بورتريه

نور الشريف.. نجم بحجم جيل كامل

أسامة صفار

نور الشريف لم يترك منذ طفولته لحظة واحدة من أعوامه الـ74 إلا وتعلم خلالها من دروس الحياة والفن

"الموهبة فرس جامح إذا استطعت أن تسيطر عليه وتقوده فإنك قد تحولت إلى نور الشريف، وإن لم تستطع فأنت أحمد زكي". هكذا يقال دائما في ساحة النقد السينمائي، حيث يبقى أحمد زكي نموذجا للموهبة الخام الثرية الكريمة التي قادت صاحبها إلى النجاح، لكنها قضت عليه في حياته الشخصية تقريبا. بينما استطاع نور الشريف بحجم الموهبة المحدود مقارنة بأحمد زكي (طبقا لاعتراف نور نفسه) أن يحقق نجاحات تعادل جيلا بأكمله من النجوم.

ورغم رحيله عن عمر ناهز 74 عاما عام 2014، فإن نور الشريف يبدو كما لو كان وحشا التهم ألف عام من الزمن عاشها بين جنبات الأستوديوهات وصفحات الكتب وشاشات السينما والتلفزيون وخشبة المسرح. وبين الحين والآخر وحين تُعرض أعماله على الشاشة الصغيرة يحتاج المشاهد للتركيز قليلا حتى يتأكد أن الرجل رحل عن عالمنا بالفعل، لأن ثمة حضورا أقوى من النسيان بالإبداع والبصمة الفنية والإنسانية.

لم يترك نور الشريف منذ طفولته لحظة واحدة من أعوامه الـ74 إلا وتعلم خلالها من دروس الحياة والفن، ووجد الفرصة دائما لتطبيق ما تعلم، لكن الدرس الأهم والأكثر محورية في حياته جاء مع البدايات المرتبكة لرحلة النجومية التي طالت، حتى بلغت ما يقارب 45 عاما.

 

 

نور.. من الفقر إلى الطاووسية

نشأ جابر محمد عبد الله المعروف بـ"نور الشريف" في حي السيدة زينب الشعبي في القاهرة. كان طفلا يتيما مات والده وعمره عام واحد، فتزوجت والدته وهو لم يغفر لها أبدا، واندفع بكل مشاعره إلى القراءة التي كانت رفيقا دائما، وحين أنهى مراحل التعليم الأولى التحق بكلية التجارة في جامعة القاهرة، لكنه لم يستطع التخلي عن حلم الفن، فانتقل إلى معهد الفنون المسرحية بأكاديمية الفنون في مصر ليكون الأول على الدفعة حتى التخرج.

وأثناء الدراسة اكتشفه الفنان سعد أردش فأسند إليه دورا صغيرا في مسرحية "الشوارع الخلفية"، ثم اختاره المخرج كمال عيد ليمثل في مسرحية روميو وجولييت، وأثناء بروفات المسرحية تعرف على عادل إمام الذي قدمه بدوره للمخرج حسن الإمام ليظهر في فيلم "قصر الشوق"، ويحقق نجاحا يلقي بالشاب الصغير الفقير إلى عالم النجومية، فقد كان نموذجا مطلوبا في أدوار كثيرة وأعمال متعددة ولا بديل له، فلم يكن قد ظهر بعد نجوم أمثال محمود ياسين أو حسين فهمي.

حقق نور حلمه الأول بشراء سيارة فخمة، واجتمع حوله أصدقاء السوء ودفعوا به إلى حالة طاووسية زينت له طريق السقوط فانطلق يبحث عما حرمه الفقر منه، وتصادفت أن كانت هزيمة 1967 حيث توقف الإنتاج السينمائي في مصر بشكل شبه تام، فانطلق نور إلى بيروت ودمشق بحثا عن الإنتاج لكنه عاش في دائرة من أصدقاء السوء الذين أهدروا وقته وماله، فكان يوقع عقد الفيلم فقط من أجل تقاضي المال ثم يهرب باحثا عن عقد آخر.

