كل وأنت مطمئن: طعام غير صحي لكل أهل الأرض
 |
| محمد رُضا |
يعتبر البعض أن تغنّي البعض الآخر بالأيام الماضية ما هو الا نوستالجيا عاطفية سببها التقدّم في العمر. لكن فيلم جديد للمخرج الأميركي روبرت كَنَر عنوانه ( - Food Incطعام متحد( يكشف عن أن المسألة ليست بمثل هذه البساطة. هناك سبب مهم من أجله يعود المرء إلى الماضي في زيارات ذهنية وعلى وجهه ابتسامة وحسرة: لقد كانت أياماً صحيّة
هو عنوان غريب لفيلم، لكن "طعام متّحد" فيلم تسجيلي يمهّد مشاهديه للتذكير بأن كل ما يأكله الأميركيون من نتاج ستّة شركات أطعمة فقط تهيمن لا على السوق فقط، بل على صحّة المواطنين والمقيمين على حد سواء. لكن من قبل أن أدلف إلى هذا الموضوع أعود إلى الأيام السالفة لأنها مرتبطة بهذا الفيلم ارتباطاً وثيقاً.
حين كنت أترعرع في بيروت، كانت اللحوم والثمار أشهى لأن الأرض كانت لا تزال نضرة كما خلقها الله سبحانه. لم يكن استخدام الكيماويات والهرمونات شائعاً وكان ما يستخدم غالباً هو ما يعرف بالزبل وهو نتاج طبيعي لا أعلم تركيبته لكنه لم يكن كيماويا. الأرض تمتصّه. الزرع ينبت منه. الحيوانات تأكل من النبات والذرة المزروعة في تربته. الطعم طبيعي ومختلف. تستطيع أن تشم رائحة "الفريز" من ربع كيلومتر قبل أن تصل إلى الحقل. الخيار كانت له رائحة مختلفة. البطيخ كان غالباً أحمر وحلو كالحلويات اللبنانية بل كالعسل الصافي. التفاح، الأجاص، الطماطم، النعناع ... كلها وسواها كان زكي الرائحة مفعم بالطعم ومليئاً بالفوائد الصحيّة التي هي من نعمة الله على أهل الأرض.
هل أحتاج لمقارنة الماضي بالحاضر؟ متى كانت آخر مرّة أكلت فيها بطّيخاً أحمر قانياً؟ متى آخر مرّة شممت فيها رائحة الفريز (الكمثري في مصر) تملأ أرجاء المكان؟
الفيلم الوثائقي "طعام متحد" لا يتحدّث عن الفاكهة بالتحديد، لكن عن اللحوم. عن لحم البقر والماشية عموماً، كما عن لحم الدجاج. لكن هناك ما يُقال أيضاً في هذا الموضوع: قديماً كان لون فخذ الدجاجة مختلفاً عن لون صدرها. وقديماً كان الطعم مميّزاً، ذلك لأنه قبل ثلاثين وأربعين سنة كان الدجاج يأكل من الحب والبقر من العشب وكل من الحب والعشب كانا طبيعيين. الآن؟ علمي علمك ... أو بالأحرى علم هذا الفيلم الذي يفتح العين على حقائق مذهلة كفيلة بجعلك تقرر أنك لن تأكل اللحوم. وصدّقني، ما يحدث في أميركا اليوم يحدث في كل أنحاء العالم. الصحّة تم امتصاصها من الطعام. الباقي مادّة للمضغ، وقد تكون مضرّة جداً بالصحة.
يمنحنا فيلم كَنَر فرصة للتفكير بما يحدث. يقول لنا في مشهد قرب منتصفه أن علماء شركات الأطعمة توصّلوا إلى إعادة تصميم شكل الدجاجة. كيف؟ يرسم لنا على الشاشة ويقول: أكّدت الإحصاءات أن معظم الناس تفضّل لحم الصدر، فقام العلماء بتوسيع صدر الدجاجة حتى يستوعب لحماً أكثر. بذلك غيّروا من شكلها الذي خلقه الله عليها فصارت أعرض من فوق. أما من تحت، يلاحظ من يرى الفيلم، فإن قدمي الدجاجة باتتا متباعدتين. مشيتها ليست عادية لأنها لا تستطيع أن تكون.
يقول الفيلم إنه في العام 1975 قام الحكومة الأميركية بالتحقيق في 72 ألف قضية لها علاقة بالصحّة العامّة ومسائل تربية الحيوانات. في العام الماضي تقلّص عدد التحقيقات إلى تسعة آلاف. ليس لأن كل شيء على ما يرام، بل بسبب السطوة الكبيرة التي لهذه المؤسسات التي تنفذ من المسؤولية والعقاب وتحيط ما تقوم به بكتمان تام.
قبل عشرين سنة تقريباً شاهدت في لندن فيلماً تحذيرياً عن مغبّة تربية الدواجن بالطرق الحديثة: لقطتان لدجاجتين: واحدة تربّت طبيعياً والأخرى تربّت كيماوياً وهرمونياً. الأولى ترعرعت من سبع إلى ثمانية أسابيع وتتحرّك بشكل طبيعي، والثانية تم تدجينها بالمقوّيات الكيماوية لتنمو سريعاً فاكتملت بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع و... تبدو أشبه بمخلوق أصيب بصاعقة. لا تتصرّف كأي شيء. هذا ما نأكله حين نأكل الدجاج.
