 |
محمد رُضا |
1
عشر سنوات مضت ... يا له من دهر؟
نحن ننسى وليس هناك من دواعٍ لأن نتذكّر . ننتج أفلاماً. تُعرض. تُقابل بآراء ثم تدلف باب الأمس ويُققل عليها. البعض لا يرى مناصّاً من ذلك. إنها حركة التاريخ. يقولون. لكن الفيلم لا ينتمي الى تاريخ وما مضى منه هو الأساس للحاضر. كذلك فإن الشهادات التي يتولّى الإدلاء بها والقضايا التي يطرحها لم تُصنع لكي تغيب مع غيابها لسبب بسيط جدّاً: هذه الطروحات والقضايا ما زالت مطروحة. بكلمات أخرى: في مجتمعات ليس لديها حلولاً لمشاكلها .... تبقى المشاكل والأولى أن تبقى الأفلام
قبل عشر سنوات، هي بالنسبة للبعض دهر وللبعض الآخر فترة زمنية وجيزة، خرجت مجموعة من الأفلام الوثائقية التي تسترعي الإنتباه. لم تكن جميعاً جيّدة، لكنها جميعاً أرادت أن تقول أشياء مهمّة بعضها نجح والبعض الآخر لم ينجح. هذه ثلاثة منها
حكاية من زمن جميل
إخراج: سعيد شيمي
إنتاج: المركز القومي للسينما (مصر). النوع: سيرة
فيلم موجز ومؤثر معاً حول المناضل الذي ذاع صيته خلال العدوان الثلاثي على مصر العام 1956 محمد مهران. مصري انضم الى العمل الفدائي في بورسعيد وألقي القبض عليه بعد عملية ناجحة ولو أسفرت بإلقاء القبض عليه. في الإعتقال خُيّر بين فقأ عينيه او الإدلاء بمعلومات من شأنها الإيقاع بالفدائيين، ففضّل الحل الأول. يُعيد الفيلم رسم خارطة تلك الأيام التي كان فيها للفداء معنى قيّماً. إنه زمن النضال الجميل الذي يتحدّث عنه الفيلم. لكن الفيلم ليس غوغائياً عن البطولة بل واقعيا في تحسس آلامها. محمد مهرجان يتحدّث عن حياة النضال من دون مغالاة ومن دون شعور بالأسى، لكن الألم لا يزال موجوداً والصورة، على حدود ما تستطيع القيام به، مؤثرة0 لو أن المخرج الأميركي ايليا كازان وبلعبة زمنية ما، شاهد هذا الفيلم قبل الإقدام على الوشاية برفاقه خلال الحملة المكارثية على المبدعين هل كان وافق على تسمية الأسماء والإدلاء بمعلومات قلبت حياة عديدين منهم؟
 |
| المخرج السوري محمد ملص |
صبري المدلل
إخراج: محمد ملص
إنتاج: سوري/ فرنسي النوع: سيرة
لهذا الفيلم مقومات فنية مهمّة. إنه من إخراج سينمائي مبدع (محمد ملص) ومن تصوير مدير تصوير مبدع (يوسف بن يوسف) ومونتاج مونتير مبدع (قيس الزبيدي). ولا يتوقّف أمره على ذلك بل هو الفيلم الذي قدّم فيه المخرج المعروف روائياً هذه التجربة الوثائقية التي هي ثرية للعين وللبال كما للأذن
صبري الملل هو أحد عمالقة القدود والموشّحات الحلبية (وهو أبن حلب). عجوز مارس العزف والغناء منذ أن كان صبياً وهناك من لا يزال يتذكره في صباه ونشأته. لا جوائز معلّقة في صحن بيته او اسطوانات ذهبية على الجدران، لكن إذ يمسك العود ويغني فإن الناتج تغريد بشري فوق العادة من رجل يعرف تماماً كل تفاصيل الغناء الأصيل وله صوت، ما شاء الله، لن تريد له أن يتوقّف لكن محمد ملص لا يتوقّف بدوره عند نوع معيّن من الغناء، بل يطلب من صبري التنويع. وهناك مشهد من الذكر الديني يتوسّطه المطرب يفصح عن طاقته في هذا المجال أيضاً رغم أن التصوير المباشر للحفل المخصص للفيلم لا ينقل صورة طبيعية للأجواء الاحتفائية التي عادة ما تعكسها تلك الاحتفالات.
ينجح المخرج في اختياراته ولو أن الاتفاق القاضي بجعل الفيلم ساعة تلفزيونية يجهد العمل إلى حد.
قانا
إخراج: سيد كعدو
إنتاج: وزارة الثقافة والتعليم العالي
لبناني- النوع: اجتماعي/ سياسي
يحفل فيلم سيد كعدو، وهو مخرج وثائقي نشط، بالنوايا الطيّبة وهو يقدّم معاناة الناجين من مذبحة قانا التي وقعت سنة 1996 حين قامت إسرائيل بأحد أبشع اعتداءاتها على لبنان وصولاً لقصف موقع الأمم المتحدة الذي كان لجأ إليه مواطنون عزّل معظمهم نساء وأطفال. طبعاً، وكما الحال في كل مرّة وآخرها حرب غزّة حين قصفت إسرائيل أيضاً مدرسة للأمم المتحدة، فإن التبرير جاهز لدى أبواقها العسكرية والسياسية: المكان كان يأوي محاربين هم الذين احتموا بالمدنيين. ترقب الفيلم فتتلقف وجوها حزينة للناجين. لقد مرّوا بتجربة حياة وموت وخسروا ضحايا تحوّلوا إلى جثث مهدورة من دون سبب. اختيارات المخرج للمشاهد المصوّرة خصيصاً (إذ أنه يعتمد كذلك على لقطات ومشاهد أرشيفية) تفيد معايشة عاطفية وسياسية لا غُبار عليها. لكنها غير كافية لرفع مستوى الطرح خصوصاً وأن تلك المشاهد الوثائقية التي يستعين بها لعرض المجزرة يذكّر بأسلوب بعض مخرجي فصائل العمل الفلسطيني في لبنان خلال السبعينات وهو إظهار فجاعة الاعتداء بالتركيز على الأشلاء والقتلى ما يحوّل الفيلم عن وجهته التحليلية ويجعله اشتراكاً في البلبلة العاطفية وحدها. رغم ذلك، لا يمكن إغفال الألم والصدق المتسللان إلى المشاهد من دون تمويه.