وكان نور قد ارتبط بالممثلة الجديدة في ذلك الوقت "بوسي" التي لاحظت ذلك التغير الحاد فرفضت الاستمرار، وهكذا خسر نور "سمعته" كممثل وخسر "رفيقته" التي كان يحلم بالزواج منها، واشتهر نور بالهروب عقب توقيع العقود فانصرف الجميع عنه سواء في دمشق وبيروت أو القاهرة.

نور الشريف خسر "سمعته" كممثل وخسر "رفيقته" بوسي التي كان يحلم بالزواج منها

إفاقة مبكرة.. وخطوة إلى الخلف

عاد الممثل الشاب ومشروع النجم السابق إلى مصر ليكتشف واقعه الجديد، فكان أمام أحد خيارين؛ إما الخضوع لتوازنات جديدة في ظّل ظهور نجوم جدد مثل محمود ياسين وحسين فهمي اللذين تجاوزاه في النجومية وأصبح أي منهما يسبقه في الترتيب على تتر المسلسل أو أفيش الفيلم، أو أن يجلس في بيته انتظارا لمن يمنحه نجومية ذهبت إلى غير رجعة، وكان الخيار الثاني يعني ببساطة الجلوس في البيت إلى الأبد.

أدرك نور واقعه وقرر سريعا أن يتراجع خطوة للخلف، واضطر لقبول أدوار ثانية وترتيب ثان على أفيشات الأفلام، لكنه استعاد مكانته بسرعة مدهشة خاصة بعد أن قدم دوره في فيلم "السراب" عام 1970، والذي أخرجه أنور الشناوي عن رواية بالاسم نفسه للكاتب والروائي نجيب محفوظ وسيناريو علي الزرقاني.

وقدم نور دور الشاب الثري "كامل الشناوي" الذي يتزوج من رباب (ماجدة) ويكتشف بعد الزواج أنه عاجز جنسيًا، فيلجأ إلى طبيب من أجل علاجه، ويتضح للطبيب أن كامل شاب خجول ومنطو يعيش مع أمه بعد أن انفصلت عن والده وبذلك يلتصق بها التصاقًا كاملًا، ويرتبط الجنس بنمط معين لا يستطيع الخروج عنه رغم محاولاته الدائمة، ويتعرف الطبيب على الزوجة ويطلب منها أن تساعده في علاج زوجها.

وكان نور الشريف يدرك حجم المخاطرة في القبول بالقيام بمثل هذا الدور في مجتمع شرقي، خاصة بعد أن رفض أكثر من نجم القيام به، لكن النجاح الذي حققه جعل من عودته إلى مكانته السابقة واقعا جديدا انطلق من خلاله في عالم السينما والمسرح والتلفزيون، لينجز أكثر من 180 فيلما اعتُبرت سبعة منها من ضمن أفضل مئة فيلم في تاريخ السينما المصرية، وذلك طبقا لموسوعة احتفالية مئوية السينما عام 1997. ولا يمكن تجاهل بصمته الدرامية على الشاشة الصغيرة التي عرضت له نحو 38 مسلسلا عبر مشواره، فضلا عن ست مسرحيات ومسلسلين إذاعيين.

بصمات نور الشريف في الدراما التلفزيونية لا تقل عن تلك التي في السينما وإن بقيت السينما أطول عمرا

محطات مميزة.. ما بين السينما والتلفاز

لا تعد المحطات السينمائية لنور الشريف مجرد أفلام ناجحة فقط، لكنها استطاعت في حقيقة الأمر أن تشكل وجدان جيل كامل أصبح يمتّ بصلة قرابة على المستوى النفسي لشخوص نور الشريف بدءا من "فهمي" في قصر الشوق، ومرورا بـ"كمال" في فيلم العار مع المخرج علي عبد الخالق، و"إبراهيم" في فيلم حبيبي دائما، وسائق الأوتوبيس الذي يشهد انحدار المنظومة القيمية، وانهيار مصر التي يعرفها لصالح مصر أخرى يشعر بالغربة فيها في فيلم سوّاق الأوتوبيس، وأيضا شخصية حاتم زهران في الفيلم الشهير "زمن حاتم زهران"، والذي قدم من خلاله المخرج محمد النجار للمرة الأولى.

