الدراويش في اللحظة الأخيرة. وهو يحكي محموما عن عالم سريّ داخل البئر يريد الوصول إليه. والأمير الذي ترك كل شيء وراءه بحثا عما لا نعرفه. كل التفاصيل مخفيّة، وكأن شخوص أفلامه تخرج في فقاعات ضبابية لا تلبث أن تختفي قبل الإحاطة بكل ما فيها.

**

عالم ناصر الخمير ثري، ممتلئ بالرموز التي تحيل لما وراءها من معنى. ترتكز لغته السينمائية على حبكات متعددة ونهايات مفتوحة، ليس ثمة قصة واضحة لها بداية، عقدة ونهاية. بل حكايات رمزية أشبه بتجلّ بصري عميق لمعانٍ فلسفية مجردة، تبعث فيها الصورة الحياة. معرفته بالفن التشكيلي والنحت مكنّته من تطويع الكاميرا جيدا، ليأتي كل مشهد مُحمّل بلقطات جميلة كأن كلا منها لوحة مستقلة بذاتها. الألوان والملابس والديكور، الالتصاق بالأصفر لون الصحراء وجفافها وسرّها الذي لا ينجلي، والأزرق في الملابس إشارات للبحر والفيضان الداخلي للذات.

يعتمد في كتابته للسيناريو على جمل أدبية قصيرة ومكثفة لفظيا: في فيلم "طوق الحمامة المفقود" يتحدث الشيخ إلى تلميذه قائلا: "يا حسن، الخط إيقاع المطلق، هو الصلة بين العالم الظاهر والعالم الباطن، الحرف هو صَلاتنا يا حسن، بهذا وحده يصير الخطاط شاهدا على البهاء الإلهي."

وقبل سفره الطويل حين يهديه لوحة قديمة ورثها من شيخه، عليها حرف الواو، يحدثه عن جمالية هذا الحرف: "الواو يا حسن هو الحرف الوحيد المُتضمِّن لمعناه، فريد ومتعدد على صورة المصور، حرفٌ مسافر."

**

ولد ناصر الخمير عام 1948 في مدينة جربة. حصل على منحة من اليونسكو لدراسة السينما في فرنسا. مُقلّ في إنتاجه السينمائي حيث يُفضّل الاهتمام بجودة وتفرُّد العمل السينمائي غير عابئ بقوانين السوق وأحكامه. فمثلا اضطر للانتظار عدة سنوات ما بين عام 1992 حين أنهى سيناريو فيلمه "بابا عزيز" وعام 2005 حين استطاع أخيرا إنتاج الفيلم، لصعوبة الحصول على تمويل لهذه النوعية الخاصة من الأفلام. إلى جانب نشاطه السينمائي هو أيضا مسرحي وكاتب وشاعر ورسام ونحات، درس العمارة والفلسفة والتاريخ والفنون التشكيلية. له عدة مؤلفات منها "الشمس المحبوسة"، "القصاصين"، ''الغيمة العاشقة''، وغيرها. حازت أفلامه على اهتمام النقاد وعدة جوائز عالمية، كما عُرضت لوحاته في معارض خاصة بتونس وإسبانيا وإيطاليا وفرنسا.

أميرة سمرقند

 

قد ينال إعجابكم