بورتريه

هيروكازو كور-إيدا .. مخرج العائلة

آية عبد الحكيم

المخرج الياباني هيروكازو كور-إيدا

عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، ونظراً للأوضاع الاستثنائية التي كانت تمر بها اليابان بعد الهزيمة، أُرسل قرابة النصف مليون جندي ياباني إلى معسكرات العمل القسرية في سيبيريا، ومن بينهم كان والد المخرج الياباني (هيروكازو كور-إيدا). لم يكن الأب قد تزوج أو أنجب بعد، لكنه حين عاد في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كانت روحه قد تغيرت بالكامل. لسنوات عديدة بعدها عانى الرجل وأسرته من تأثر نفسيته العميق بما حدث. خرجت زوجته للعمل طويلاً لأنه لم يستطع الحفاظ على عملٍ واحد لفترة طويلة، لكنها في أوقات بقائها في المنزل كانت تنهي أعمالها المنزلية –أو توقفها- لتجمع أسرتها حول شاشة التليفزيون لتعوّض غيابها بمشاركتهم متعة الدراما والسينما التي عشقتها وأورثت عشقها لابنها.

لظروف عائلته الاستثنائية أصبحت دراما العائلة قلبًا لأعمال (كور-إيدا). بعد فترة قصيرة قضاها في العمل في التليفزيون، ثم العمل على الأفلام الوثائقية، قدم أول أفلامه الدرامية الطويلة عام 1997 بعنوان Maborosi. كان محور الفيلم ليس فقط العائلة، لكن كذلك العامل الذي سيتكرر لاحقًا في أغلب أعماله: الفقد، بالموت أو الرحيل. يبدأ الفيلم بزوجين سعيدين في حياتهما البسيطة، لديهما رضيع، ودراجة يقودها الزوج وتلتصق به زوجته في سعادة بعد أن قاما سويًا بإعادة طلائها بلون أخضر مزهر. لكن الزوج يذهب للعمل يومًا ما، وفي نهاية اليوم يحمل شرطي إلى زوجته خبر وفاته تحت قضبان أحد القطارات. ستستمر حياة الزوجة وابنها بعدها، وستتزوج مرة أخرى، وستمضي الحياة هادئة بينها وبين زوجها الجديد الذي لم تكن تعرفه قبل أن تنتقل للعيش معه في قرية ساحلية بعيدة، لكن سؤالاً معلقًا بقي بداخلها: لماذا ألقى زوجها بنفسه أمام القطار؟ ما الذي يدفع شخصًا لإنهاء حياته فجأة دون سبب رغم استقرار حياته، وكيف يتخذ قراراً أنانيًا كهذا دون أن يفكر فيمن سيتركهم دونه؟

الأطفال الكبار

لظروف عائلته الاستثنائية أصبحت دراما العائلة قلبًا لأعمال (كور-إيدا).

إلى جانب إجادته تجسيد الحكايات الأسرية البسيطة دون ميلودراما زائدة أو اجترارٍ مقحمٍ للمشاعر والأحزان، يبرع (كور-إيدا) في استغلال كل إمكانيات الأطفال الذين يعمل معهم فيخلق منهم أبطالاً للحدث، لا مجرد عناصر تلطيف لأجواء الفيلم والدراما. كانت تجربة طفليّ فيلم Maborosi لطيفة وناجحة على صغر دوريهما، لذا كررها لاحقًا في عام 2004 وفيلم Nobody Knows الذي استوحاه عن قصة حقيقية لأربعة أطفال تم العثور عليهم في طوكيو بعد أن تركتهم أمهم لشهور. لا يمنح (كور-إيدا) الأطفال سيناريو وحوار مكتوبين، لكنه يجلس معهم قبيل كل مشهد ليحكيه لهم ويناقشهم فيه ويترك لهم حرية الأداء. هذه الحرية تبدو جليّة في كل مشهد للأطفال. حرية في الحركة والحوار، الضحك والركض بتلقائية، والتفاعل مع المشهد والمواقف بصدقٍ وبراءة تامّين. هذا الأداء المتميز منح بطل الفيلم، الطفل ذا الأربعة عشر عامًا جائزة أفضل ممثل من مهرجان كان، محققًا رقمًا قياسيًا كأصغر الفائزين بالجائزة سنًا على مدار أعوام توزيعها.