ولا تقل بصمات نور الشريف في الدراما التلفزيونية عن تلك التي في السينما وإن بقيت السينما أطول عمرا، لكن مسلسلات "عمر بن عبد العزيز" و"هارون الرشيد" و"الرجل الآخر" و"الدالي" و"الحاج متولي" وغيرها أصبحت علامة مميزة للدراما التلفزيونية المصرية.

وبعيدا عن المسلسلات التاريخية فإن اختيارات نور الشريف كانت شديدة الالتصاق بالواقع الاجتماعي، للدرجة التي جعلت من نماذج أبطاله وعبقرية التجسيد سبيلا لوجودها معنويا بين أفراد المجتمع، والاستعانة بمقولاتها في المسلسلات، وإسقاطها على الواقع الاجتماعي لحل الأزمات كأنها تقدم استشارات مجانية.

ومع أن نور الشريف درس في معهد الفنون المسرحية وتم تعيينه معيدا (استقال فيما بعد)، إلا أن روح الأكاديمي لم تفارقه في أعماله، وحين شرع في الإنتاج السينمائي كانت خطوته الأولى هي الدراسة الحقيقية المتعمقة لكل ما يتعلق بالعملية الإنتاجية، لذلك كان المنتج نور الشريف ينافس الممثل في نجاحه وذكاء اختياراته.

 

ناجي العلي.. الأزمة الأشد في حياة نور

لم يكن الممثل والمنتج والمخرج نور الشريف مجرد فنان منعزل عن واقعه، بل على العكس من ذلك كان متفاعلا مع الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي، وكان صاحب توجه قومي عروبي يعتبر القضية الفلسطينية هي القضية المركزية العربية، لذلك لم يكن غريبا أن يقع اختياره على فنان الكاريكاتير الفلسطيني "ناجي العلي" ليجسد قصة حياته ومواقفه السياسية المقاومة التي أدت إلى اغتياله، وحصل نور الذي ساهم في إنتاج الفيلم على الموافقات اللازمة، وتم بالفعل تصوير الفيلم على مدى عام كامل غامر خلاله نور بكل ما يملك من أموال، وفي المقابل اختار الكاتب الراحل سعد الدين وهبة الفيلم ليُعرض في افتتاح مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1991.

وناجي العلي هو رسام كاريكاتير فلسطيني وُلد في قرية الشجرة عام 1937، وهاجر مع أهله إلى جنوب لبنان بعد احتلال إسرائيل لفلسطين، وعاش في مخيم عين الحلوة.

مرارة الاحتلال وطفولة المخيمات ألحّت على ريشته أن ترسم ذلك الواقع الذي رآه، إلى أن نشر له الأديب الفلسطيني غسان كنفاني أولى لوحاته في مجلة الحرية عام 1961، وكان رسم العلي لاذعًا مُرًا بقدر مرارة الواقع الذي رآه، واشتهرت رسوماته بشخصية "حنظلة" الفتى الفلسطيني البالغ من العمر عشرة أعوام، والواقف بظهره عاقدًا يديه خلفه، وأصبح بمثابة توقيع له على كل رسوماته.

وكان الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات قد أبدى انزعاجه لرئيس مصر حينها حسني مبارك من الفيلم، وخشي من مهاجمته شخصيا من خلاله، خاصة أن ناجي العلي كرسام كاريكاتير سياسي كان له رأي يعبر عنه ضد معاهدة السلام وضد منظمة التحرير الفلسطينية وضد عرفات أيضا، وكتب البعض حين اغتيل ناجي أن عرفات هو من أمر بتصفيته، وقام مبارك بتكليف أسامة الباز مستشاره السياسي بمشاهدة العمل، وأكد الباز أن الفيلم ليس فيه ما يُسيء إلى أحد.

