محمد رُضا
المخرج الأسطوري (كما لو أنه لم يعش معنا على هذه الأرض) أندريه تاركوسكي ألّف كتاباً رائعاً تحت هذا العنوان "النحت في الزمن" والعنوان يقصد، كالكتاب، أن يعني عدّة أمور من بينها أن صنع الفيلم هو كالنحت في الزمن. يترك علامته الى الأبد ويشيع معرفة زمنية خالدة طالما نحن على هذه الأرض.
لكني سأستأذن المخرج الراحل واستخدم العبارة لأصف بها السينما العربية. هذه المنتمية إلى جزء من العالم لم يحرّك ساكنا في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة على أي صعيد ثقافي بما في ذلك طبعاً السينما
إذا كانت السينما تشبهنا، كما يحلو لبعض الزملاء القول تشبّهاً، فهو تشبيه في مكانه، ذلك لأننا مثلها لا نحرّك ساكناً منذ ربع قرن. نتقدّم في مجالات أخرى كالعقارات والبورصة وشغل المال، لكن حين يأتي الأمر الى صنع الإنسان ..... فإننا مثل الشيخ الذي نسي متى كانت آخر مرّة وقعت في حبّه فتاة،
المشكلة ليست أن السينما العربية لم تبلغ شأناً وليس أنه ليس لدينا مخرجين جيّدين. المشكلة أنها ليست مدعومة من أي طرف، بل وعلى العكس، أكثر من طرف يعاديها.
إذا ما قسّمناها الى مراتب سنلحظ أن الدول التي أنتجت أفلاماً (في مقدّمتها تاريخاً وحجماً مصر) لم تعمد إلى إدراك أن ما حققته كان في غاية الأهمية ومن غير المقبول أن ينضوي، بل تركته ينضوي على أي حال منذ أن وجد الجمهور نفسه أمام وسائل متابعة أخرى أولاً عبر أشرطة الفيديو والآن عبر الإنترنت والأسطوانات المدمّجة.
لم تجد تلك الدول أنه من طموحاتها ورغباتها أن تتدخل لتمنع انحدار الصناعات السينمائية، بصرف النظر عن حجم الواحد منها من دولة الى أخرى، بل عاملتها كما يعامل مضارب البورصة الأرقام المرتسمة. لا يريد الرهان على تلك المنحدرة.
من نافل القول أن السينما ليست بورصة ومن الجنون اعتبارها كذلك، لكن هذا الاعتبار، او شبيهاً له على الأقل، هو الذي حدث لها والنتيجة :
مخرجون عاطلون عن العمل صنعوا دفقها الفني حتى منتصف الثمانينات وكان يمكن لهم، لو استمرّوا الإسهام في تغيير صورة العالم العربي، تلك التي يدفع الإعلام العربي مئات ملايين الدولارات كل سنة كلفة مادية ومعنوية لغرقه في بحر من التشويه واللامبالاة.
مخرجون انطلقوا بعد الثمانينات لكن الفاصل بين كل فيلم يصنعونه والآخر لم يعد يقاس بالسنتين والثلاثة بل يكاد يُقاس (وبل هو يُقاس عند البعض) بالعقود
خسارة موقع لم يتسنّ لنا الحفاظ عليه. مقعد جلسنا عليه ثم طُلب منا النهوض عنه قبل أن يسخن تحتنا. احتلّته السينمات المجاورة الأخرى ونحن لا زلنا نطرح أسئلة من نوع : لماذا العالم ضدّنا ولماذا صوتنا لا يصل ولماذا يشوّهون صورتنا؟
أحقاِ نريد أن نعرف الجواب؟ أحقاً لا نعرف؟
فوق كل ذلك، يأتيك من يقول لك: هذا فيلم المخرج الأول وعلينا أن ندعمه. او من يؤكد لك: أخرجت فيلماً رائعاً ولا أقبل من النقاد أقل من هذه الكلمة وصفاً له. تراه ولا تستطيع إلا أن تدرك أن هذا المخرج الذي امتنع عن مشاهدة الأفلام ليس له الحق الوقوف وراء الكاميرا. يجب أن يكون هناك قانوناً يعتبر الإساءة الى الفن والعقل جريمة.
