بورتريه

"هيتشكوك: حياة قصيرة"

هيتشكوك
 
محمد رُضــا
 
ليس هناك من إحصاء فعلي عن عدد الكتب التي صدرت عن المخرج البريطاني "ألفرد هيتشكوك" وأفلامه، فهي بالمئات إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أكثر من 100 كتاب صدر بالإنكليزية ونحو ذلك من الكتب التي صدرت بالإيطالية والفرنسية والألمانية مجتمعة، وهذا من دون أن نحسب في دول أخرى عديدة حول العالم مثل فنلندا والبرتغال وروسيا والأرجنتين والهند وغيرها.
 
بعد حين، لم يعد مهمّـاً في نظر كثيرين أن الكتب التي صدرت عنه منذ خمسينات القرن الماضي وإلى اليوم، تداولت كل ما يمكن تداوله من طروحات. تناولت شخصيته المتشابكة ذات العقل اللامع والنفس الداكنة. تناولت علاقته مع النقاد وقسم منها تناول علاقته المهنية مع السينمائين. من أحبّه ومن كرهه ولماذا. طرحت ما إذا كان نقاد فرنسا على حق في اعتباره مخرجاً - مؤلفاً، وبحثوا في حياته الشخصية وحلّـقوا حول معاملته للممثلين وما إذا كان يعتبرهم "دمى" أو لا، ولماذا كانت تخلبه الممثلات الشقراوات ذوات العنق الطويل أكثر من سواهن.
 
في المقابل، كثير من هذه الكتب دارت حول أفلامه القديمة والحديثة. حول حرفته وأسلوب عمله وكيف كان يفكر ويصمم وينفذ. بحثوا في كل أفلامه عن تلك السمات والعناصر المتكررة من المتهم البريء، إلى معنى تلك السلالم التي يعشق الصعود أو الهبوط عليها، إلى تحليل نجاحه في تحويل المُشاهد إلى  مُتلصّص يشاركه وأبطاله التلصُّص على حياة الآخرين.
 
كل ذلك لا يمنع خروج كتب جديدة عن هيتشكوك بمعدل كتاب كل ثلاث أو أربع سنوات. آخرها هو الذي صدر في نيويورك عن دار دوبلداي بعنوان «ألفرد هيتشكوك: حياة قصيرة» Alfred Hitchcock‪:‬ A Brief Life للمؤلف بيتر أكرويد الذي سبق له وأن وضع بعض الكتب السابقة عن شخصيات أخرى يجمعها التاريخ ويُفرّقها الموضوع، فهو وضع كتب عن مدينة لندن، وأخرى عن المؤلف تشارلز ديكنز وثالثة عن مصر القديمة وفي العام 2008 وضع كتابه عن إدغار آلان بو ليتبعة بعد عام بكتاب عن مدينة فنيسيا.  هذا إلى جانب قرابة عشرين رواية وثلاثة كتب في الشعر ومقالات عديدة.
 
 
السؤال الأول الذي يطرحه المرء على نفسه حيال الكاتب، ما إذا كانت هذه الخلفية تقود حتمياً إلى طرح ألفرد هيتشكوك كأحد أعلام الفن السينمائي وأحد أكثر مخرجيه شهرة حول العالم. ثم هل كانت المسألة مسألة وقت قبل أن يضم أكرويد هيتشكوك إلى قائمة اهتماماته. أيضاً إذا ما كان قادراً على نبش جديد يتعلّـق بالمخرج الكبير وأفلامه.
 
الحقيقة هي أن الإجابات على هذه الأسئلة المحقّـة تكمن قبل كل شيء في شخصية المخرج قبل أن تكمن في شخصية الكاتب. بعد كل هذا العدد الهائل من الكتب حول الموضوع الهيتشكوكي (وكل الدراسات الموضوعة عن سينماه) يصبح نقد الكتاب (أي كتاب) جزء من ملكية السينمائي أكثر مما هو ملكية المؤلف. المعنى هنا هو أن الأسماء الكبيرة في فن السينما (مثل فيلليني وفيسكونتي وكوروساوا وبونويل وفرنسيس فورد كوبولا وهيتشكوك بالطبع) تفرض على الكاتب الجانب الذي يختاره من الاهتمام. لا يمكن مثلاً الكتابة عن كوبولا وعلاقته بالسينما الفرنسية لأنها ليست موجودة ولا عن فيسكونتي بالمقارنة مع الهندي ساتياجيت راي لاختلاف اسلوب كل منهما. أو البحث في نقاط مشتركة بين لوي بونيل والأميركي جون فورد.
 
