فيلمان ورسالة واحدة
عدد الأفلام المتقدّمة لسباق أوسكار أفضل فيلم أجنبي بلغ هذا العام 65 فيلماً تمثّل 65 بلداً. هذا الناقد أتيحت
له فرصة مشاهدة أكثر بقليل من ثلثها حتى الآن، ومعظمها يستدعي التوقّف عنده. لكن هذين الفيلمين التاليين يشتركان في رسالة مفادها أن العلاقة بين الإنسان الأبيض وسواه ما زالت تتحمّل الطرح والنقاش. أفلام أخرى سترد تباعاً.
محمد رُضـــا
حتى المطر سرقوه (أسبانيا)
الأفلام التي على شاكلة فيلم المخرجة الأسبانية إيسيار بولان الجديد «حتى المطر» صارت قليلة. نعم، هناك أفلام كثيرة تنتقد وتصرخ وتتعامل مع هذا العالم الذي يزداد هوساً وبعداً عن القيم، الا أن «حتى المطر« ينضح برسالة سياسية لا تُهادن ولو أنها أيضاً لا تنجز غاياتها على نحو كامل.
إنه الفيلم الذي يمثّل أسبانيا في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي وأحد الأفلام الساعية للخروج، على الأقل، بجائزة الغولدن غلوب في القسم نفسه. يدور حول مخرج (يؤديه المكسيكي غايل غارسيا برنال) ومنتج (الأسباني لويس توسار) يصلان الى قرية كوشابامبا في بوليفيا لتصوير فيلم روائي عن رحلة كريستوفر كولمبوس الى القارة الأميركية سنة 1492. كل شيء في مكانه. هناك ممثلون أسبان سيؤدّون أدوارهم المختلفة بينهم الممثل الذي سيجسّد شخصية كولمبوس، وذاك الذي سيجسد شخصية ممثل الكنيسة الذي جاء معه، والمطلوب مجموعة من المواطنين المحليين لأداء شخصيات المواطنين الأصليين الذين التقى بهم الرحالة الأسباني حين حط الرحال. هؤلاء متوفّرين من القرى والمزارع المحيطة. إذ ينطلق التصوير ويتم إلباس المواطنين المنحدرين مباشرة من هنود المنطقة الذين استقبلوا كريستوف وجنوده ورجاله بترحاب وفضول.
خلال التصوير، تقع أحداث موازية: شركة مياه أوروبية تحاول سرقة الماء من المزارعين لري مشاريعها الخاصّة معرّضة محصولهم الزراعي لإبادة مؤكّدة. المزارعون ينتفضون في ثورة عارمة، وبينهم أحد الشخصيات التي تؤدي دوراً رئيسياً في الفيلم ما يعرّض عمله للخطر، لكن المنتج والمخرج متّفقان على أنهما لا يستطيعان استبداله وقد تم تصويره في مشاهد عديدة يسعيان لإطلاق سراحه بعدما اعتقله البوليس فيمن اعتقلهم من المتظاهرين. لكن الفيلم ذاته كان أخذ يُغيّر هذا الفريق الأسباني الذي جاء يصوّره في بيئته الواقعية. لقد تبدّت لهم مساويء ما قام به كريستوفر كولمبس ومعاناة الهنود الحمر من أيام "اكتشاف" القارة الجديدة الى اليوم. المخرجة بولان تعرف كيف توعز ثم توضح كيف أن المعاملة التي بدأت بسرقة الأرض والذهب ومحو التقاليد والثقافة الخاصّة استمرّت وها هي شركات غربية تحاول سرقة الماء (الذي يهطل من السماء) من هذا الشعب، او كما تقول إحدى الشخصيات: "لا زال علينا أن نقاوم لكي نبقى أحياءاً. تماماً كما في السابق".
تنتقل المخرجة بين الأحداث الحالية وبين ما تصوّره (طريقة فيلم داخل فيلم) لكنها تتوسّع في اتجاهاتها النقدية حتى توصل الطروحات الى أقصاها في إدانة للعالم الغربي. الفيلم الذي جاء المنتج والمخرج لتنفيذه في بوليفيا، يصبح المنفذ الذي تنتقل عبره من الواقع الحالي الى التاريخ. وهي تفعل كل ذلك بوتيرة مشدودة وتوزّع المشاهد في عناية ودراية. وفي الجزء النهائي تصل الى تحليل الموقف الفردي، فالمخرج الذي قال في البداية "الفيلم يأتي أوّلاً" يدرك أن هناك واقع قد يقلب الخيال ويعيده الى الحقيقة، والمنتج الذي كان خائفاً من هدر ماله، يصبح همّه إنقاذ طفلة مصابة والقائد الثوري البسيط ليس لاستكمال التصوير بل تأييداً لسياسته
إنه من الوقائع الثابتة في السجلاّت أن كولمبس، إذ وصل الى "الأرض الجديدة" واستقبل بحفاوة الهنود الذين أطعموه وجنوده وأحاطوه بالترحيب، راح يكتب للملكة عن هؤلاء "المتوحشين" وعن الذهب الذي لا يقدّرونه وكيف سيسعى الى الاستيلاء عليه. سريعاً فيما بعد أصدر قانون ضريبة فصار على كل هندي دفع ضريبة من الذهب ومن لا يفعل تُقطع يده. أما أولئك الذين تمسّكوا بتقاليدهم فقد تم إحراقهم بموافقة الكنيسة. الفيلم يُثير الغضب لكنه من الجودة بحيث يحوّل هذا الغضب الى إدراك ورسالة في مكانها .
 |
| من فيلم "جميل" |
وحش جميل
حين تسأله إبنته الصغيرة كيف يكتب كلمة Beautiful
يأتي جوابه على هذا الشكل Bietiful
وهذا الشكل يتّخذه المخرج البارع إياريتو لوصف الرجل بطل الفيلم من ناحية ولوصف معاكس لما هي عليه حقيقة الأحداث والبيئة التي تقع فيها. لا شيء جميلاً في هذه الصورة بل العكس: قاتم وداكن ومؤلم، هذا باستثناء جمال هذا الرجل الذي تحرّكه عواطفه الإنسانية وسط ظروف لا يستطيع معها سوى تحمّل نتائجه ونتائج ما يفعله الآخرون.
