محمد رُضا
ـــــــــــــــــــــــ
الصالة الصغيرة
1
دعوا السينما تشارك السينما في الأعياد
حين تمر الأعياد الوطنية العربية تمر، في غالب اعتقادي، كما لو كانت أيام فرص صغيرة يحق للبعض منا عدم الخروج إلى مكتبه والبقاء في البيت أو أخذ العائلة إلى الحديقة العامّة. عيد الاستقلال أو عيد تولّى الرئاسة أو عيد مولد النبي محمد، صلّى الله عليه وسلّم، كلّها متشابهة في أنها فرص فردية للكثيرين منا (وليس لنا جميعاً) للراحة. البعض، كما أتصوّر يأخذها نومة حتى العصر انتقاماً من الأيام التي كان عليه أن يصحو فيها ليتوجّه إلى مكتبه في هذا المصرف أو تلك المؤسسة أو ذلك المحل. طبعاً لا يُلامون لأنه ليس في البال أكثر من ذلك
لكن حين تحتفل الصين بعيد ميلاد ثورتها فإن الجميع مدعو للذهاب إلى السينما. أساساً الدولة هناك أول من تذهب هذا لأن الفيلم السينمائي، كحالة فكرية إيديولوجية ثقافية وفنية وكعادة اجتماعية، في البال دوماً. بالتالي من غير المتخيّل، عندهم وعند حكومات كثيرة أخرى، أن تمر المناسبة من دون الاحتفاء بها على أكثر من وجه وأحد هذه الوجوه هو تحقيق أفلام سينمائية0
من فيلم تأسيس جمهورية
The Founding of a Republic "تأسيس جمهورية" هو أحد هذه الأفلام المنتجة لمرور ستين سنة على تأسيس الصين الحديثة. والمسؤولون يدركون أن زمن التطبيل والتزمير الدعائي والخطابي انتهى حتى في الصين، لذلك فإن الأفضل هو إنجاز أفلام فرحة تضحك وتغني وترقص وتستعرض في لوحات ملوّنة وبرّاقة ومثيرة للعين، كل ما يمكن لفيلم في هذه المناسبة أن يضحك له ويغنيه ويستعرضه ويرقص من أجله مخرجان لهذا الفيلم هما هوانغ جيانكشين و هان سانبينغ (الثاني يرأس مؤسسة "تشاينا فيلم غروب" وهي الذراع الحكومي في السينما) وعشرات النجوم من المحليين والمعروفين على صعيد عالمي. حتى جاكي تشان وجت لي شاركا فيه ولو بأدوار قصيرة. المهم هو إشراك العدد الأكبر من الأسماء لتسهم في عمل مكلف وكبير يناسب، من وجهة النظر الصينية، المناسبة التي من أجلها تم إنتاج الفيلم.
والجمهور استجاب جيّداً: هذا الفيلم الذي بوشر بعرضه هناك في السابع عشر من أيلول/ سبتمبر الماضي، وحسب أرقام مجلة فاراياتي الأميركية المطّلعة، حصد ما يوازي 49 مليون دولار في عشرين يوم من بينها 700 ألف دولار في أيامه الخمس الأولى من العرض. هذا، وهو ما أستطيع التذكير به، في بلد لا يزيد سعر التذكرة فيها عن دولارين او ثلاثة. بكلمات أخرى، لو أن الفيلم نال ذات النجاح في الغرب لكانت إيراداته زادت عن 250 مليون دولار في الفترة ذاتها.
غني عن القول أننا لا نتحدّث عن الفيلم لذاته، وهذا الناقد لم يشاهده بعد (هناك عرض خاص له بعد سبعة أسابيع في هوليوود) لكن المسألة هي أننا نحوّل أفراحنا إلى مناسبات من الكسل والترهّل حين لا نحتفي بها ولو مرّة كل مئة عام الاحتفاء الصحيح. وهذا راجع إلى أن ثقافة السينما ليست لدينا. لا نملك المرجعية التي تؤهلنا، مجتمعين (مسؤولين ومثقّفين ومشاهدين) إلى التعبير عن أن هذا العيد الوطني أو ذاك هو فعلاً خاص بنا وعلينا أن نحتفي به احتفاء صحيحاً. نعم هناك دائماً خطابات وأناشيد وأشعاراً واعلانات صحافية لكن هل هناك من أفلام؟
2
هيفاء المنصور
المرّة قبل الأخيرة التي ورد فيها اسم هيفاء المنصور كانت حين تزوّجت من المسؤول عن مكتب الشؤون الخارجية في القنصلية الأميركية في المملكة العربية السعودية. كان ذلك خبراً شخصياً لم يتوقّف عنده المتابعون الجادّون للسينما، لكنه أثار في كل الأحوال العديد من التعليقات، المباركة غالباً، وتناولته الصحف والمجلات الأسبوعية كمادة إخبارية لعدة أيام وأسابيع..
