 |
|
محمد رُضا
|
1
الأفلام التجريبية الأولى
أول فيلم يمكن القول أنه كان تجريبياً على نحو كامل أبدعته السينما الألمانية في العام 1921 ذلك حين أخرج هانز ريتشر فيلمه Rhythm 21 . لكنه لم يكن الفيلم التجريبي الوحيد الذي تم إنتاجه ألمانياً وفي العام ذاته. هناك فيلم آخر قام بإخراجه سويدي باسم فايكنغ إيلغلينغ بعنوان Diagonal Symphony سيمفونية قطرية.
طبعاً من شاهد "كابينة الدكتور كاليغاري" (على قلّتهم) لابد أنهم لاحظوا أسلوباً تجريبياً ضارباً في صلب الفيلم من خلال تصاميم هندسية وكاميرا منحرفة ومحاولة مبكرة لدمج الروائي بأسلوب تعبيري- تجريبي خاص وهذا الفيلم أخرجه روبرت واين سنة 1919 وعُرض سنة 1920 أي قبل عام من الفيلمين المذكورين سابقاً، لكن هذا الفيلم لم يكن تجريبياً كاملاً لأنه في الوقت ذاته لم يكن منفصلاً عن الاستلهام من المسرح بينما أحد شروط الفيلم التجريبي الخالص هو أن لا ينتمي الى فن آخر، بما في ذلك فن السرد التقليدي.
كذلك حال فيلمين آخرين تم إنتاجهما في العام ذاته (1920) هما "العجلة" للمخرج الأسطوري آبل غانس و"العيد الإسباني" لجرماين دولاك وكلاهما فرنسيين. وهناك من يضيف أيضاً أفلام أولى للويس دوليك لكنها جميعاً وعلى الرغم من إدراكها بقدرات الكاميرا الهائلة، إلا أنها لم تكن تجريبية على نحو خالص، كذلك كانت على تواصل مع مَعين وتأثير مسرحيين0
بالنسبة لفايكنغ إيغلينغ مات قبل أن يدرك قيمة ما أنجزه من أعمال وحتى قبل أن يبلور طروحاته على نحو كامل. بل الحقيقة هي أن المراجع لا تذكر لجانب فيلمه »سيمفونية قطرية« أي فيلم آخر ما يقترح أن ذلك الفيلم القصير قد يكون فيلمه الوحيد أيضاً.
إيغلينغ وريتشر، ولاحقاً وولتر روتمَن جاؤوا من خلفية مارسوا فيها الرسم والكاميرا كانت وسيلة للتعبير بمرجعية مشابهة في تأليفها وعناصر تأليفها الإبداعيين. وهناك آخرون، مثل الأميركي مان راي الذي حقق أول أفلامه سنة 1923، جاؤوا من فن التصوير .
وحركة الفيلم التجريبي اتّسعت في عشرينات القرن الماضي وشملت سريعاً على مدارس وإتجاهات وأساليب مختلفة من فرنسا الى روسيا مروراً بألمانيا0
 |
| هانز ريتشر |
في الولايات المتحدة هناك تجارب قليلة مبكرة لا علم لي إذا كانت كاملة -اي أنها تجريبية على النحو الخالص- او لا، مثل فيلم لتشارلز شيلر وبول ستراند عنوانه »مانهاتا« . هذا الفيلم تم تصويره في العام الأول من العشرينات، وأربع سنوات مرّت من قبل أن يقوم المخرج المعروف في المجال الوثائقي وهو روبرت فلاهرتي بتحقيق فيلم تجريبي كامل هو: 24 Dollar Island جزيرة الـ 24 دولار.
وفي فرنسا تم إنتاج فيلم لروبير ليغار عنوان »باليه ميكانيك« من تسعة عشر دقيقة وهذا كان تجريبياً بالكامل. كل الأفلام المذكورة كانت قصيرة، وأعتقد أن التجريبي والقصير كانا دائماً متلازمين لأنه لم يكن مطروحاً، وقد أخذت السينما تطرح نفسها على صعيد العلاقة التجارية بين الفيلم وبين الجمهور، أن تمارس فن الفيلم التجريبي الطويل في هذه المرحلة الصامتة المبكرة. وهذا بدوره يعرّفنا على أن فترة الفيلم المحدودة في تلك الأعوام ساعدت، من حيث لم يخطط أحد، على تقديم هذا النوع من الأفلام غير المشروطة أساساً بأن تكون طويلة. هذا لجانب أن معظم الأفلام التي تم إنتاجها في النصف الأول من العشرينات كانت لا تزال قصيرة.
طبعاً الميول التجريبية لم تتوقّف عند حد »كابينة الدكتور كاليغاري«. سنراها في بعض أفلام الفترة مثل فيلم جوزف فون شتيرنبرغ »صائدوا النجاة« (1925) الذي كان أول فيلم من إخراج هذا النمساوي بعد سلسلة من الأفلام عمل فيها كمساعد مخرج من العام 1917 وحققه في الولايات المتحدة. سنراها أيضا في فيلمه اللاحق »إمرأة البحر« (1926) حيث امتزاج واجب المخرج في سرد الحكاية ممتزج، بحسبان، مع الرغبة في بلورة أسلوب بصري مختلف عن السائد وبعيداً عن شروط السرد ذاتها.