بالنسبة لهيتشكوك، فإن القواعد تبقى هي ذاتها: النشأة الكاثوليكية. الحادثة التي وقعت له حين كان صغيراً (اقتاده والده إلى قسم البوليس وتظاهر بأنه يريد إيداعه السجن)، ميله لسينما التشويق سواء أكانت بوليسية أو جاسوسية أو رعب واختلافها، مهما كانت، عن السينمات الموازية لها من تحقيق آخرين، وسوى ذلك من شؤون حفلت بها أفلام هيتشكوك منذ تلك الصامتة وازدادت إلحاحاً على ذهن المتلقّين والهواة الجادين في الأربعينات وما بعدها وما زالت.
 
كتاب بيتر أكرويد عليه أن يتعامل مع كل تلك الطروحات والسمات التي طرحها من قبله العديد من المؤلفين. لا يجد جديداً يتحدث فيه أو يتخذه منبراً مميزاً لخطابه. لكنه يعيد طرح أمور معتادة بنظرة عميقة هنا وأقل عمقاً هناك. في حديثه عن «نافذة خلفية» Rear Window يتيح لنفسه استنتاجات مهمّـة تثير النقاش، لكنه حين يتحدث عن «مشين» Notorious فإن أكرويد ليس لديه الكثير مما يريد قوله فيه.
 
لقطة من فيلم "النافذة الخلفية"
 
ما يثير النقاش في أكثر من صفحات الكتاب (267 صفحة كبيرة) توصل المؤلّـف إلى اعتبار أن هيتشكوك موجود في أكثر من فيلم عبر شخصيات أبطاله: هو جيمس ستيوارت في «نافذة خلفية» وغاري غرانت في «شمال، شمالي غرب» North By Northwest وربما هو في شخصية جيمس ستيوارت مرّة أخرى في «ڤرتيغو». هنا يقع المؤلف في افتراضات تشوب الكتابات النقدية عموماً هذه الأيام. ولنأخذ «نافذة خلفية» (1954) كمثال.
 
إنه من نافل القول، تبعاً لما توصل إليه النقاد منذ عقود، أن هذا الفيلم هو النموذج الكامل لمنهج هيتشكوك في وضع الكاميرا موضع عيني الشخصية الرئيسية ونقل ما يراه إلى عيون المشاهدين كونهم الآن يشاهدون ما يشاهده المصوّر المقعد جف (ستيوارت) وهو جالس على كرسيه ينظر إلى المنازل والشرفات الممتدة أمامه. إذ يجلس جف وبيده منظاره المكبر ينتقل بين الغرف المواجهة كما ينتقل مشاهدي التلفزيون بين المحطات. وهذا ما يقوده إلى اكتشاف جريمة قتل تقع في أحد المنازل المواجهة. هذا ليس بالضرورة هيتشكوك يحوّل نفسه إلى شخصية جيمس ستيوارت، لكنه ألفرد هيتشكوك يستخدم منهج التلصّص بنجاح كشرَك يوقع فيه مشاهديه فيحوّلهم إلى مستأثرين بالحبكة ومشاركين في الدافع لمعرفة ما الذي يحدث في الجانب الآخر من الحياة.
 
هي ذات التوليفة البارعة التي يفتتح بها فيلميه «سايكو»  (1960) حيث الكاميرا تهبط من السماء لتدخل من نافذة نصف مفتوحة لتشاهد ما يدور في غرفة فندق، وفي  Frenzy «جنون» (1972) عندما تهبط الكاميرا في مطلع الفيلم على حشد من الناس تستمع لخطاب. التفعيلة التي يجذب بها المشاهد في فيلم «سايكو» حتى من قبل مشهد الحمام الشهير عندما نرى عامل الفندق يزيح لوحة تخفي ثقباً في الجدار يشاهد منه بطلة الفيلم (جانيت لي) وهي تستعد لأخذ حمامها. ‫الواقع أن كل الفيلم، باستثناء المشهد الأخير منه، أشبه بنصل حاد يحمله مخرج يهدد حياة مشاهديه به.
 