كانت أزمة ناجي العلي هي الأسوأ والأشد في حياة نور الشريف، لكنه استطاع تجاوزها بعد أن تدخلت أصوات عاقلة ووطنية في الأمر، وصمتَ الزاعقون حول الفيلم.

التجربة الثانية لنور الشريف مع عاطف الطيب كانت فيلم "سوّاق الأوتوبيس"

أفلام بارزة.. ووجوه جديدة لامعة

ومن ضمن محطاته السينمائية المهمة فيلم "الطاووس" الذي قدمه نور عام 1982 للمخرج كمال الشيخ، ويؤدي فيه دور رجل يحاول تدبير جريمة قتل لزوجته بسبب وقوعه في غرام أختها. أما فيلم حدوته مصرية للمخرج يوسف شاهين فقدمه نور في العام نفسه، حيث يؤدي دور مخرج يقيم محاكمة لنفسه وعائلته داخل "قفصه الصدري" أثناء قيامه بعمليه قلب مفتوح.

أما فيلم "العار" للمخرج علي عبد الخالق والذي قدمه نور عام 1982، فيعد واحدا من كلاسيكيات السينما المصرية ومن أكثر أفلامها نجاحا وجماهيرية، ويرصد العلاقة بين ثلاثة إخوة بعد موت أبيهم واكتشاف اثنين منهم أنه كان تاجر مخدرات.

وفي العام السابق لذلك كان نور قد قدم فيلم "أهل القمة" عام 1981 للمخرج علي بدرخان، ويعد أحد أفضل الأفلام التي قدمتها السينما المصرية عن الانفتاح الاقتصادي، وذلك عن قصة لنجيب محفوظ بشأن المجرم واللص الصغير الذي تسمح له التغيّرات الاقتصادية أن يصبح تائبا غنيا.

ويعد فيلم "البحث عن سيد مرزوق" للمخرج داود عبد السيد والذي قدم عام 1990 واحدا من الأفلام التي انطلقت تبحث عن إجابات للأسئلة المطلقة في حياة البشر، وهو من نوعية دراما الليلة الواحدة، فهو يحكي قصة الموظف الذي يخرج من بيته يوم الإجازة فتتغيّر حياته إلى الأبد.

ويأتي فيلم "ليلة ساخنة" للمخرج عاطف الطيب عام 1995 ليدور في ليلة واحدة أخرى في القاهرة لكن بصورة واقعية هذه المرة، حيث يحكي الفيلم عن لقاء بين سائق تاكسي (نور الشريف) وفتاة ليل تائبة، يتورط معها في البحث عن الأشخاص الذين قاموا بضربها وسرقتها، وخلال رحلة ساعات في ليل القاهرة تتغيّر حياتهما.

والتجربة الثانية لنور الشريف مع المخرج الكبير داود عبد السيد كانت من خلال فيلم "الصعاليك"، أما التجربة الثانية مع عاطف الطيب فكانت "سوّاق الأوتوبيس"، وقدم نور أيضا مع المخرج الراحل "محمد خان" فيلمه الأول "ضربة شمس".

ويعد المخرجون الثلاثة عبد السيد والطيب وخان بالإضافة إلى المخرجين محمد النجار وسمير سيف "مخرج فيلم دائرة الانتقام"؛ هم من اكتشف نور الشريف، وهو المنتج الذي بادر بتقديمهم للسينما المصرية.

وكان نور يعتبر أن له دورا يتعلق بالصناعة التي ينتمي إليها؛ وهي صناعة السينما، إذ قدم بالإضافة لهؤلاء المخرجين عددا من كتاب السيناريو أمثال عبد الرحيم كمال وإبراهيم الموجي، كما قدم العديد من الوجوه الجديدة التي لمعت على الشاشتين الكبيرة والصغيرة.

قد ينال إعجابكم