ثم كررها مرة أخرى بفيلم I Wish وترك بطولته بالكامل لطفلين انفصل والداهما وانفصل الطفلان بينهما. يتحرك (كور-إيدا) بخفة ما بين الطفلين وكيف يتصرف كل منهما في وضعه الجديد فيتأقلم معه أو يكرهه. أحدهما يتمنى لو ثار البركان في مدينته الجديدة الغارقة تحت الرماد فيتركها ويعود لمنزلهم الأصلي وتجتمع العائلة من جديد، والآخر يتمنى لو نجح والده المطرب المغمور في تسجيل أغانٍ ناجحة تتحقق بها سعادته. تلوح فرصة تحقيق الأماني الطفولية في تلك اللحظة التي يتلاقى بها القطاران السريعان اللذان يربطان المدينتين، ليصبحا وكأنهما قطار واحد، تلك اللحظة تتحقق بها أمانيهم شرط تواجدهم قرب القطارين، وجهرهما بالأمنية. لا يذهب الطفلان وحدهما، لكن كل واحدٍ منهما يصطحب أصدقاءه لتتكون مجموعة من الأطفال بأحلامهم البريئة الصادقة، وركضهم في طرقات مدينة لا يعرفون عنها شيئا، واكتشاف كلٍ منهم لأمانيه الدفينة.

لقطة من فيلم Still Walking.jpg

دراما الفقد واستمرار الحياة

على الرغم من خصوصية الحياة في اليابان، واختلاف عاداتها وتقاليدها عن معظم أنحاء العالم، خاصة الغربي، إلا أن (كور-إيدا) برع في تطويع كتابته وإخراجه ليجعل الدراما –على خصوصيتها- تدور بالأغلب عن العائلة، والنفس البشرية ذاتها، دون قيد المكان أو العادات. ستظل تقاليد اليابان حاضرة بالأحداث بقوة، لكن مشاعر الأبطال هي ما سيصل لمشاهديه.

في فيلمه Still Walking الذي أنتج عام 2008 كان محور الفيلم هو الفقد. العائلة التي تجتمع حول وفاة أحد أبنائها، ويحاول أفرادها على اختلاف أزماتهم رأب صدع الفقد بالتواجد في ذكرى رحيل الابن الأكبر الذي غرق منذ سنوات أثناء محاولته إنقاذ طفلٍ من الغرق. غيمة الموت تخيم على العائلة، وذكرى الشاب الراحل حاضرة في أغلب أحاديثهم. الأب الذي فقد وريثه الأكبر، ويشعر بخيبة أمل في ابنه الآخر لأنه لم يرغب في أن يكون الوريث التالي. والأم/الجدة التي تطارد فراشة صفراء دخلت خلسة للمنزل لإيمانها أنها روح ابنها جاءت معهم بعد أن زاروا قبره، والابن الآخر الذي نجا لكنه لم يعد كافيًا لوالده خائب الأمل، حتى أنه يظن أحيانًا أن عائلته تمنت لو كان هو الراحل لا شقيقه الأكبر.

 بنعومة وهدوء يعرض (كور-إيدا) أحداث يومٍ واحد في حياة هذه الأسرة التقليدية التي تمر بحدث غير تقليدي. دون مواجهات عاصفة بين الأبطال، دون حوارات مليئة بالفلسفة تصلح لاقتباسها لاحقًا، لكنها لا تدور حقيقة على لسان أفراد العائلات العادية في أيامهم العادية. بصورة تلقائية يتصرف الجميع، يختلفون، يتصارحون أو يتشاجرون، تلك المراوغات المستمرة بينهم هي ما يجعل علاقتهم أكثر تماسكًا، لأنهم بالنهاية يدركون الروابط التي تجمعهم كعائلة ومدى متانتها.