ولم يعن اشتغال السينمائيين على أفلام تجريبية أنهم لم يفعلوا سوى ذلك. مثلاً مان راي مارس التصوير الإعلاني، وليغار عاد للرسم. وحين أم لويس بونويل السينما السوريالية (وهي تتطلب معالجة تجريبية بالضرورة) في فيلم »كلب اندلسي« (1929) توقّف عن الأسلوب ذاته وأقدم على تحقيق أفلام جماهيرية وميلودرامية حالما انتقل للعمل في المكسيك بعد سنوات قليلة0
2
ثلاثة غرف في ميلانشوليا
حين النظر الى مصائب الآخرين، تهون قليلاً مصائبنا وفيلم المخرجة الموهوبة هونكاسالو هو عن مصائب الآخرين من شعوب مختلفة تقطن شقي النزاع في شيشينيا: الروس والشيشانيين. بذلك ضمنت حديثاً شاملاً للبنية التحتية الهامشية من طرفي النزاع. بحثت عن الضحايا ووجدتهم في الجانبين بعيداً عن أعين الناس وبعيداً جداً عن أعين الحكّام في موسكو. فيلمها شغل على القلب والذهن. الأول يشفق ويأسف والثاني يتساءل عما إذا ما كان هناك شيء? ?يمكن فعله لإنقاذ هذا العالم مما? ?يمر به.
 |
| روبرت فلاهرتي |
قسّمت هونكاسالو فيلمها الى ثلاثة أقسام? (?كل قسم سمّته? ?غرفة?). ?الغرفة الأولى سمّتها? »?نوستالجيا?« ?وهو القسم الذي? ?تقع أحداثه فوق جزيرة صغيرة تقع قرب سانت بيترسبيرغ? ?تم تحويلها منذ عقود الى مدرسة أكاديمية عسكرية باسم كرونشتاد?. ?العسكر البالغون لا? ?يعيشون فيه وحدهم بل هناك قسم لليتامى من أبناء المجنّدين?. ?من لا أم له او عائلة تحتضنه?. ?هؤلاء الأولاد? (?من التاسعة إلى الخامسة عشر?) ?هم جنود في? ?جيش المستقبل?. ?الى جانب? ?تعليمهم القراءة والكتابة? ?يتدربون على المشي? ?العسكري? ?وعلى الرماية في? ?سبيل ضمّهم بعد ذلك الى العسكر?. ?هونكاسالو هنا تختار عدداً? ?من هؤلاء لتحاورهم? حيث تكتشف وجود بعض المواهب الصغيرة التي? -?غالباً?- ?ستطمر مواهبها وتندرج في? ?خدمة عسكرية روسية تنزع عنها بقايا الإنسان?. ?
القسم الثاني? ?باسم? »?تنفّس?« ?ونحن هنا في? ?عاصمة شيشينيا? ?غروزني? ?المدمّرة بفعل سنوات الحرب?. ?الصور? -?بالأبيض والأسود?- ?المستقاة هنا تعكس خراباً? ?عهدناه في? ?بيروت لكنها تتجاوزه لحالة من الفقر الشديد?. ?أناس كالأشباح تتحرك وسط الدمار باحثة عن بقايا طعام?. ?او ربما باحثة عن البحث نفسه?. ?امرأة مريضة? ?تسلّم امرأة أخرى أولادها الثلاثة لكي? ?ترعاهم?. ?هذه المرأة الأخرى،? ?وأسمها خديجة،? ?تدير بيتاً? ?صغيراً? ?للأيتام واللاجئين?. ?عين هونكاسالو المخرجة على ما? ?يتفاعل في? ?أنفس الأم المنكوبة وأولادها وبذلك تنقل هذه الصورة المأساوية التي? ?تكفي? ?لتعبّر عن كافة الصور الأخرى من دون خطابات او اجتهادات.? ?
القسم الثالث? ?يحمل عنوان? ??»?التذكّر?« ?وننتقل فيه الى ذلك الميتم حيث نتعرّف على بعض أطفاله?. ?واحد منهم أسمه أصلان،? ?او هكذا تمت تسميته علماً? ?بأنه روسي? ?وليس شيشاني?. ?إنه? ?يعاني? ?من الصدمة التي? ?تعرّض إليها عندما اغتصبه جنود روس? (?حسبما تروي? ?إحدى شخصيات الفيلم?). ?آخر،? ?أسمه آدم? ?يتحدث عن أبيه الذي? ?قتل في? ?مطلع الحرب الشيشانية وعن أمّه التي? ?حاولت قتله لأنها لم تعد قادرة على إطعامه?. ?لقطات هذين الولدين وهما? ?يواجهان كاميرا بوجهين? ?يختزنان المأساة تتساوى ولقطات لأولاد آخرين? ?يعيشون لغد? ?يترجمه الفيلم في? ?لقطاته الأخيرة إلى رموز?. ?الكاميرا تنساب من تلك الوجوه إلى مشاهد طبيعية للسهول والجبال جرداء وقاحلة وصامتة?? لكن إنجاز المخرجة الفنلندية ليس فقط في? ?أنها استطاعت نقل بعض عمق المأساة متمثلة في? ?الصغار من الشيشانيين والروس،? ?وهذا وحده مهمة قاسية لابد أنها تكبّدت من أجله مخاطر ومصاعب جمّة،? ?بل أيضا في? ?أنها لم تنس إنها تحقق فيلماً? ?عليه أن? ?يُعامل كسينما جيّدة وليس كتقرير صحافي? ?منشور?. ?لذلك عناية فائقة? ?يلحظها المشاهد في? ?التقطيع وفي? ?التصوير وفي? ?تكوين فيلم عادت به المخرجة وفريق عملها إلى الاستديو لتحمل به ما? ?يكفي? ?لوصم هذا العالم الذي? ?نعيش به طالما مصائبه متوفرة.