 |
| من السينما الفلسطينية |
2
السينما المتأخّرة: كيف خسرت السينما العربية فلسطين0
أحد الأفلام الأولى التي تم تصويرها في فلسطين، كان وثائقياً من جملة مئات الأفلام القصيرة التي صوّرتها شركتي لوميير وباتيه في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. إنه فيلم عن انطلاق قطار من محطّة في مدينة فلسطينية (غير محددة في الفيلم) وذلك في مقابل أفلام حول وصول القطار الى المحطّة الذي كان أحد أولى أفلام الأخوين لوميير. المغادرة لا تتم سريعاً في هذا الفيلم، بل هناك بعض لحظات نرى فيها جموع الناس تقف على الرصيف وبعضها يصعد القطار والبعض الآخر يمشي في إتجاه او آخر. يتمعّن المشاهد فيلاحظ أن أزياء العرب منقسمة الى قسمين: ناس بالجلباب الفلسطيني وفوقه جاكته ما يعني أن التصوير تم خريفاً او ربيعاً، وناس بالبذل واللباس الغربية. أناس بالعقال الفلسطيني وآخرون بالطربوش التركي .
يلاحظ المرء أيضاً أنه ليس هناك من وجود ليهودي يرتدي تلك الطاقية او يعتمر تلك الثياب السوداء والقبّعة فوق شعر مجدول. وإذا وصل المرء الى هذه الملاحظة فإنه يستنتج بالتالي لا فلسطينية وعروبة تلك الأرض فقط، بل حقيقة أن فلسطين كانت آهلة وذات مجتمع مدني وليس، كما قالت القوى الصهيونية واليهودية المتطرّفة، أنها كانت أرضاً بلا شعب
إذ يتحرّك القطار (والكاميرا ثابتة عند نهايته) نرى المزيد من الناس والمزيد من فلسطينية فلسطين حتى نهاية الفيلم
وعلى بعد سنوات من ذلك الحين، بدأت الحركة الصهيونية العالمية تخطط لاستلاب فلسطين وإذ قررت ذلك، عمدت الى اطلاق أفلام دينية حول أرض الميعاد وحق العودة. بذلك كانت الأفلام (وبالتالي السينما) من صلب تلك الخطط وتوجّهت الى تجييش اليهود وتحفيزهم بالعودة وإلهاب حماسهم وعواطفهم الدينية. في ذلك الوقت، كان الإنتاج السينمائي العربي معدوماً ربما لأن أحداً لم يكن يحسب أن ما سيحدث في الأربعينات وصولاً إلى العام 1948 كان يمكن أن يحدث. أن تكون عائلة عربية على أرضها فتقتلع كما الأشجار وتُرمى خارجه. طبعاً البعض، مع اقتراب ذلك التاريخ، كان بدأ يحس ويشعر ويحسب، لكن الخطوات العملية لمواجهة كل ذلك لم تُعتمد لا من فلسطينيي ولا من عرب ذلك التاريخ
في العام 1947 (أي قبل عام واحد من النكبة) كان عدد شركات إنتاج الأفلام الفلسطينية نحو ثلاثة وعدد شركات الإنتاج اليهودية نحو أثنا عشر. الشركات الفلسطينية لم تنتج أي أعمال سينمائية بل عمدت الى توزيع الأفلام المصرية، بينما تلك اليهودية كانت تنتج الأفلام ذات الغايات السياسية والدعائية.... بذلك ساعدت السينما من أولاها العناية الفائقة وخذلت من لم تكن لديه خطّة عمل لمقاومة هذا التمدد السرطاني الآتي من الغرب
طبعاً، في الستينات والسبعينات هبّت السينما الفلسطينية، وقد أصبحت في المهجر، تطلق الأفلام المعادية لإسرائيل. لكن من ضرَب ضرب ومن هرب هرَب وبدا أن استعمال السينما كسلاح إعلامي ناتج عن هزيمة أكثر مما هو ناتج عن عزيمة. فوق ذلك، معظم هذه الأفلام كان مثل الأبواق الإذاعية قائم على الخطب والأغاني الوطنية والقليل جدّاً من الفن
في السنوات العشرين الأخيرة أخذت السينما الفلسطينية تتحرّك على صعيد عالمي أفضل وتشهد عدداً من المواهب الفلسطينية في مجالات مختلفة خصوصاً مجالي الإخراج والتمثيل. أسماء مثل ميشيل خليفي ومحمد بكري وهيام عبّاس ورشيد مشهراوي وهاني أبو أسعد وايليا سليمان و سواهم. وهي كسبت مواقع وبل تبدو اليوم، بأفلامها الأخيرة، كما لو أن السينما آخر معاقل المعارك في سبيل الفوز ب
بما تبقّى من فلسطين... هذا إذا حافظنا عليها.