لقطة من فيلم I Wish.jpg

الأب بين النقد والاحتفاء

بعد عودته من معسكرات العمل في روسيا، وقع والد (كور-إيدا) في هوى المقامرة. كان من الممكن أن يحصل على راتبه لينفقه كاملاً في يومٍ واحد في مضمار سباق الخيل، أو الدراجات، أو حتى المراكب. كذلك كان والد بطل فيلم After The Storm  الذي كتبه وأخرجه عام 2016. بالفيلم يعاني البطل من ظروفه المادية القاسية التي تمنعه من سداد نفقة طفله، وبينما يستنكر على والده الراحل سعيه الدائم وراء المقامرات والرهانات الخاسرة؛ نجده ينفق أمواله كاملة على الرهانات الخاسرة. لم يكره (كور-إيدا) والده، ولم يكرهه بطل فيلمه، بالنهاية تفهّم كل منهما ما دفع والده للمغامرة والمقامرة، فاشترى البطل لطفله بطاقات اليانصيب، مجيبًا على استنكار والدة الطفل، زوجته السابقة بتبريره: "اليانصيب ليس مقامرة. إنه حلم. حلم يمكن شراؤه بثلاثين ينا."

مطاردة الأحلام الضائعة هي ما يجعل بطله يحيا على مجد جائزة وحيدة نالها عن رواية قصيرة كتبها في الماضي، ثم لم يعرف كيف يكتب غيرها فانتهى به الحال إلى العمل كمحققٍ خاص يتحايل على زبائنه ليحصل على أجرٍ إضافي ينفقه قبل أن يعود لمنزله، لكنه في الوقت نفسه يجاهد بطريقته حتى لا يصير أبًا سيئًا أو غائبًا عن حياة ابنه. تلك العلاقات المعقدة بين الآباء والأبناء وجدت بأغلب أفلام (كور-إيدا)، لكنها أكثر تجليّاً في فيلم Like Father, Like Son  الذي أخرجه عام 2013 ونال عنه جائزة لجنة التحكيم في مهرجان (كان). في الفيلم يضع (كور-إيدا) عائلتين في اختبارٍ صعب، إذ يكشف لهم المشفى الذي وُلد فيه ابناهما أن الطفلين قد تم تبادلهما، ما يعني أن كل عائلة تربي طفل العائلة الأخرى. أسرتان مختلفتان تمامًا في طرق التربية، والمستوى الاجتماعي، وأبان يوضعان على المحك وكل منهما يكتشف معاني جديدة للأبوة، وروابطٍ بأطفالهما قد تتغلب على رابطة الدم. 

بأفلامه العائلية رسّخ (كور-إيدا) لنفسه مكانة مميزة لم يضاهيه فيها أحد. قد يشبهه البعض بمواطنه الأسطوري (يوسيجيرو أوزو)، ويرى هو نفسه أقرب إلى الأيرلندي (كين لوتش)، لكنه بالنهاية له طابعه الخاص، فأفلامه هادئة في العموم، وكتومة في التعبير عن العاطفة، لكنها غنية بالتفاصيل العادية والمشاعر العميقة غير العادية.‏ قد لا تعتبر ميلودراما صريحة مقبضة، لكنها دراما ناضجة‏ ومقربة لنفوس المشاهدين على اختلاف ثقافاتهم ما يجعلها تستحق المشاهدة والاهتمام..

 

 

قد ينال إعجابكم

متابعات

فينسيا 74: جوائز مُستحقة

في مفاجأة مُستحقة، فاز بجائزة أفضل ممثل، الفلسطيني "كامل الباشا"، عن دور المهندس "ياسر"، في فيلم المخرج اللبناني زياد...