بورتريه

يوسف وهبي.. ميلودراما الحياة

الراحل يوسف وهبي
فاطمة نبيل
 
إن الميلودراما في تعريفها الأكاديمي هي ذلك النوع من التمثيليات التي تزخر بالحوادث المثيرة، وتتسّم بالمبالغة في كل شيء، فالممثلون يبالغون في التعبير عن العواطف والانفعالات كما يبالغون في الحركات التمثيلية لكي يؤثروا في المتفرجين، وشخصية الرجل الشرير في الرواية مبالغ فيها، كما أن البطل دائما كريم الخلق جميل الصورة، والبطلة دائما حسناء طيبة طاهرة النفس، وتقع في الرواية حوادث ومغامرات غير معقولة تنتهي نهاية سعيدة. والمتتبع لحياة الممثل والمنتج والمؤلف والمخرج السينمائي والمسرحي "يوسف عبد الله وهبي" الشهير بيوسف بيك وهبي يجد أن ما بها من الميلودراما يفوق ما قدّمه في أعماله المسرحية والسينمائية.
 
حتى يصفها هو نفسه في مذكراته التي أطلق عليها اسم "عشت ألف عام" والصادرة عن دار المعارف عام  1962 بما يلي "عشرات السنين عشتها بين مد وجزر، في قصور فاخرة وغرف على الأسطح يشاركني فيها الدجاج، رأسمال ضخم ورثته عن أبي وأضعته، ثم استرددته ثم أضعته .. دوامة لا تهدأ، فقر وغنى، شظف وترف، ظلام وأضواء، قامرت وربحت وخسرت وانتصرت وهُزمت، ولكني لم أُسلّم سلاحي ولم أخضع للأقدار، وظلّ المسرح محبوبتي التي ذبت فيها عشقا منذ أن كنت في السابعة من عمري، وقد تضاعف هذا العشق على مرّ الأيام وتحوّل إلى وله".
 
ولد يوسف وهبي في 14 يوليو عام 1896 في مدينة الفيوم التي كانت تروى وقتها بترعة عُرفت باسم "بحر يوسف" مما دعى والده عبد الله أفندي وهبي كبير مفتشي الري - والذي قام بحفر ترعة وهبي بعد أن شقها من ترعة بحر يوسف فمنحه الخديوي لقب باشا – أن يطلق على ابنه الخامس اسم يوسف، أما والدته فهي السيدة شفيقة هانم فهمي ابنة الشيخ على فهمي البغدادي.
 
 
وكان عبد الله أفندي أحد العائدين من البعثات الدراسية حيث درس علوم الزراعة في جامعة أوكسفورد، فقرر أن يعدّ أبناءه الخمسة "إسماعيل، وعباس، ومحمود، وعلي، ويوسف" لنفس الطريق، فاختار لهم دراسة القانون والهندسة، أما الصغير يوسف فقد أراد له أن يصبح طبيبا وأخذ يُعدّه لدراسة الطب في ألمانيا، فما الذي حدث وجعله يتحول إلى المجنون بالفن والثائر على تقاليد قبيلته ومجتمعه؟! الإجابة هي أنها لعنة الفن التي أصابته منذ أن شاهد فرقة "سليم القرداحي" وهي تقدم عروضها في بيتهم كعادة الأسر ميسورة الحال في ذلك الزمان فمضى يقلد حركاتهم.
 