لكن الذي ساعد على أن تنال هيفاء المنصور هذا الاهتمام الإعلامي لوضع هو خاص وشخصي في المقام الأول، كونها مخرجة سعودية. أوّل مخرجة سعودية. حيث قدّمت أربعة أفلام قصيرة ومتوسّطة هي "من؟" و"الرحيل المر" و"أنا والآخر" و"نساء بلا ظل". الآن تأتينا أخبارها مرّة ثانية: لقد نالت جائزة "ذ فيلم سيركل"، المؤسسة التي يتقدّم لها الطامحون لنيل مساعدة (على هيئة عقد وجائزة مالية قيمتها مئة ألف دولار) على سيناريوهاتهم. هيفاء تقدّمت كسواها ونالت ما تمنّت وما تتمنّاه لها كل السينمائيات على وجه الخصوص في هذه المنطقة من العالم، لأن نجاحها هو تمهيد لنجاحاتهن التي تراود مخيلاتهن جنباً إلى جنب مع المصاعب الكبيرة التي لابد ستواجه كلا منهن.
 |
|
هيفاء منصور أثناء تسلمها للجائزة
هنا يكمن المعنى الحقيقي لنجاحها وليس في نجاحها بحد ذاته. طبعاً نجاحها مهم لأنه - في أضعف الاحتمالات- تمهيد لتحقيق فيلمها الروائي الطويل الأول، لكن إذا ما ربطنا واقع السينما في منطقة الخليج عموماً، نجد أن الجائزة ترفع من آمال كثيرة أخرى مترامية فوق أرض هذه المنطقة بأسرها.
وإذا ما رجعنا إلى هويّة المخرجة كمواطنة سعودية، فإن المسألة أيضاً بالغة الأهمية..
إلى وقت قريب، لم يكن هناك أي أمل في إنتاج أفلام سينمائية من أي نوع. فجأة مهرجان صغير واحد أسمه "أفلام من الإمارات" يعلن عن استقباله أفلاماً من خارج دولة الإمارات العربية المتحدة، فإذا بالمحاولات تمتد لتشمل السعودية: شبّان أمسكوا بالدجيتال وأخذوا يصوّرون أفلاماً كانت في البداية تجارب يعترفون بها، ثم لاحقاً أخذت تتّخذ أشكالا أكثر جدّية.
منذ العام 2002 تغيّر الحال كثيراً عما كان قبل ذلك، فإلى جانب بداية الشغل على إنتاج أفلام وثائقية وروائية قصيرة أنتجت السعودية للآن ستة أفلام روائية طويلة وعرفت صحافتها زوايا سينمائية جادّة بقلم نقاد سعوديين فعليين، كما أقيم مهرجان في جدّة ولو لعامين قبل أن يُصادر في العام الثالث، ولو أن الأمل كبير في أن يعود هذا العام أو العام المقبل إلى نشاطه..
3
مهرجان روما يتّخذ شكلا
انطلق في الخامس عشر من هذا الشهر مهرجان روما السينمائي في دورته الرابعة التي تستمر حتى السابع والعشرين من الشهر الحالي. ومنذ دورته الأولى اعتبر هذا المهرجان نفسه منضمّاً إلى القائمة الطويلة من المهرجانات الرئيسية في العالم. إنه يُقام في عاصمة أوروبية رئيسية، ويتمتّع بميزانية يُقال أنها تصل إلى ثلاثين مليون دولارا، ولديه خطّة طموحة للتقدّم صُعداً، ولا ننسى أنه يهدف إلى أن يكون مهرجاناً دولياً ما يعني أن أفلامه ستكون ذات نوعية مثيرة للاهتمام شأنها في ذلك شأن مهرجانات المحيط الجغرافي والثقافي حولها الدورة الحالية ، كما يردد المسؤولين، ليست مجرد استمرار.
طموحات المهرجان بعدما برهن عن قدر من النجاح تجاوز به عثرات البداية. مثلاً يريد أن يستفيد من أخطاء سوق ميفيد التجاري الذي يقام كل عام في مدينة ميلانو. هذا السوق كانت له انجازاته لحساب المنطقتين العربية والأوروبية فيما سبق، لكنه تقلص مع كثرة الأسواق المشابهة: واحد في برلين والآخر في كان والثالث في لوس أنجلس.
كيف سيستفيد مهرجان روما من هذا "الخطأ"..؟ ليس معروفاً بعد.. لكن المهرجان ينشد أيضاً أن يكون موقعاً منتصفاً بين مهرجاني تورنتو وبرلين. وهذا يبدو طموحاً كبيراً لعدة أسباب ليس أقلّها أن الفترة الحالية وحتى منتصف الشهر الأخير من هذه السنة، مليئة بالمهرجانات الجديدة (سيُضاف إليها مهرجان فيتنامي دولي العام المقبل) وبعضها جدير بمحاولة أن يكون محطّة على الطريق بين تورنتو وبرلين. من بينها مثلاً مهرجان لندن السينمائي الذي، بالصدفة، أعلن عن أنه يسعى لأن يكون هو نافذة السينما العالمية على أوروبا في هذا الحيّز من الزمن
أيضاً يتوسط المرء مكاناً بين مناسبتين حين تكون إحدى هاتين المناسبتين بعيدة عن ذلك الموقع الوسط، لكن ما بين تورنتو وروما بضعة أسابيع قليلة ما يفصح عن أن الرغبة ليست تورنتو (الذي من الصعب إنزاله من موقعه كونه الوحيد في منطقته الجغرافية ونافذة العالم على السوق الشمالية لأميركا بالفعل) بل، ولو سرّاً، فنيسيا، وهذا بدوره ليس سهل المنال ولو أنه ممكن إذا ما سقط مستواه، من دون قصد وبفعل اختيار غير صائب للإفلام، لعامين متواليين ..
 |
|
أحد الأفلام التي سيعرضها مهرجان روما خلال أيام هو فيلم جيمس إيفوري The City of Your Final Destination | مدينة وجهتك الأخيرة الذي يقود بطولته كل من البريطاني انطوني هوبكنز والأميركية لورا ليني. المشروع بوشر بتحقيقه منذ عامين وتأخر هنا وتعثّر هناك، لكنه أخيراً سيشهد عرضه العالمي الأول في روما