ثم هناك من يسألك: لماذا تهاجم السينما العربية. إذا كان مثل هذا الكلام هجوماً فهذا سببه: 122 سنة على اختراع السينما والسينما العربية لا زالت تحبو. أليس هذا سبباً كافياً؟
 |
| القاتل وزوجته في "قتلة" |
الحب المفقود يبدأ بالنظرة الأولى وينتهي بالثانية
بين الأفلام العشرة التي تؤلف قائمة أكثر الأفلام رواجاً حالياً ليس هناك أي فيلم أميركي عاطفي. ليس هذا فقط، بل ليس من بين هذه الأفلام واحد يتناول قصّة حب بين بعض شخصيّاته. وهذا يمتد ليشمل معظم الأفلام العشرة التالية بين الخمسين فيلم المعروضة حول العالم. في الواقع، القليل الذي يحتوي على جانب عاطفي أساسي هو أوروبي وليس أميركيا. أفلام مثل "السر في عيونهم" الأرجنتيني الذي تناول الحب بشفافية رائعة جاعلاً إياها المحرّك الحقيقي لأحداث لا تخلو من التشويق البوليسي من دون أن تطغى هذه الأحداث على قصّة رومانسية رائعة بين بطلي الفيلم0
ذلك أنه إذا ما وجدنا الموضوع العاطفي موجوداً في معظم الأفلام الأخرى، وغالبها أميركي، فإنه موجود على نحو كوميدي حيناً وعابر حيناً وبديهي حيناً ثالثاً. في "فتى الكاراتيه" على سبيل المثال، وهو الفيلم الذي يعتلي إيرادات الأسبوع، هناك مثال خجول حول حب الأم لأبنها. الفيلم التالي في القائمة "فريق أ" لا يحتوي على أي نوع او مذهب من مذاهب الحب. أما الفيلم الكرتوني "شْرك للأبد" فهو كرتوني يضرب هنّات من العاطفة من دون أن تكون مقصودة بذاتها. وفي فيلمي :أذهب به الى اليونانيين" و"الجنس والمدينة" هو وارد في مجال من الكوميديا المثرثرة وليس من العواطف المحقّة. أما في فيلم "مارمادوك" فهو أساساً عن حب ورعاية رجل لكلبه، وفي "أميرة بلاد فارس" فإن الحب يأتي في خلفية كل شيء وكتحصيل حاصل لمغامرة تنضوي على كشف المؤامرات وركوب المخاطر والدخول في المطاردات والكثير من المعارك بالسلاح الأبيض0 ومع أن الفيلم من بطولة وجهين مناسبين هما( جايك جيلنهال وجيما أرترتون)، الا أن القبلة الوحيدة بينهما تقع قبيل نهاية الفيلم ولا أثر قبل ذلك الى تطوّر عاطفي فعلي0
من ناحيته فإن بطل "أيرون مان 2" لا يعرف كيف يتواصل مع المرأة التي يحب، ولا إذا ما كان يحبّها فعلاً. وفي "تركيب" غائب تماماً في فيلم يقصد أن يكون فيلم رعب ولا شيء أكثر من ذلك0
الفيلم العاشر في هذا المجال هو "قتلة" وهو الذي من كان من المفترض به أن يكون قصّة عاطفية تلعب دور الأرضية التي تنطلق منها الأحداث في خطّين متوازيين. الأول كوميدي والثاني أكشن سريع. فالحكاية في الأساس تدور حول فتاة (كاثرين هايغل) تبحث عن الحب في حياتها ولا تستطيع أن تجده تحت مظلّة والديها الحريصين على لعب دور الحارس الأمني والموجّه الأبوي لعواطفها. حين تتاح لها فرصة الإفلات منهما خلال رحلة الى مدينة موناكو، تجد الرجل المناسب بأسرع من لمح البصر0
شاب أسمه سبنسر لا تعرف عنه شيئاً لكنها تقع في حبّه من اللحظة الأولى. ربما هو من اللحظة الثانية لكن المفاد هو أنهما يقعان في الحب. أي نوع من الحب؟ ذلك النوع الذي يبدأ وينتهي بابتسامة ود تنتقل بعده الأحداث الى المستقبل فنتعرّف عليهما متزوجين منذ ثلاث سنوات0
هكذا يطرد الفيلم عنصر الحب الذي كان أساسياً في مثل هذه الأفلام لأنه كان قادراً فيما بعد على تأسيس قدر من المنطق والإفصاح عن قوّة العلاقة وتعزيز عنصر الحيرة وقت الأزمات العاطفية التي لابد منها بين أي متزوّجين خصوصاً في الحياة العصرية. وحين يضطر الزوج الإفصاح عن السبب الذي من أجله هناك من يحاول قتله، فإن موقف الزوجة المضطرب يبقى غير مقنع لأن البناء العاطفي مغيّب من الأساس0
 |
| لقطة عاطفية (حقيقية) في "انشودة كابل هوغ" |
نبذ العنف
هناك بضعة مخرجين في السينما الأميركية قُدّر لهم أن يُصنّفوا بأنهم لم يكترثوا لا لعنصر المرأة ولا لعنصر الحب في أفلامهم. خذ كلينت ايستوود مثالا واضحاً في هذا المضمار: من أفلام الوسترن السباغتي الى الأفلام البوليسية في سلسلة "ديرتي هاري". النقد العربي والغربي على حد سواء اعتبرها أفلاماً خالية من العاطفة، وهذا صحيح في أفلام الوسترن الأولى التي مثّلها لحساب المخرج الإيطالي الراحل سيرجيو ليوني، لذلك فإنها مسؤولية واختيار المخرج وليست مسؤولية الممثل بحد ذاته. حين عزز ايستوود وجوده الجماهيري عمد الى تعزيز دور المرأة في أفلامه حتى تلك البوليسية (مثل "ذ إنفورسر" من سلسلة ديرتي هاري) والوسترن الأميركية (كما الحال في "الخارج عن القانون جوزي والز") وبل جعل وجودها عنصراً عاطفياً يربطه، كممثل، باحتمال الوقوع فعلياً في الحب ونبذ العنف. حين أمّ ايستوود الإخراج لأول مرّة لم يختر فيلماً بوليسياً ولا فيلما من قصص الغرب الأميركي بل أنجز دراما عاطفية بعنوان "ذو النسمات" او Breezy
مخرج آخر مساء فهمه جدّاً في هذه الناحية هو سام بكنباه. الأكشن عنده كثيراً ما اختلط بالدوافع العاطفية ، بل لديه فيلم عاطفي من الدرجة الأولى عنوانه "أنشودة كايبل هوغ" مع جاسون روباردس وستيلا ستيفنس. يبقى أن نفهم إذاً لماذا يخفق الفيلم الذي يريد أن يبني شخصياته على أساس عاطفي، كحال فيلم "قتلة" هذا في مثل هذه المهمّة. أيكون السبب في أن الحب بات عملة نادرة في هذا العالم الذي نعيش؟