صالة لواحد
أرسل الى صديق طباعة Share article
سينما محسن مخملباف من سينما المناشير الى الفن
آخر تحديث : الخميس 01 اكتوبر 2009   13:41 مكة المكرمة

محمد رُضا

-----------------------------------------
ما هي خصائص سينما محسن مخملباف وكيف
انتقلت من مناشير مصوّرة الى أفلام ذات صيـغ
فنية مثيرة وأحياناً جيّدة؟
-----------------------------------------

وُلد محسن مخملباف قبل 1952 من عائلة متوسطّة ومتديّنة في طهران. حين صار شابّاً  شارك في تأليف خليّة من المناهضين لحكم شاه إيران، محمّد رضا بهلوي، وتبنّى خلال ذلك مبادئ آية الله الخميني التي كانت بدأت تعصف بإيران. لكن مخملباف لم يشهد الانقلاب الذي وقع في إيران وأدّى إلى استلام الثوريين الإسلاميين، بقيادة الخميني، مقاليد الحكم لأنه كان حينها يقضي فترة عقوبة مدّتها خمس سنوات في السجن وذلك بتهمة ضربه رجل شرطة.
خلال وجوده في السجن حاول مخملباف التعبير عن آرائه بكتابة القصص والأشعار. أما السينما فجاءت في وقت لاحق، وأكاد أقول متأخر، وبعد سنوات من الإفراج عنه. حتى حين كان لا يزال ولداً صغيراً، فإن السينما لم تُتح له مطلقاً. مخملباف فقد عذريته في هذا الحقل في سن الخامسة عشر (وهو لا يتذكر الفيلم) لكن رغم ذلك، لم تمتلكه الرغبة في مزاولة السينما ولا، باعترافه، بمشاهدتها إذ لم تكن تعني له شيئاً.

محسن مخلباف

 
في العام 1981 تولّى حسين موسوي ، الذي شارك في تظاهرات معادية للشاه قبل عزله، رئاسة الوزراء  وذلك بعد عام من اندلاع الحرب العراقية- الإيرانية  وحتى عام بعد انتهاء تلك الحرب.  وفي عامها الأخير، على الأرجح، أسس موسوي مشروع وكالات تشغيل فنية وثقافية عديدة لأجل الترويج السياسي من ناحية والديني من ناحية أخرى وتصدير الثورة محلّياً وعالمياً. في ذلك كان يفكّر في استخدام السينما كأداة  في هذين المجالين ومحسن مخملباف وجد نفسه يعمل في ذلك الحقل  مباشرة بعد خروجه من السجن ..
هنا فقط أخذ مخملباف يفكّر سينمائياً  وأخذ يقرأ كل ما يصل إلى يديه من كتب في هذا المجال ويشاهد ما يستطيع مشاهدته من أفلام. كان لديه، حسب تصريح أخير له، نحو 200 كتاب ليقرأها لكنه اختار منها خمسين كتابا إذ وجد الباقي تكراراً واستنساخاً لبعضها البعض. وفي العام 1982 أخرج أوّل أفلامه  "توبة نصوحة" الذي عكس موقعه من الأوضاع كافّة، فالفيلم كان دينياً بمعنى الكلمة ينشد تعزيز بحث المسلم عن قيم الإسلام. وهكذا كان حال فيلميه اللاحقين "عينان لا تبصران" و"الفرار من الشيطان إلى الله" المنتميان إلى ما يمكن إرجاعه  إلى "السينما التبشيرية."
 
من البدايات

النقلة الأولى بعيداً عن الرسالات المباشرة تلك، وردت سنة 1985 حينما أنجز فيلماً بعنوان "مقاطعة" يتحدّث فيه عن تجربته الذاتية. المخرج ماجد ماجدي (صاحب أفلام جيدة مثل "أطفال الجنّة" و"غناء العصافير") قام ببطولة الفيلم لاعباً شخصية شاب اسمه فالح يضرب شرطياً فيدخل السجن حيث يتعرّض لتعذيب السجّانين وحين يُطلق سراحه تلاحقه عناصر المخابرات (السافاك)  مما عرض حياته العائلية لمزيد من التشرذم ..
لكن هذه النقلة لم تنتج تطوّراً فنياً لسبب رئيسي هو أن مخملباف كان لا يزال في طور التجريب وسواء نظرنا الى "مقاطعة" أو الى "راكب الدرّاجة" و"البائع المتجوّل"  المكوّن من عدّة قصص إحداها عن رواية قصيرة لألبرتو مورافيا، فإن النتيجة المرتسمة على الشاشة تعكس طموحاً لا تواكبه حسن الاختيارات الفنية والمعلومات التقنية وكيف يمكن صياغتها في شكل سليم وسلس. المونتاج عادة ما يبتر والكاميرا عادة ما تنتقل على اليد في غير قدرة على تكوين منهج صلب وواضح. النقّاد سريعاً ما اعتبروا أن ذلك هو أسلوب المخرج وعلى هذا الأساس فإن المخرج حر في أسلوبه. لكن الخطأ في هذه النظرة هو المزج بين ما ينتج على الشاشة من صيغة تبعاً لمحاولات غير متكاملة وبين الأسلوب الذي هو  نهايات تلك المحاولات وانبثاقها في توليفة تشبه التوقيع بالنسبة لصاحبها
 