المشهد الذي يرقب فيه الشرطي تلك المرأة التي تخشى أن يطلب منها الشرطي فتح حقيبتها المملوءة مالا مسروقاً. هنا اللحظات وتقطيع المشهد من وإلى ما يلعب على الوتر. المشهد الذي نرى فيه التحرِّي (مارتن بالسام) وهو يصعد السلّم لتبيان حقيقة ما ينتابه من شكوك، هذا قبل أن يهجم عليه القاتل ويطعنه. القطع السريع بين وجه التحري الهلوع وقدماه المتراخيتان تمنحان المُشاهد ما يكفي من الخوف على حياته هو. المشهد الذي تقوم فيها إيڤا ماري سانت بدخول الغرفة تحت الأرض باحثة عن أدلّة، واضعة نفسها في خطر محدق، لنكتشف أن الخطر هو ليس ما تتوقّعه بل ما ستكتشفه.‬
 
  
ليس أن كتاب «ألفرد هيتشكوك: حياة قصيرة» يخلو من سداد الرؤية أو من الحسنات، فيه نظرة جديرة بالاهتمام جداً عندما يربط المؤلف المكان بالزمان في أفلام هيتشكوك وفي سينماه عموماً. يلاحظ في هذا المجال كيف أن معظم أفلام هيتشكوك البريطانية كانت ذات أمكنة محصورة في حين أن معظم أفلامه الأميركية تخرج من المكان الواحد وتطرح مواضيع غير محددة. هذا جانب نظري يستحق الاهتمام ولو أن التعميم فيه سيصطدم بالاستثناءات («عميل سري»، «تخريب»، «مراسل أجنبي» من أفلامه البريطانية التي تعددت مواقعها). على ذلك، فإن القارئ الملم بسينما هيتشكوك يدرك أنه وصل إلى حيث يريد أن يكتفي ويعود إلى بعض الكتب السابقة ككتاب الناقد روبن وود «لحظة سايكو» وكتاب المخرج فرانسوا تروفو «هيتشكوك» وكتاب ستيفن دوكت «هيتشكوك في المقام» Hitchcock in Context.
 
يبقى أن العنوان نفسه ليس موفقاً: «ألفرد هيتشكوك: حياة قصيرة» فالمخرج ولد سنة 1899 ومات سنة 1980 أي أنه عاش 81 سنة ما يثير الغرابة في المقصود خصوصاً وأن الكتاب بعيد عن التطرق لحياة هيتشكوك من باب نبش الفضائح وكيل الاتهامات كما فعل دونالد سبوتو في كتابه الرخيص «الجانب الداكن من عبقري». أما الحديث عن هيتشكوك كشخصية متشابكة أو معقدة فإن تناول ذلك هو ما يأتي على نحو من يريد إثبات الصورة التي في البال على الصورة الحقيقية. صحيح أن هناك الكثير من الخصال والمؤثرات الحياتية التي صنعت المخرج، وظهرت أيضاً في عموم أعماله، لكن هذا هو حال العباقرة. وفي حياة هيتشكوك الصغير العديد من الأحداث التي تبرر هواجسه أو عقده.
 
ولد تحديداً يوم أحد في الثالث عشر من آب/ أغسطس سنة 1899 في ضاحية شرقي لندن اسمها ليتونستون. السنة ذاتها التي وُلد فيها كل من الممثلين همفري بوغارت، فرد أستير وجيمس كاغني.  وكان الطفل الثالث لعائلة كاثوليكية. والده وليام، كان صاحب دكان خضار  واسم والدته إيما واسم أخويه وليان ونيللي. والده توفى حين كان ألفرد في الخامسة عشر من العمر وهو كان كاثوليكيا متديّناً وضع ابنه في مدرسة كاثوليكية  متزمّتة تركت أثّرها في نشأة صبي خائف تحوم حول رأسه الشكوك وعقد الذنب من الخطأ والخطيئة والخوف من العقاب.  ذات مرّة كتب لصديقه رئيس نقطة البوليس في البلدة طالباً منه وضع هيتشكوك في القفص لخطأ إما كان صغيراً لا يستدعي العقوبة أو أن هيتشكوك كان بريئاً منه على أي حال. هيتشكوك لم ينس هذه الحادثة التي ارتكبت بحقّه وهو صغير ولا الشعور بالذنب. في أفلامه شكّل ذلك أحد أهم العناصر التي تتمحور حولها حبكاته وتعيشها شخصياته.
 