حتى إنه وكان لايزال في العاشرة حاول إقناع إحدى بنات الجيران أن تمثل معه دور جولييت بينما يمثل هو دور روميو فكان جزاءه صفعة من والده جعلته يكفّ عن تقليد الممثلين. وفي مراهقته وبعد انتقال عائلته إلى القاهرة تعرّف بشاب هاوي للسينما – سيصبح فيما بعد رائدها في مصر وعميد معهدها الأول – هو المخرج محمد كريم فيصطحبه إلى ملاهي عماد الدين ويعرّفه على حياة الليل قبل أن يتم عامه الخامس عشر، في جولات يومية سرية يعلم بها والده بالطبع فيكون عقابه حبس أسبوع كامل في غرفته انفراديا.
ولا يمنعه شغفه بالفن عن ممارسة الرياضة، المصارعة تحديدا والتي يُظهر بها تفوقا محلوظا، أو أن يخوض أولى تجاربه الجنسية وهو لا يزال في الثالثة عشر مع إحدى قريبات والدته. فنجده يقول في مذكراته "كان عمري لا يتجاوز السادسة عشر لكني أشعر أن الحياة مفتوحة على مصراعيها، أدخل وأخرج من مغامرة إلى أخرى غير عابيء بعقاب العائلة أو لعواقب المغامرة التي كانت دائما تنتهي نهاية مأساوية".
 
فكان بالطبع لا يكتفي بالمشاهدة، لكنه بدأ يشارك في العروض المسرحية والنتيجة هي سقوطه في إمتحان البكالوريا ما دفع والده إلى نقله إلى مدرسة مشتهر الزراعية بالقسم الداخلي حتى يجعله ينصرف عن شارع عماد الدين وما به. لكن ما كان التمثيل وحده الذي جعل عقله منصرفا عن الدراسة والتعليم، فقد وقع في حب فتاة إيطالية جميلة تدعى "كليوبي" سرعان ما حملت منه بطفل، وصار عليه أن يوفر المال اللازم من أجل عملية اجهاضها، ويورد يوسف وهبي في مذكراته أنه لم يجد حلا سوى سرقة ساعة أحد أصدقاءه الأثرياء، الأمر الذي جعل الصديق يغتاظ ويتهّم يوسف وهبي بالسرقة وعندما جاءت الشرطة للقبض عليه سقط والده عبد الله باشا وهبي مغشيا عليه كأي فيلم ميلودرامي.
 
 
بعد هذه الواقعة تزايدت إغراءات عائلته بأن ينصرف عن أمور التمثيل والمسرح مقابل أن تصفح عنه الأسرة وترسله إلى الخارج للدراسة لكنها بالطبع لن توافق على دراسته لعلوم المسرح كما يريد وتأسيّا بصديقه محمد كريم الذي ذهب إلى روما لدراسة السينما، ولكن كيف له بتكاليف السفر! لم يجد أمامه إلا مربيته وكاتمة أسراره منذ الصغر "دادة رقية" التي طالما ساعدته قبل ذلك فأعطته أساورها الذهبية كي يبيعها ويتمكن من السفر كجزء من الميلودراما التي أحاطت بحياته، وقد سافر بالفعل إلى ميلانو للدراسة في معهد المسرح وعمره 19 عاما.
 
وفي ميلانو يقع في حب "كاترينا" التي سرعان ما اكتشف أنها بائعة هوى بعد أن تم القبض عليها وحاول أن يقنعها أن تكف عن ممارسة الدعارة، لكنه عاد يوما إلى منزلهما ليجد كاترينا غارقة في دمائها بعد أن تم قتلها، ليتم اتهامه بقتلها بعد ذلك ثم ينجو من الاتهام بأعجوبة. لاحقا يرسل له والده برغبته أن يذهب من إيطاليا إلى ألمانيا حتى يتسلّم مبلغ مالي من أحد أصدقاء الأب مقابل أن يتخلّى عن حلم دراسة التمثيل، لكنه أصر ّعلى رأيه ولم يمتثل لطلب الأب، وفي اليوم التالي وجد أن القطار الذي كان سيقلّه إلى ألمانيا سقط من من فوق أحد الجسور في حادث مؤسف ومات كل من فيه، وبعدها تلقى خطابا من أخوته يطلبوا أن يأتي بسرعة إلى مصر لأن والده مريض، فاستقل الباخرة فورا إلى الإسكندرية لكنه عندما وصل وجد أن والده قد مات بالفعل قبل يومين.
 