بالنسبة إلى مخملباف، فإن هذا التكامل والوصول إلى سينما خاصّة به لم يأخذ شكلاً محدداً إلا من فيلمه  الروائي "لحظة براءة" سنة 1996، وكان ذلك بعد عام على فيلمه شبه الوثائقي "سلام سينما" وهو فيلم حقق نجاحاً نقدياً واسعاً حول العالم. وأقول شبه وثائقي، لأنه مزيج من تسجيل ما يقع في حينه وترتيب الحدث ليبدو كما لو وقع في حينه
مع "لحظة براءة" عاود مخملباف الحديث عن تجربته الخاصّة حين دخل السجن، لكنه عالجها من زاوية  جديدة مختلفة عن تلك التي سردها في "مقاطعة"0 بعد ذلك، أخذت أفلامه تبحث في وضع المرأة ضمن النظام الإسلامي المتشدد كما الحال في "اليوم الذي أصبحت فيه امرأة" و"زمن الحب"  (وهو فيلم تم تصويره في تركيا ومنع في إيران) ثم "الصمت" (1998) وحتى حين اختار الحديث عن أفغانستان في فيلمه "قندهار" اختار المرأة لتقود عملية كشف الوضع المشين الذي تتعرّض إليه المرأة في تلك المجتمعات

فيلم قندهار

حين مشاهدة أفلام مخملباف من تلك البدايات إلى اليوم، تطالعنا عملية تطوّر أقدم عليها سينمائي تعلّم السينما بعد أن قرر أن يصبح مخرجاً. وفي حين أن ذلك (على نحو أو آخر) سمة زميله عبّاس كياروستامي، إلا أن المقارنة بينهما تميل للمخرج مخملباف كونه انتقل من أفلام لا تملك عناصر العمل السينمائي كاملة، إلى أفلام تؤمّن ملء الخانات الفارغة في معظم ما يكوّن الفيلم السينمائي بصرياً. طبعاً، الخطر ما زال قائماً: أن يعود المخرج لتفضيل المضمون على الشكل فينتج عملاً مباشراً كما فعلت ابنته هانا مخملباف مؤخراً (عبر "الأيام الخضر" الذي قدّمته في هذه الصالة في الأسبوع الماضي) فيما يعنيه ذلك من تحويل السينما إلى مناشير وخطابات إنشائية..

سنجد في أفلام مخملباف ذلك الموقع الذي واجه النقّاد العالميين حياله: هل تؤيد الفيلم، روائياً كان أو وثائقياً، تبعاً لما يتولّى قوله أو تؤيده تبعاً لكيفية ما يقوله؟ مخملباف عرف قيمة العمل على نفسه وتحويل مضامينه إلى أسباب لتطويقها بأطر فنية عبر الانتقال من التجريب إلى الفعل الواثق. لا يزال أسلوبه يحمل حب الاكتشاف والكثير من مناحي الانعكاس الذاتي، لكنها اليوم بعيدة جدّاً عن تلك الأعمال الأولى التي حققها حيث الكلمة تقتحم معقل الصورة وتفتت شأنها وأهميّتها
المطلوب الآن هو نمو انتاجات إبنتيه سميرة وهانا (وزوجته مارزي)  لكي تصل إلى المستوى ذاته، وهذا ممكن كونه المنتج لأفلامهن والمؤثر كما الموجّه...   

الى الأعلى
تعليقات القراء: + - 
التعليقات لا تعبر إلا على رأي أصحابها.
1   محسن مخلباف
بكار المرتجي     السبت 03 اكتوبر 2009   00:42  مكة المكرمة 
أنا لا أخفي إعجابي الشديد بهذا الركن المتميز و الذي عودنا فيه محمد رضا بمقالات رائعة . لكن أود توجيه سؤال للكاتب .هل من الممكن أن أعرف سبب إهتمامه ب المخرج الإيراني محسن مخملباف؟
  تعليقك على الموضوع:
الاسم:*
البريد الإلكتروني:
عنوان التعليق:*
محتوى التعليق:*
(*) هذه الحقول مطلوبة