بعد وفاة والده، ترك ألفرد الدراسة الكاثوليكية ودخل معهداً لدراسة الهندسة الميكانيكية التي كان أبدى شغفاً بها منذ صباه، ثم اتجّه الى العمل في شركة للخطوط اللاسلكية، كما  دخل مدرسة بعد الدوام حيث ألمّ بالرسم والهندسة ما جعله يقترح على الشركة استخدامه في مجال تصميم الدعايات٠
 
 
عندما دخلت أوروبا الحرب العالمية الأولى في العام 1914 ‫تم طلب هيتشكوك للتجنيد لكنه أعفى  (لأسباب صحيّة إذ اعتبر بديناً لا يناسب الشروط الضرورية للخدمة). وفي أحد الأيام أغارت الطائرات على ضاحية ليتون حيث سقطت قنبلة قريباً من منزل العائلة. حين هرع هيتشكوك إلى البيت وجد والدته في حالة رعب لكن ما انطبع في بال هيتشكوك وذاكرته كان أكثر من حالة رعب. هيتشكوك استخدم ذكريات الحادثة في مطلع فيلمه الثاني عشر "جريمة" (1930)  والأهم أن العائلة سريعاً ما شكّلت لنفسها وجوداً في معظم أفلامه. وهي موجودة لسبب لم يكترث نقاد عديدون لتناوله أو فحصه. فصلابة العائلة في أفلامه قد تكون السبب الحائل ضد سقوط أفرادها في براثن الجريمة، أو إلى الذي قد يؤدي غيابها للانهيار الكامل٠‬
إلى ذلك، وجود العائلة في الفيلم ميّز أعمال هيتشكوك من الناحية الميلودرامية عن الأفلام البوليسية الأخرى. حتى في أفلامه التي حوت شخصية رئيسية لا عائلة بادية من حوله، كما الحال في «شمال، شمالي غرب» فإن سعيه للارتباط هو سعي عائلي إلى جانب أن من حوله لديهم ذلك الارتباط عادة. هذا وضع أساسي في أفلام كثيرة له منها ‬ Strangers  On a Train, Rebecca, Dial M For Murder, Rear Window وصولاً إلى فيلمه ما قبل الأخير "جنون" Frenzy 
 
هذا لا يعني أن أفلامه كانت أفلاماً عائلية أو أن الاهتمام بالعائلة كان مصدر إلهامها وعنصراً درامياً أوّل، لكنها كانت موجودة على نحو يشي بأهميّة دلالاتها. مسليّة وعميقة في آن معاً كما الحال في المشاهد التي تقع بين التحرّي  وزوجته في فيلم "نوبة جنون" أو تلك التي تكشف عن سعي غريس كيلي في «نافذة خلفية» للزواج من الرجل الذي تحب (ستيوارت) وبناء حياة زوجية سعيدة،  بينما يبدو مشغولاً عنها بمراقبة عائلة تتحطّم٠
 
مهما يكن من هذه المسألة، فإن فن هيتشكوك تكوّن من معطيات كثيرة بينها إدراكه باكراً أن الفيلم السينمائي له لغة خاصّة بين الفنون ليس من بينها الحوار إلا بقدر ما يحتاجه العمل حتى لا يأتي غريباً عن محيطه وواقعه. مفردات هيتشكوك، كما سنرى هنا، كانت مفاتيح سينمائية وبصرية خالصة. متى يستخدم مفردة مُعيّنة كان مرتبطاً بقدرته على صياغة حكاية بالاعتماد على صورها. وجزء من ذلك كان نابعاً من أنه عاصر السينما قبل أن تنطق، لكن الجزء الأهم كمن في تكوينه العبقري الخاص.
 

قد ينال إعجابكم