بعدها يؤسِّس يوسف وهبي بما آل إليه من ميراث فرقته المسرحية الأولى بالاسم الذي اشتهر به في إيطاليا .. "رمسيس" مانحا الفرصة لجيل كامل من الموهوبين، واضعا أسسا فنية لم تكن موجودة قبله، ومضيفا قواعد صارمة عن موعد بداية العرض وآداب المشاهدة، معلنا على أبواب مسرحه ما يلي "يُمنع منع باتا التدخين أو قزقزة اللب داخل القاعة حتى يتمكن باقي النظارة من الاندماج في الرواية وتهيئة الجو الملائم للفنان لتأدية دوره على أكمل وجه". كما أنه رفع الحاجز لأول مرة بين المشاهدين من الرجال والسيدات داعيا إلى الاختلاط في سابقة لم تكن تحدث قبله. أيضا استخدم أساليب مبتكرة في الدعاية كانت غريبة وقتها على المتلقي المصري كأن يصور البروفات على شريط سينمائي ثم يقوم بعرضها على شاشة بيضاء داخل المسرح أثناء الاستراحة بين الفصول كنوع من الدعاية للعرض القادم، إلى جانب تعاونه مع المثّال المصري الرائد "محمود مختار" الذي كان يرسم له ديكورات عروضه المسرحية.
 
يوسف وهبي مع الفنانة أمينة رزق
 
لكن كل هذا لم يمنع الميلودراما من أن تتسلل إلى مسرحه الناجح ففي أحد ليالي العروض هجم على مكتبه أحد الفدائيين من المناهضين للاحتلال البريطاني لمصر أو من يعرفون باسم جماعة اليد السوداء يطالبه بحمايته من الشرطة التي تطارده واضطر يوسف وهبي لمساعدته تحت تهديد السلاح. لكن لاحقا عندما احترقت خشبة مسرح رمسيس اكتشف أن الشاب الذي ساعده دفن جثة أحد ضحاياه من العساكر الإنجليز تحت خشبة مسرحه.
 
أما زواجه من الأرستقراطية "عائشة فهمي" فقد كان حافلا بالميلودراما منذ بدايته وحتى انتهاءه، فقد واجها رفض عائلتها له بسبب عمله كممثل، ثم دعمها له بالمال من أجل مشروع مدينة رمسيس للفنون والتي كانت عبارة عن مدينة ملاهي وساحات للعب الباتيناج وقاعة عرض سينمائي ومسرح وستوديو للسينما ومطاعم ومقاهي ومحطات للإذاعة كلفته مبالغ طائلة، ثم مالبثت أن انهارت بالطبع بسبب الأجور المرتفعة للممثلين بالإضافة إلى البذخ الشديد في الإعلانات والديكورات إلى جانب الحياة المترفة التي كان يعيشها يوسف وهبي حتى قال عن يوم إغلاق مدينة رمسيس "اليوم فقط أشعر أنني أدفن كل أحلامي". 
 
ومع إغلاق المدينة تصاعدت خلافات الزوجين بسبب غيرتها الشديدة عليه وعدم إدراكها لطبيعة عمله، ولفارق السن بينهما فقد كانت تكبره بسنوات، ليتزوج لاحقا من السيدة "سعيدة" التي كانت بمثابة ابنة روحية لعائشة فهمي، ولتكون واسطته لها في فترة ما قبل زواجهما فتاة صغيرة كانت تحبه من طرف واحد وظلت لآخر حياتها مخلصة لهذا الحب هي الفنانة "أمينة رزق" التي لم يكن يثق إلا بها.
 
وليعيش بقية حياته حتى وفاته في 17 أكتوبر عام 1982 في هدوء افتقده طوال حياته المضطربة الغارقة في الميلودراما.
 
 

قد ينال إعجابكم

نقد سينمائي

"مُرتزق"

ليس من الممكن نسب فيلم "مرتزق" ببساطة إلى ما يعرف بـ "أفلام الألعاب الرياضية" ..