 |
| تلوّث صحي مفيد للجسم |
الفيلم جريء ويدخل أقنان الدجاج وكل منها يستوعب مئات ألوف الدجاج تعيش فوق بعضها البعض. ممنوع على الدجاجة أن تأكل طبيعياً وأن ترى الشمس. ويكشف الفيلم كيف خسرت مربيّة دواجن عقدها مع شركة بيع للدواجن حينما أصرّت على فتح نوافذ في تلك البيوت الكبيرة ليدخل الهواء ونور الشمس اليها. الفيلم زاخر بالأمثلة وكلها تشير الى معضلة واحدة كان يمكن للعالم (المتحضر؟ ما أحلى البدائي) حلّها: السيطرة على الطريقة التي يسعى بها رجال الأعمال إصابة الثراء لا بالحجم المعتدل والمرغوب، وليس بالطرق القانونية والتشريعية، بل بنحر الإنسان الآخر عبر التسبب في كل تلك الإصابات الصحيّة التي يعاني منها البشر اليوم في كل مكان. كل ذلك حتى يصبح أصحاب أسهم هذه الشركة او تلك من الثراء بحيث يستطيعون يوماً شراء أماكن لهم فوق كوكب آخر ... ويا ليتهم يفعلون. ربما التهموا بعضهم بعضاً هناك وأراحونا منهم
بسببهم، وبسببهم فقط، تم استئصال الخير من على الأرض وتسميم التربة والهواء والسماء والماء. أبحث دائماً عن الجشع الأعمى وستجده في طيّات الكتل البخارية حاملة السموم من المصانع، وفي أطنان الكيماويات والهرمونات التي نتناولها عبر ما نشربه وما نأكله. وتذكّر معي أيام خضراء جميلة عشناها صغاراً. إما إذا كنت من مواليد هذا الزمن، فحاول أن تقرأ عن الماضي وتشاهد أفلامه ثم أسعى لكي تحمي نفسك وأهلك ومجتمعك والجيل الذي سيأتي من بعدك مما تعلم أنه يحدث لك0
2
ميشيل خليفي استحق جائزته
فوز فيلم المخرج ميشيل خليفي بجائزة أفضل فيلم عربي في الدورة السادسة لمهرجان دبي السينمائي الدولي قسّم العديد بين مؤيد لاختيار لجنة التحكيم التي ترأسها السينمائي الجزائري أحمد الراشدي ومعارض. الفيلم بعنوان "زنديق" وكان يمكن له أن يكون أفضل لكنه استحق فعلاً الجائزة الأولى التي خرج بها من تلك الدورة قبل أسبوع.
الفيلم أيضاً منحى جديد لميشيل خليفي أيضاً يتحدّث فيه عن المخرج "م"، مسيحي فلسطيني يعود الى الناصرة ليحقق فيلماً عن رام الله وما صنعه الاستعمار الإسرائيلي فيها. لكنه يجد نفسه في موضوع شاغل وغريب: لقد قتل أحد أقاربه رجلاً من عائلة أخرى، وها هي العائلة الأخرى تهب للانتقام . يقرر أن يقضي الليلة في أحد الفنادق، لكنه يجد هذه مقفلة في وجهه كل منها لسبب. خلال رحلته الليلية هذه تتراءى له حكايات وذكريات وروابط فهو منفتح على أكثر من علاقة عاطفية وقصّة حب لكنه بعيد عن الالتزام بأي منها. هذا الترائي والانتقال بين حاضرين مقبول. يمنح الفيلم ما يوفّره عن شخصية تكتشف أبعادها المحدودة وتنتهي به وقد أدرك ما لم يكن يعلم به حين بد.أ
مأزق السيناريو هنا هو أنه إذ يمتاز بفكرة نيّرة، يفقد السيطرة على جوهر فكرته حين يعرض أكثر مما يلزم من مشاهد خارج خطّ رحلة بطلته الليلية. لو أن خليفي الذي كتب مادّته بالطبع، أسس فيلمه على جناحي تلك الرحلة الليلية لأنجز العمل بقدرة تعبيرية أعلى حول وضع كابوسي يخرج منه بطله مكتشفاً عوالم لم يكن أدركها من قبل.
 |
| من فيلم ميشيل خليفي: زنديق |
الحرب بين العائلتين ترمز الى الوضع بلا ريب، لكن الحس بالوحدة ليس جاثماً كما كان يجب والتعامل مع ما فرضه واقع رفضه في الفنادق يمر من دون طرح لأسئلة حاسمة في مكانها. في الصميم الحكاية قصّة رجل لا يجد لنفسه موطأ قدم في بلده وبالتالي (انسيابا رمزياً) في وطنه. لا بسبب الاحتلال فقط بل بسبب تهاوي النظم التي في الجهة الكامنة، نظرياً، خارج سُلطة الاحتلال. بذلك يتحدّث الفيلم عن سجنين أقربهما إليه هو الحالة النفسية التي تعكس حالة المخرج نفسه إذ يجد نفسه وقد اغترب وبات مرفوضاً.
من ناحية أخرى، فإن الاحتفاء بميشيل خليفي عن طريق منح فيلمه هذا الجائزة الكبرى بين الأفلام العربية التي اشتركت في المسابقة هو احتفاء بتاريخه من ناحية وبالسينما الفلسطينية التي يسعى البعض إما لتجاهلها او للتصدّي لها وبعض هؤلاء من سينمات عربية أخرى كما لو أننا نواصل شتاتنا السياسي بالعمل ثقافياً على إحداث المزيد من التفرقة. إنه، كما يرى الناقد سمير فريد أيضاً، رائد السينما الفلسطينية الحديثة. تلك التي بدأت بوعي وبتعامل فني مع الواقع من دون أن تغمض عينيها عن ظروفه وقسوته.
من السبعينات انطلق ميشيل خليفي ينجز أعمالاً فلسطينية مختلفة، والى اليوم لا يزال في بوتقة هذا الإنجاز المستمر محاولاً، مع غيره من المخرجين الحاملين هم التجربة الفلسطينية، إرساء قواعد تواصل تعكس الحقيقة مهما كانت مريرة0