يبدأ إياريتو (مخرج "21 غرام" و"بابل"، ) فيلمه برجل يرتدي خاتماً ويد أنثوية تمر على الخاتم في أصبعه. يخلع الخاتم ويهديه لصاحبة الأصابع الرقيقة، هذا ما حوار شبه هامس. في نهاية الفيلم تُعاد اللقطة لكنننا الآن نعرف من هو صاحب الخاتم (فعلياً وليس من صوته فقط) ومن هي الأنثى التي تعجبها الهدية فتضعها في أصبعها.
أكسبال (باردم) هو إنسان مُصاب بالسرطان ولديه شهرين على الأكثر ليعيشهما. هو أيضاً رجل متزوّج ولديه ولدين صغيرين. فتاة فوق العاشرة أسمها آنا (تقوم بها هناء بوشايب ذات الوقع المؤثر بوجهها اللافت الحزين) وصبي دون العاشرة أسمه ماتاو (غيلرمو استريللا). زوجته مارامبرا (ماريسل ألفاريز). علاقته مع زوجته متوتّرة في أفضل الأحوال. إنها ترغب في أكثر مما يستطيع الإيفاء به (جنسيا وعاطفياً وعلى صعد أخرى) وهي ليست زوجة تعرف العناية بالأولاد وبحاجة لمن يرشدها (كما تعترف في النهاية). تحب أكسبال لكنها لا تعرف كيف تحبّه. دائماً هي في المحور ومن دون أن تكون قادرة على التصرّف على هذا النحو.
على حسن مزايا أكسبال الا أنه يعمل خارج القانون. لديه علاقة عمل مع سنغاليين مهاجرين يتاجرون بالمخدّرات وعلاقة أخرى مع رئيس مصنع حلويات صيني ومدير أعمله يستوردان مهاجرين صينيين بسبب رخص اليد العاملة. هؤلاء المهاجرون لديهم قاعة تحت مستوى الأرض يعيشون عليها ومعهم أولادهم. يتعرّضون لمعاملة خشنة ونهر مستمر ويمضون حياتهم في عمل متواصل من الصباح الباكر حتى الليل من دون رعاية. أكسبال على الرغم من ذلك، هو رجل يحب الإنصاف وينتفض غضباً حين يضرب البوليس بريئاً من السنغاليين (يقوم به الشيخ نيداي) وحين يكتشف سوء المعاملة التي يتعرّض إليها الصينيون. وكل هذا يحدث بينما يحاول سبر حياته -او ما تبقّى منها- خافياً عن الجميع إصابته وقصر عمره.
الرحلة التي يأخذنا إليها إياريتو وكاتبا السيناريو أرماندو بو ونيكولاس جياكوبوني منهكة من حيث مرورها على ما سبق وغيره من الشخصيات والطروحات والمضامين الاجتماعية. لكن إياريتو يمنح الفيلم كل ما يطلبه ذاك من ثراء في الصورة (تصوير رودريغو برييتو) تكوينا واختيارات. كذلك فإن الموسيقا (غوستاف سانتاولالا) التي يختارها لافتة والمونتاج الذي يقوم به دقيق ومتآلف مع الغاية.
لا يكترث لصنع فيلم مشوّق بل فيلماً حقيقياً، لكن حينما يكون على المخرج ومونتيره ستيفن ميروني استخدام التوليف لعكس إيقاع كما الحال في مشهد مطاردة البوليس للسنغاليين فإن ذلك يتم عبر تنفيذ من باب أوّل.
باردم عميق وخبير فيالدخول تحت جلد الشخصيات التي يمثّلها. وهو هنا يفعل الشيء نفسه. رجل محمول بهموم الدنيا وفوق ذلك بمشاكل عائلته وبقرب موته، وما تقرأه على وجهه هو بالتحديد كل هذه الهموم وقد تآلفت بحيث أن البهجة الوحيدة التي يطالها في الفيلم هي تلك الليلة التي قضاها في المرقص مع أخيه المدمن الذي كان تدخّل لإخراج أكسبال من السجن (حيث أودع بعد دفاعه عن السنغالي) ثم أخبره من دون أن ترمش عينه خجلاً بأنه سيقتطع الغرامة التي دفعها من تركة والديهما.
الاختلاف الرئيسي بين هذا الفيلم وأفلام إياريتو السابقة هو اختلاف الكتابة. انفصاله المهني عن كاتبه السابق غيلرمو أرياغا غيّر من طريقة العمل: عوض الأحداث المتوازية التي تألّف منها "21 غرام" و"بابل"، لدينا صياغة منتظمة في هذا العمل الذي يترك هم الإنتقال من مواقع متباعدة لكنه لا يترك هم الحديث عن شجون العالم حتى ومن موقع أحداثه في برثلونة.